الطيب جوادي

إذا صادف يوما ومررت بحي الغلابة فحاذر أن تقودك قدماك إلى نهج المعصرة وبالتحديد منزل قابع
في أقصى الزقاق الضيق تظلله شجرة سنديان ضخمة كأنها تواريه عن الأنظار ..فساكنته إمرأة سيئة
السمعة "مثل الشمس تمنح الدفء لخلق الله بدون حساب "كما تقول عن نفسها أو "الممثل الأعلى لإبليس"
كما يقول عنها أبو محمد إمام المسجد..لذلك يحرص الجميع في حي الغلابة على التبرىء منها وتجاهلها
ويحرص كل الرجال-بالخصوص- على إنكار أي صلة لهم بها من قريب أو بعيد ،ويمتنعون عن تبادل مجرد التحية معها إذا اعترضتهم صدفة في الشارع ويشيحون عنها بوجوههم بل ويبصقون على الأرض علامة الإستنكار والإستنهجان

بل ان عبد السلام النهدي المقاوم القديم أيام الإحتلال الفرنسي لا يتردد في الدعوة إلى ذبح "نرجس "من الوريد للوريد
قبل التفكير في تحرير فلسطين "فاليهود يعرفون الله " وهذه ال.....لا تعرفه "يقول للجميع في كل مناسبة ..
وتحذر "ناهد" المتقاعدة حديثا من "كازينو المتوسط "بإحدى المدن السياحية بأن "هذه الفاجرة "ستجلب
"التسونامي "لكل شمال إفريقيا " إذا لم نخلص منها البلاد والعباد ويصر صالح التازي الشيوعي أنها أسوا من الراسمالية ومن القيصر ذاته !ولا يتردد كمال المرابط رئيس فرع الحزب الحاكم في الإدعاء بأنها أسوا من جماعات حقوق الإنسان !!!وحده "صالح الفاهم " شاعر حي الغلابة يقف في صفها "فهي "مصدر إلهامي "والجمال الوحيد في هذا الحي البائس !!يقول لكل من ينتقد تعاطفه مع الست"نرجس" !!


وآه من "نرجس" عندما تمر بجانب مقهى حي الغلابة !!تجف الحلوق وتشرئب الأغناق وتغوص القلوب بين الضلوع !
يتضوع عطرها الباريسي النافذ فيخدر الأرواح والعقول ويرسل أبو عبدة نظرة سريعة من تحت نظارته السميكة تحتضن الجسد البض الملفوف ويداعب "أبو صالح " شاربه الكث الذي وخطه الشيب وكأنه يستحضر رجولة نالت منها الأيام والسنون ،وتتوقف أصابع "أبو محمد " إمام المسجد للحظات عن مداعبة سبحته المذهبة مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم بصوت مسموع ،أما صالح التازي فيضرب كفا بكف ويحك شعررأسه بتوتر ظاهر ويغمغم بكلمات غير مفهومة وكأن مسا من الجنون قد أصابه!!

واليوم ،حدث ما لم يكن في الحسبان!!مما لا يخطر على بال إنسان!!
ولو أن الأرض زلزلت ،والجبال دكت والشمس طلعت من المغرب،ما أحدث كل ذلك ما أحدثه الخبر الذي انتشر هذا الصباح من بيت إلى بيت ومن أذن إلى أذن وكأنه النار في الهشيم :الحاج الطاهر السعدي "كبير " الحي ورمز
الحكمة والرصانة ،الرجل الذي يقصده الكبار والصغار طلبا للمشورة والنصح عند الملمات ،قرر تطليق زوجته والزواج من "نرجس" بائعة الهوى!!

ولم تتأخر ردود الأفعال
اجتمع الرجال في مقهى الحي لتدارس "الكارثة" التي نزلت على رأس الحي!!
كان الغضب واضحا على الوجوه التي اربد لونها حنقا ، أما العيون فتكاد تقذف بالشرر!!
كان الجميع متشنجا ثائرا لاعنا ساخطا،وكأن الكلّ قد أضاع شيئا ثمينا لا أمل في استرداده!!

هدأت الأصوات فجأة بمجرد دخول ابي عبدة الجزار ، ،وتطلع الجميع إليه وهو يشير عليهم بالجلوس والهدوء:وبعد أن طلب شيشة ورشف رشفات متتابعة من كاس الشاي الأحمر المنعنع أمامه وبعد أن داعب شاربه الكث الذي يحتل نصف وجهه ،تنحنح وتشهد وحوقل ثم اتجه إلى الحضور بصوته الجهوري الذي لا يخلو من الحشرجة :يا جماعة
إذا تزوجت "نرجس " وحجبها الحاج الطاهر في بيته ،ماذا سيتبقى من جميل في هذا الحي البائس الكئيب"؟
صمت قليلا ،دقق النظر في الوجوه التي ارتسم عليها الشرود والضياع ،قبل أن يضيف:"ساعتها لن يبق لنا إلا أن نقبع أمام قناة الجزيرة وأن ننظر الموت مثل الكلاب المتشردة"
ران الصمت على الجميع ،،وكان واضحا أن ابا عبدة وضع إصبعه على الجرح!!