سعيد محمد الجندوبي


"والنخلة أرض عربية.." قصة قصيرة بقلم سعيد محمد الجندوبي


إلى مظفر النواب.. هناك مع الخالدين

حدائق  روما, صائفة سنة 198...


ككلّ خميس, غادرتُ شقّة السّيّدة روزانا بلاّلونا على السّاعة الثّانية بعد الزّوال. كان كلّ شيء على ما يرام. تناولتِ السّيّدة ذات الثّلاثة وسبعين خريف, الغداء وكذلك جرعة وبضعة حبّات من دوائها اليومي, ثمّ اصطحبتها نحو مكانها المفضّل, أريكة وثيرة قبالة التّلفاز. كانت على مقربة من يدها اليمنى, طاولة صغيرة وُضع فوقها آخر ما أفرزته التّكنولوجيا الحديثة من وسائل الاتصال بالعالم الخارجي: الهاتف, آلة التّحكّم عن بعد, للتّنقّل عبر قنوات الشّاشة المتعدّدة, وكذلك زرّ أحمر يمكنها عند الضّغط عليه تنبيه رجال النّجدة, إذا ما اقتضى الأمر ذلك.
قبل مغادرة الشّقة, ألقيتُ نظرة أخيرة على المطبخ. كان كلّ شيء في مكانه. الصّحون مغسولة, وكذلك بقيّة الأواني. وحوض الإينوكس ينمّ بريقه على أعلى درجات النّظافة. أنا فخورة بنفسي اليوم...
في الشّارع الطّويل فيال ديلّونيفرسيتا, توقّفتُ برهة عن السّير أمام المحطّة وتساءلتُ بتردّد: "هل أنتظر الباص, ربّما لعشرين دقيقة أخرى؟ ثمّ إنّه قد يأتي مكتظّا!... لا, سأمشي... أريد أن أفقد المزيد من الكيلوغرامات".
وهكذا انسابت رندا, عبر شوارع المنطقة الجنوبيّة لمدينة روما, تلك الشّوارع الأنيقة, العريضة, الهادئة. وما أن وصلت إلى مدخل الحديقة الضّخم, حتّى اتّجهت عبر طريق طويلة وملتوية إلى مكانها المفضّل: مقعد خشبيّ داكن الخضرة, يقع تحت شجرة زيزفون فارعة غصونها, وارفة أوراقها, مغدقة بجانب وافر من ظلالها على البحيرة فتكاد تلامسها.
خلعت رندا حذاءها ذو الكعب المتوسّط العلوّ, ومدّت ساقيها الطّويلتان إلى الأمام, وأرخت برأسها إلى الوراء, كأنّها تحاول أن تتمطّى سرا. وضعت بجانبها على المقعد كتابا مغلقا, وأغمضت عيناها في لحظة استرخاء تسبق الغوص في بحر الحروف والكلمات. كانت بين الفينة والأخرى ترفع رأسها, لتتحرّر من عمليّة فكّ تلك الرّموز الصّغيرة السّوداء, فتضع الكتاب على صدرها وتترك لعينيها حرّيّة اللّعب مع أشعّة الشّمس الذّهبيّة المنعكسة على مياه البحيرة.
لاحظت, خلال التفاتة عفويّة نحو الجانب الأيمن, وجود شابّ جالس مثلها على مقعد قبالة البحيرة, تفصله عنها بضعة أمتار. كان هو الآخر يمسك بكتاب؛ ولكنّ الشّيء الذي استرعى انتباهها أنّه كان يسترق النّظر إليها. فكلّما توقّفت عن المطالعة, أغلق هو الآخر كتابه, وفعل ما كانت تفعله: تأمّل ذلك الامتداد المائي. وبينما كانت رندا منغمسة في القراءة, غير آبهة لما حولها, أخرجتها نبرة رجاليّة من أحلام الكتاب. اقترب ذلك الشّاب منها وبغمغمة التّردّد والخجل ألقى عليها السّلام:
- "بُوُون دجيورنو سينيوريتا!
- بُووُن دجيورنو.
- هل يزعجكِ أن أجلس بجانبكِ؟"
نَظرتْ إليه بنوع من الغرابة, أتبعتها ببسمة غامضة, ثمّ أفسحت له مكانا على المقعد قائلة:
- "لا!.. هذا لا يزعجني.. إنّه مقعد عمومي".
"تُرى ماذا يمكن أن يكون حكمها على ما أنا بصدد فعله؟ هذا عربيّ آخر يحاول بطريقة ركيكة معاكستي! أنا متأكّد أنّها تفكّر كذلك في هذه اللّحظة"...
بالفعل, لم يكن تخمينه بعيدا كلّ البعد عمّا كان يجول بخاطرها. لم ييأس. استجمع كلّ ما أوتي من شجاعة وقال لها:
- "أَ.. هل.. هل أنت عربيّة؟"
وكانت رندا قد عادت إلى كتابها.
- "نعم! وهل يخفى هذا؟"
فوجئ الشّاب بسرعة الجواب وبحَدّته القاطعة, وأخذ يفكّر فيما يمكن قوله.
كانت رندا بالفعل, ذات ملامح جليّة العروبة. شعر غزير يكاد سواده يستحيل, تحت أشعّة الشّمس, إلى نوع غريب من الزّرقة الداكنة. حاجبين أسودان فُطرا على دقّة وجمال الرّسم, تنبعث من تحتهما نظرات يتخلّل السّواد فيهما حدّة وسحر لا يمكن مقاومتهما إلاّ بتجنّب النّظر فيهما بدون إذن مسبق.
- "أنا أيضا.. عربي".
واصلت رندا القراءة كأنها لم تسمع ما قاله.
- "هذا بالفعل يوم من أيّام الصّيف.. أليس كذلك؟
- نعم!
- هل أنتِ طالبة؟
- نعم!
- الظّاهر أنّي أزعجتكِ.. إذا أردتِ أن أذهب, فسأفعلُ ذلك؟
- هذا شأنكَ! " ثمّ أضافت بنبرة أكثر هدوء: "لستَ بمزعجي.."

استشفّتْ رندا, بحسّها الأنثوي الثّاقب, من ارتباك وخجل مخاطبها أنّ نيّة المعاكسة, حتّى وإن وُجدت لديه, فهي لطيفة ومهذّبة وشديدة الخفاء. فاستفزّته قائلة:
- "أنتَ كعشرات من أمثالك, ممن يرون في كلّ فتاة منفردة, عصفورا قابلا للاصطياد. أليس كذلك؟"
احمرّ وجه الشّاب ووجم عن الكلام.. فهو في قرارة نفسه لا يعتبر ما قالته بعيدا عن الواقع. ولكنّه أجابها مبتسما ومحاولا إخفاء اضطرابه:
- "لا! المعذرة.. أنتِ في هذا مخطئة... فأنا لا أريد معاكستك فضلا عن


إزعاجكِ.
- كن صادقا ولو للحظة... لماذا تحاول تجاذب الحديث مع فتاة لا تعرفها ولا تعرفك؟
- هك.. هكذا.. لا لشيء.. صدّقيني.. أنا لست من هواة معاكسة الفتيات. وفي كلّ الأحوال فأنا لا أحسن فعله!
- فعلا في هذا أصدّقك!" وانسابت على شفتيها ضحكة مزيجها السخرية اللّطيفة المازحة والاعتذار عليها. وابتسم الشّاب أيضا.
- "إذا لم تكن بصدد معاكستي فما الذي جاء بك إذا؟
- تريدين الحقيقة؟
- لا أريد غيرها
- كنت أقرأ قصيدة لشاعر عربي, لا أدري إن كنتِ تعرفينه, ووصلتُ إلى هذا البيت: "والنّخلة أرض عربيّة..." وفجأة رفعتُ رأسي فرأيتكِ تستعدّين للجلوس على مقعدكِ هذا, فقلت لا شعوريا: "وأنتِ أرض عربيّة"! ضحكتْ رندا وسألتْ:
- "من الشّاعر؟
- مظفّر النّواب... شاعر معاصر, من العراق... إنّه شاعر ملتزم.
- لم أسمع به قبل اليوم... أعترف بأنّ ثقافتي الأدبيّة محدودة جدّا...
- ومع هذا أراكِ تحبّين المطالعة.
- أتظاهر بذلك... حتّى أبدو مثقّفة!"

انقطع الكلام بينهما, وساد صمت لا يقطعه إلاّ الحوار الجميل الدّائر بين سكّان الحديقة من العصافير المتعدّدة الأعراق والأجناس, يؤمّن له خرير شلاّل اصطناعي صغير نوعا من الإيقاع المتواصل. في غمرة هذه الأجواء السّنفونيّة, أنطلق من شفتيهما في ذات الوقت, السّؤال نفسه:
- "ما اسمكَ؟... ما اسمكِ؟"
وضحك الاثنان ضحكة صافية, بريئة, متواصلة. كلّما حاول أحدهما التّوقّف عن الضّحك, والاعتدال في الهيئة من جديد, إلاّ واستفزّه منظر الآخر وهو يبذل نفس الجهد.
* * *
مرّت ساعتان أو أكثر, وهما على نفس الحال. وضعا كتابيهما على جانب من المقعد وانغمسا في أحاديث لا نهاية لها, ولا موضوع يربط بينها, تتخلّلها بين الفينة والأخرى ضحكات بريئة, فانقباض أسارير, فدموع تترقرق في عينيهما, فصمت, فضحك من جديد, وهكذا إلى أن نُبِّها من قِبَل حرّاس الحديقة بأنّ الأبواب ستغلق بعد ربع ساعة.
"- يا إلهي لم نشعر بالوقت يمرّ!"... قالتها رندا متأوِّهة وهي تضع حذاءها.

في الباص, لم يتبادلا الكثير من الكلام. اكتفيا ببعض النّظرات المسترقة, المتعجّلة, والجاهلة لما تريد, والّتي تنتهي أحيانا بابتسامة منقذة.
نزلت رندا عند محطّتها, وواصل الشّاب رحلته. امّحت كلّ الصّور من مخيّلته, إلاّ صورة رندا وهي تودّعه, بصوتها العذب, قائلة قبل أن تُغلَّق أبواب الباص:
- "تشاو.. مع السّلامة.. لا تنسى!
- لا أنسى!؟.. ماذا؟
- النّخلة!
- آه.. والنّخلة أرض عربيّة.. "