صلاح بن عياد

جرح تحت القلادة

يا جرْحا تحت القلادة في تكسّر الضوء.

يا خدشا مائيّا في رقبة مؤنّث من هواء

يا شبّاكا مُغلقا.

يا بيْتي البعيد عن الفضّة،

أقفُ الآن في مكوّنات الفجر

أبقى بالجدار صورة لا تقول...

أهيّئ شفتين للتفاحة الليليّة

لا جسد للقلم

لا القصيدة امرأة

خشبا أحلم بأوراق قديمة.

سأتفرق كما تنقشع الطّيورُ

سأطلق صرْخة في الماءْ.

يتشوّه الفجر عند أقصى الرّجلين

أنياب نهار قديم ثغر هذا الصّباح...

يا أيّتها القلادة لا تبرُقي.

هو الضّوْء كاذبٌ

كلّ ما على عُنق امرأة

-كصخب الحانة-كاذبٌ.

أشتاق كلاما كثيرا وحليب أُمّي

بعد هذا الزّجاج الأسود،

أمسح السماء من وجهي

أغترف تقاسيمي في ليل الغموض هذا.

يا جرحا تحت القلادة و كلّ الماءْ على الرّقبةْ

إنّي أتوسّد حجر الرّأس

باليد طينٌ مستقبليّ لامرأة من ضوءْ.

من خان من السّحب الشاحبة فوق كتفي؟

من خان حتّى يبرد المكان مثل طير لم يهاجرْ؟

أحاول تسوية صورة حائطية في الرّوح، من خان؟ 

يا قلادة مرميّة فوق الجرْح على عُنقها، من خان؟

من خان من نمل الظّلمة السّائر؟

من الصراصير المتعجبة لقمر يومض و يتوسط العينين؟

من النثر الحاجب للمستقبل و لقصيدة ما؟

من خان؟

من كلّ الجزئيات في فراشي الشتويّ الثّائر

أظلّ هنا أو هناك في الصّدى:

"من خان"

في الضّوء عينيّ و لم أفهم بريقك يا القلادة

أ جرْحا على الرّقبة أم ابتسامة على ثّغْرها؟؟

**

هل نضبت طرقُ القصائد إليها؟

 

لا موج ينشأ الآن في بغتة الجدران.

أمّا الحديقة فزحفت بعيدا كحلزون واثق من الهواءْ.

هل نضبت طرق القصائد؟

مدرج يوصل إلى دائرة وجهها

وهذه المفاصل كأنها أسئلة

أو مخطوط إله يائس من أصابعه.

هل نضبت الطّرقُ؟

كأن سطح داري مختلف...

كأن ماء الكنيسة ورق مشطوب المعجزات،

الفنجان الأبيض يابس الشفتين مثل أرملة.

هل نضبت؟

تكفّ خزانتي عن اشتهاء مدى آخر لأصابعي.

تكف الأوراق عن شدّ ثيران التناقضات في الذّاكرة..

نضبت طرق القصائد.......... وحمّى.

على مرأى الأركان الأربع

على مرأى الشبّاك السّاكن

مثل حرف في لسان صبي يعود مسرعا

إلى حيث لا يدري

ولا أدري....

على مرأى الزّجاج المغلوط في وجهي

على مرأى آخر انتصارات إله على ضفيرة امرأة

على مرأى كلّ هذا تشتعلين.

وأخفيك في نفسي مخافة نفسكِ

الراكضة في اللغة البياض.

نضبت طرق القصائد...

الحانة تُغلق على ثرثرة معتّقة و بول المشرّدين.

في وسع الشارع أن يضيق

لا بديل عنك سوى تقاذف الذّباب و الذّكريات

قطّ متلهف يتعب من اتّباع

النّعوت في الصّراخ.

كلّ مكوّنات المدينة في وجهي

الآن تصرخ،

تصرخ طريق العودة إليّ مشيا

أو حُبّا قديما مجفّفا

نضبت الطرق...

لا أخطر في ذهن المكان

لا أسحب أحلامي الزاحفة

بل أغلق خزانتي على جنتيك المهاجرتين

هذا الشّتاءْ.

يا كلّ الماءْ

يا أغنياتها الراسخة في الخشب

يا كلّ امرأة أمرّ إلى فكرة تأنثها

من خان القصائد التي لم أكتب؟

من خانها فلا تأتي في زحام الماء

القصائد التي أكتب

من خانها في ضوْء قلادة لا يُكتب.

-----------------------------------------------------------

شاعر من تونس

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

أيتها الأرض


أيتها الأرض
أيتها الشّاة و حليبها الرّماديّ
سوف أحرق صور الذّئاب النّابتة في الحدائق.
الذّئاب المنطلقة نحو شمس تحبس كالنّفس في الأفق.

أيتها الأرض المجروحة في كلّ مكان بخطوتيها
أيتها الحزينة الحالمة
أيتها الحاملة للمسات حمراء ولمساءات سمائية نائمة

أيتها الحاضنة لريش القصص
و لبيضات الفراغ السّوداء
ها يداي المشقّقتان من فرط خربشتي لطينك الحق

أيتها الأرض
بورك شالك المحترق بأعين العاشقين

++

قصيدة

حذاء فان كوخ

صلاح بن عياد


ألبس حذاء "فان كوخ" المفرد

أرحل في الزَيتيَ اللاصق

أجرّ خيطيه الأسودين إلى خارج اللوحة



حذاء "فان كوخ" يلامس الطريق الآن

الطّريق اليابسة والطويلة

على مرآي اللّحى الحمراء فوق الأرصفة

أحدق في نظرتين متدحرجتيْن

من أعلى اللوحة
أجرّ الخيطين إلى المنتهى



حذاء "فان كوخ" تآكل الآن

يتذكّر ركنه الزيتيّ المريح

أمضي به لإسكافيّ جائع

يستند إلى شجرة

الإسكافيّ المحدّق في قلق الذّباب



لن يفهم الإسكافيّ خيطيّ

لن يفهم بأي المسامير يُلصق "ذاك" ب"ذاك"

لن تكفي الألوان

لن تكفي فرشاتي

لحلّ عقدة الخيطين

لا شيء يكفي لاسترداد

عمق الحذاء في ركنه الزّيتي



أنا في الطريق أحمل الحذاء إلى

داخل اللوحة