ابراهيم درغوثي

 

 

+++++++++++++++++++++++

 

أعشاش الحمام البري
قصة قصيرة : ابراهيم درغوثي


عدت اليوم إلى الدار بعد غيبة دامت أكثر من عشر سنين . وضعت المفتاح الكبير في ثقب باب الخشب. دفعته بيدي، فاستعصى في بادئ الأمر ثم أطاعني فدخلت إلى السقيفة ومنها إلى بقية الغرف ...
التراب تكدس في كل مكان:
رمال الصحراء الصفراء الغليظة ،
وتراب الشمال البني ،
والغبار الرقيق ارتفع أكداسا هنا وهناك .
والنمل حفر أوكاره تحت الحيطان التي تشققت .
وشجرة التوت التي عاشرت جدي ، ماتت.
والأرض احتضنت أوراقها وبعضا من الأغصان التي كسرتها الرياح .
والمدجنة تهشم بابها
ووضع
اليمام
بيضه
فوق
أعشاش
الحمام

*****

رأيت سربا من الحمام يطير فوق رأسي عندما اجتزت باب السقيفة ودخلت إلى ساحة البيت .
طار الحمام عاليا ثم حط فوق السطوح، وراح يراقبني بعيون مسكونة بالفجيعة.
وسمعت داخل الأعشاش صوصوة الفراخ الصغيرة.
ورأيت ظلال الجدارن تكدست وسط الساحة لترسم مستطيلا قدام السقيفة وشبه منحرف أمام بيت الوالدة.
خطوت
خطوتين
باتجاه
الدار
فخفقت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح

*****
باب البيت كبير .
لونه : أزرق نيلي.
وعلى الباب رسوم كثيرة:
سمكة
وكف
وسفينة سيدنا نوح
وهودج الجازية الهلالية
وسيف علي بن أبي طالب
وبيتا شعر خطهما أخي الكبير :
الأول يقول :
" يا دار عبلة
بالجواء تكلمي
وعمي صباحا
دار عبلة واسلمي."
وقد كتبه عندما عشق ابنة الجيران وهام بها وجدا.
والثاني خطه حين أكتشف حبه، فسامه أبي عذابا ومهانة.
فكتب بخط يكاد لا يرى:
يا دار
جمع فيك الشؤم واللؤم
متى يعشش في أركانك البوم ؟

*****

دفعت الباب، فعاند.
ودفعته بقوة فاندفع إلى الداخل يئز ويعوي.
وخرج من الغرفة هواء فاسد كهواء القبور.
وخيل إلي وأنا أضع رجلي اليمنى داخلها أنني أرى أشباحا تتراقص.
وحين اعتدت النظر في الظلام،رأيت صورتي مرسومة على بلور خزانة الملابس،
فابتسمت.
وردت لي الصورة ابتسامتي المرتبكة.
ثم انخرطت في ضحك مجنون.
ضحك كعواء ابن آوى .
ورفرفرت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح.

*****
مسحت دموعي بكفي.
وخطوت بوجل داخل الدار، إلى يمين الخزانة،

باتجاه صورة الوالدة المعلقة قريبا من الشباك.
سلمت عليها،
فخرجت من الصورة،
واحتضنتني.
وضعت شفتي الملتهبتين على جبينها،
وبكيت.
فمسحت أمي دموعي،
وربتت على كتفي،
وعادت إلى الصورة المعلقة قريبا من الشباك.
وقفت هنيهة قرب الحائط أتأمل وجه أمي ،
فخرجت كلماتها من جوف الحائط كالصدى البعيد:
لقد سئمت هواء القبور،
افتح شبابيك القلب يا ولدي،
وخذني .
ضربت المسمار المغروس في قلب الحائط،
فسال الدم على الجدار.
اقتلعت المسمار،
ورميت به من الشباك،
فرفرفت
أجنحة
اليمام
فوق
السطوح.
*
وضعت الصورة في جيبي .
وضعت أمي فوق القلب مباشرة
وخرجت....

*****
تركت
ورائي
باب
الدار
مفتوحا....

_________________

 

+++++++++++++++++++++++++++++




المغني  
 

  قصة قصيرة

 *ابراهيم درغوثي


» اِقْرأ يا » حمّة « بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ! «
ظلّ المؤدّب يردّد هذه اللاّزمة كلّما علا صوتي في الجامع الكبير. يردّدها لنفسه وللعالَمين. ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم همْسا وجهْرا وَيُهمهم :
- في صوت هذا الولد غواية ! والعاقبة للمتّقين !
وما كنت أعرف الفرق بين الغناء والتّرتيل. الكلّ عندي سواء !
المهمّ أن تخرج الحروف والكلمات من حلقي حُلوة منغّمة، أطرب لها ويطرب لها أصحابي تلاميذ مجالس حفظ القرآن في مساجد الجريد.
أنطلقُ في القراءة فيكفّ الجميع عن الكلام، ويصمت المؤدّب أيضا ويكفّ عن الضّرب بعصاه على الألواح والجدران.
وينطلق صوتي رخيما، عذبا، يعبر الأزمان والأمكنة، فتخرج النّساء من منازلهنّ ويقفن أمام باب »الخُلوة« التّي كنّا نحفظ فيها القرآن. يقفن تحت لهب الشّمس وصهد » الشّهيلي « وكأنّهنّ خارج الوعي بالموجدات الحسيّة. وتعتريهنّ حالات من الوجْد فيبكين، ويتوجّعن أو يطوّحن بالشّعر في كلّ الاتجاهات أو ينحْن أو يغنّين ورائي. يردّدن الآيات بأصواتهنّ الرّخيمة إلى أن ينادي المنادي لصلاة العصر، فيعدْن لمنازلهنّ، ويقفن أمام الأبواب وَجِلات كطيور الحجل، يَرْقُبن بشغف خبط عصاي على حجارة الحيطان فيعطينني هدايا صغيرة : قطع نقديّة مثقوبة من الوسط، وحبّات حمّص مُملّح، وكسرة خبز، وقطعة من جبن الماعز اليابس وشربة ماء باردة من سِماط يتدلّى على كتف عجوز أقسمت برحمة العزيز أن تسقي كلّ يوم سِرْب طيور الجنّة الحافظين في صدورهم كلام الربّ .
ظللت أقرأ القرآن . أرتّله للمؤدّب وأغنّيه للنّساء إلى أن حفظت الستّين ولم أبلغ الخامسة عشرة من عمري فقال لي المُقرئ يوم « الِختمة »* :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادرْ هذا المكان يا ولدي وابحثْ لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
هِمت في دروب الصّحراء . أخرج كلّ صباح بعد صلاة الصّبح أطرق أبوب المجدبة الكبرى . دليلي قلب تسْطع منه أضواء تقود خطاي إلى ظِلّ أشجار الطّلح والنّخيل . أتدبّر طعامي وشرابي من رُعيان الماعز والبُعران . أكرّر السّور صبْحا ومساء حتّى لا أنساها فينطفئ في قلبي النّور الذّي يهديني سواء السّبيل. وأغنّي ليلا في أعراس البادية. أغنّي للمخمورين والمجانين فتنفتح في وجهي أبواب السّماء.
في الخريف أوصلني أبي إلى جامع الفرْكوس(1). أجلسني جانب سارية وذهب. لم أتألّم كثيرا لضياع خطاه وراء الباب. ولم أتألّم لأنّ أمّي لم تدسّ في زوّادتي جبن الماعز. ولكنّني تألّمت لأنّني سأفقد همس المجانين في أذني، وصرير الجنادب، وثغاء الجديان، ونكت الهميان .
وجاء رجل بعد صلاة العشاء إلى ساريتي، طلبني، فقمت أسعى وراءه . قاد عصاي إلى بيت وقال :
- هذا سكنك يا ابن شيخ بني عامر. ستجد أكلك في ركن البيت الأيمن، وكُوز الماء في الرّكن الأيسر، وفراشك فوق الدِكّة. ووضع يدي على دكّة، قستها، فوجدتها ترتفع على سطح الأرض شبْران وبضعة أصابع فاطمأنّ قلبي .

(1) فرع جامعة الزيتونة في الجريد .

قال وهو يتلطّف :
- هل أعجبك المكان ؟
قلت وأنا أجلس على الدّكة
- المكان بناسه يا سيّدي !
فعاد إلى التلطّف :
- سأصل بعد صلاة الصّبح لأصحبك إلى الجامع . أرجو أن تكون جاهزا بعد الصّلاة .
وأغلق الباب وراءه. وذهب .
وحفظت «سيدي خالد»(2) ثمّ «القطر»(2) فـ «الأشموني الأوّل»(2) و «الأشموني الثّاني»(2). ومرّت أربع سنوات كمرّ السّحاب. ونجحت في اختبار اللّغة. وتفوّقت في حفظ القرآن. وأبدعت في التّجويد. ولكن شيخ جامع «الفرْكوس» عاد إلى اللاّزمة القديمة :
- في صوتك غواية يا ولدي والعاقبة للمتّقين .
وأضاف بعد مدّة :
- الآن أتمّ عليك الربّ نعمته فغادر هذا المكان يا ولدي وابحث لك عن طريق أخرى توصلك إلى وجه الله !
وعرفت طريقي .
صرت نجم أعراس البادية .
أغنّي للنّساء، فيرقصن حتّى يسيل العرق بين النّهود والأرداف.وأقرأ الشّعر للرّجال، فيتهتّك أكثرهم حكمة ووقارا.
وأدخل المجالس بدون استئذان، فليس على المغنّي الأعمى حرج في الدّخول إلى خدور الغواني، والهمس في آذان البنات بكلام الغزل الرّقيق، وقراءة أشعار عمر بن أبي ربيعة على مسامع النّاهدات في غدوّهن ورواحهنّ.
(2) شروح لمتون في النّحو والصّرف تؤهّل حافظها للحصول على شهادة الأهليّة والدّراسة في جامع الزّيتونة .

ولم يكن الرّجال يعبأون بوجودي في منازلهم فقد هوّنت عليهم النّساء صحبتي وادّعين أمامهم بأنّني
أكثر براءة مـن طفل في المهد. ولم أدر إلى الآن كيف انطلى هذا الكذب على رجال عشائر الصحراء.
وكبرت وكبر حبّي لهذا العالم المليء بالسّذاجة والفجور. نمت ليال عديدة على أسرّة كبار ملاّكي قطعان الإبل والماعز صحبة نسائهم المتروكات للحرّ والقرّ. نساء صغيرات، لذيذات يطربن عند سماع همسة، ويذبن عندما أعضّهن في شحمة الأذن. واكتشفت بيسر مخابئ أسرار الضّرائر: المرأة الثانية المخذولة من زوج خلبت لبّه حناء الزّوجة الجديدة. والمرأة الثالثة المقهورة بالكحل في عيون الفتيات الصّغيرات والسّواك الطافح حمرة قانية في ثغور الكهلات.
وعيل صبر أبي فباع جنة نخيل ورثها عن أمه ودسّ ثمنها في جيبي وهو يقول:
- لعبتَ ما فيه الكفاية وجاءت الآن ساعة الجدّ. معك في جيبك عرق الأجداد وفي قلبك كلام الله فلا تفرط فيهما إلاّ في ما يرضيه.
ووضع يده على رأسي وقرأ سورتي" الفاتحة" و"يس" وأركبني القطار الذّاهب إلى «تونس».
بعد سنتين مات أبي وكنت قبل موته قد فرّطت في جيبي وفي قلبي. فرّطت فيهما في ما لا يرضي الله.
أذكر إلى الآن ساحة المحطة. كانت ملأى بضجيج لم أعتده من قبل: أبواق سيّارات، ونداءات باعة، وصهيل أحصنة، وقرقعة عجلات.
ظللت ضائعا في هذا المكان. وخفت أن يكون أبناء العم قد نسوا موعد وصول القطار.
واقتربت منّي أصوات تسأل عن وجهتي فافتعلت الصّمم. وحطّ أحدهم يده على كتفي. لمس برنسي الجريدي الجديد فدفعته برفق وبقيت يقضا أحرس أدباشي إلى أن هجم عليّ الجميع دفعة واحدة بالسّلامات الحارة والشدّ على اليدين والقبل على الخدين.
جاء الأصحاب وأبناء العم الذين غادروا الجريد منذ أزمان للدّراسة وتحصيل العلم في جامع الزيتونة. فأكلت عقولهم الأغوال الحارسة لبوّبات هذه المدينة العجيبة. فضاعوا ونسوا الدّروب المؤدية للصحراء. قادوا عصاي إلى مساكنهم في أحياء المدينة القديمة وهم يسألون عن الرّمال المتحوّلة، ورياح الشهيلي، وهدير الجمال، وعصير الجمار المخمّر.
جربت الجلوس في حلقات دروس الجامع الأعظم سنة كاملة، تعلّمت خلالها كيف أجوّد القرآن. وحفظت في داري كثيرا من الشّعر. وعشقت حكايات المجانين .
وثقلت على قلبي دروس النحو والصّرف والبلاغة. وركبنى الهمّ وأنا استمع إلى تقعّر الأساتذة الشيوخ أولاد العاصمة والحرير. فجنّ جنونى. فعدت إلى قراءة القرآن بصوت أغنّ أربك شيوخ الجامع والمصلّين. ظلوا يستمتعون بقراءتى أيّاما ثم دعانى ذات ظهيرة «القائم بأمرالله البيرمى» إلى مجلسه. امتحنني نصف ساعة ثم قال :
- في صوتك غواية يا ولدي ! أنت مسكون بالشّياطين فغادر هذا المكان يا يرحمك الله !
امثلت لأمر الشيخ وبيّت في نفسي شيئا .
ضهيرة اليوم الموالي سبقت المصلّين إلى الجامع. وعندما رفع المؤذّن صوته مناديا لصلاة العصر كنت قد توسّطت المحراب. وضعت يدي وراء أذني ولعلع صوتي بموّال من الشّعر الملحون، شعر البادية المتاخمة لسباخ شطّ الجريد. ارتفع الصّوت صافيا كالنّقر على النّحاس ، لذيذا كنسائم الرّبيع المضمّخة بالعطر.
ارتبك كلّ من في المسجد فبقوا واقفين . وتردّد صوتي من جديد في أركان المسجد الجامع. ظلّ يتردّد إلى أن أنهى المؤذن نداءه. وكنت نشوان أطير بألف جناح وجناح. ثمّ فجأة هبطت عليّ السكينة ووقعت على الأرض. فتكأكأ عليّ الخلق، وجرّوني من رجلي خارج المسجد كما تجرّ الجيفة وألقوا بي خارج الأسوار المقدّسة.


كنت أتدحرج على الدّرجات حين بلغ سمعي صياح الشيخ البيرمي :
- ألم أقل لكم إنّ هذا الأعمى مسكون بالشّياطين !اضربوه بالسّياط إذا عاد مرّة أخرى أمام باب الله !
وانصرفوا إلى صلاتهم فانصرفت إلى مجالس أولاد العمّ. حدّثتهم بحديث «القائم بأمر الله» وما لقيته من مِحن وشدائد فهنّأوني بالسّلامة وأفسحوا لي في مجلسهم مكان الصّدر .
ودارت الكؤوس، فأنّ العود وطَنّ الطّار وارتفعت المواويل . ودار رأسي فقال قائلهم :
- « سارة » اليهوديّة تسأل عنك يا ابن شيخ بني عامر. ماذا لو زرت مجلس طربها معنا يا رجل!
وأخبروني أنّهم حدّثوها كثيرا عنّي وأنّها في شوق كبير لرؤيتي. وقالوا إنّها ستُجنّ إذا سمعت صوتي.
فوعدتهم خيرا ولكنّني تماديت في الذّهاب إلى الجامع الأعظم. وتمادى حرّاس الأبواب في ضربي بالسّياط ودحرجتي على الدّرج إلى أن يئست من رحمة ربّي فذهبت إلى دار «سارّة» في حيّ «الحفصيّة».
ليلتها احتفى بي الجماعة. نصبوا لي سُرادقا عظيما وأجلسوني في صدره. وغنّت لي اليهوديّة. وضربت قيانها على العود. ورقصن. وجلسن في حضني. وأذقْنني فنونا من الدّلال لم تكن تخطر لي على بال.
وعندما همّ أولاد العم بالرّواح، طلبت منهم «سارة» أن تستبقيني في ضيافتها أيّاما ، فوافقوا .
وعلّمتني اليهوديّة الغناء كلّه في ستّة أيّام، وتوّجتني بتاجها في اليوم السّابع. فاستويت سلطانا على قلبها. أأمر فتطيع. وأطلب فتلبّي. والنّاس حيارى لا يدرون بأيّ سحر سحرتها إلى أن قالت لهم :
- لو تدرون بماذا يُدلّلني لابْتَلَعْتُمْ ألسنتكم ولمتّم كمدا !
وواصل جماعة من عليّة القوم لومها. وكانت تباشير الرّبيع قد هلّت. فحوّلت مجلس غنائها من وسط قاعة الأنس إلى ساحة الدّار. وتهيّأت وهيّأتني وعند منتصف اللّيل احتضنت عودها ولامست أوتاره بريشة السّحر وطلبت منّي أن أغنّي :
« يلومني فيك أقوام أجالسهم
فما أبالي أطار اللّوم أم وقعا »
فغنّيت ! فأجدتُ
فقالت :
- أعد! فداك بايات تونس !
فأعدت، فطربتْ وصاحتْ :
- أعد! فداك سلاطين مصر والقسطنطينيّة !
وظلّت تضرب على العود وأنا أعيد الغناء إلى أن امتلأت السّطوح المجاورة لدارها بالوجوه:
نساء صبوحات كالأهلّة، ورجال كهول رموْنا بقطع ذهبيّة، وصبيان، وفتيات، وعجائز تابعوا الغناء همسا في الأوّل ثمّ جهر كهل بالبيت ورائي وتبعه آخر، وغنّت امرأة فجاوبتها أخرى.
وتحوّلت السّطوح إلى جوْقة تردّد هذا البيت الشّعري، و«سارة» اليهوديّة تضرب على العود إلى أن وقعت مغشيّا عليها فرشّتها جارية بماء الورد. وتعاون عليها الخدم والحشم فحملوها إلى بيت نومها وظلّوا في خدمتها إلى أن أفاقت. فسألت عنّي بلهفة. فقيل لها إنّني عدت مع صحبي إلى داري. فحلفت أن لا أنام أبدا في دار غير دارها ما دامت على قيْد الحياة. وبعثت خدمها في اثري فسبقوا وصولنا إلى البيت.
وحثّني أبناء العمّ على تلبية رغبة « السّلطانة » فامتثلت لأمرهم وعدت إلى دار المغنيّة اليهوديّة .
كانت «سارة» قد رتّبت الأمور. أوقفت صفّين من البنات على جانبيْ السّقيفة وأعطت لكلّ واحدة سكّينا وتفّاحة وطلبت منهنّ أن يقطّعن التّفاح حين أمرّ من أمامهنّ .
ومررتُ. فقطّعت البنات أصابعهنّ ونجا التّفاح .
فأقسمتْ « سارّة » بمُوسى وشمُوئيل، وسُليمان وحزْقئيل أن أَطَأَ هذه البنات حتّى تكفّ بقيّة نسـاء « تونس » عن لوْمها فِيَّ، وتخْرس ألسنة السّـوء. فصرت كلّ ليلة أشتـري الحرَام بالحلال. أدفع لواحدة أغنية وللأخرى موّالا. والبنات لا يجرأْن على صكّ الباب في وجهي .
يقلن لبعضهنّ :
- من يمكنها أن تمنع «يوسف» صاحب اليهوديّة عن فراشها ؟ فتمتلئ القلوب باللّوعة والصّدور بالشّهقات .
* * *
سمعت هذه الحكاية من مطرب غنّى في مهرجان «البُرْج» الصّائفة الفارطة. دعونا فرقة «النّجوم الزّاهرة» لإقامة حفل في «قفصة» فجاء أفرادها خفافا، مطربين شبّانا ومطربات فاتنات وراقصين وراقصات، وصاحبهم ساعة الوصول إلى مسرح الهواء الطّلق كهل يحمل في يده عودا ويضع في عنقه ربطة على شكل فراشة ويرتدي بذلة خفيفة من طراز أربعينات القرن الماضي .
هيّأ الجماعة الرّكح. وضعوا المصادح ومكبّرات الصّوت في أماكنها. وفرشوا الزّرابي. ونصبوا الكراسي. وجرّبوا الآلات الموسيقيّة، والرّجل، صاحب العود يدبّر معهم الأمور، كبيرها وصغيرها إلى أن امتلأ المسرح بالمريدين وابتدأ الحفل .
غنّت المطربات الشّابات. وغنّى مطربو الجيل الجديد. فرقص الحاضرون وصفّقوا . وهاج السّكارى وماجوا. وانتهى الحفل بوصلة للمطربـة « عائشة » عند منتصف اللّيل .
في فترات الاستراحة، كان الرّجل، صاحب العود يتوسّط الرّكح ويحتضن عوده ويغنّي. كان يُغنّي أغاني قديمة من التّراث، مرّة مصحوبا بدَنْدنات عوده، ومرّات بدون موسيقى.
يرتفع صوته جهوريّا يملأ الفضاء الواسع فتتردّد أصداءه في أجواء الواحة القريبة . ويلذّ للجمهور سماع آهاته ومووايله . فيكفّ الرّاقصون عن الرّقص وتخفّ الحركة في المدرّجات. وينشدّ الجميع إلى هذا الصّوت الطّالع من غياهب الزّمن .
وتعود المطربات الصّاعدات إلى الرّكح فيعود الهرج ويصمت المغنّي. عند انتهاء الحفل، ذهبت لمقابلة قائد فرقة «النّجوم الزّاهرة» لأشكره ولأسأله عن هذا المطرب الكهل الذّي لم يحصل لي شرف التعرّف عليه قبل هذه اللّيلة، فبان الاستغراب في وجهه وكست الحيرة محيّاه وهو يقول :
- لقد أخبرني حين إلتقيته على الرّكح أنّه قائد فرقة دار الثّقافة للموسيقى الشّعبيّة !
فزاد استغرابي وبعثت العملة للبحث عنه فلم يجدوا له أثرا.
فسكتّ. وسكت قائد «النّجوم الزّاهرة» وكلّ منّا يظن أنّه مَقْلبٌ من مقالب الآخر. ثمّ نقدت الجماعة أجرتهم وودّعتهم على أمل اللّقاء بهم في مناسبة أخرى. وشغّلت محرّك سيّارتي، فقد وعدت الوالد بزيارة إلى البلد بعد الانتهاء من مراسيم حفل افتتاح المهرجان .

قريبا من القنطرة الرّاقدة فوق وادي « القويفلة»* رأيت صاحبي. كان واقفا على حاشية الطّريق. يحمل عوده بيد ويشير بالأخرى أن قفْ.
أوقفت السّيارة فجاء يركض. وأنزلت زجاج النّافذة فقال بصوت مشحون بالرّجاء :
- هل تسمح بأن أصاحبك إلى « توزر» يا سيّدي ؟
قلت :
- أولست المطرب الذّي كان يُغنّي على مسرح البُرجْ ؟
قال :
- أيْ نعم ! سمعت في الإذاعة أنّ «عائشة» ستغنّي في الحفل فحملت عودي وجئت إلى «قفصة».
استثارني ردّه ففتحت له الباب .
رئيس فرقة «النّجوم الزّاهرة» لا يكذب إذن ! وغناء هذا الرّجل لم يكن كما ظننت مقلبا من مقالبه!
فمن يكون هذا المغنّي ؟
وكأنّه حدس ما يجول في خاطري فعاد إلى الحديث عن عائشة وعن صليحة وعلي الرّياحي وحبيبة مسيكة ولوُرْداكاش واحتضن عوده وبدأ يُغنّي :
« بخنوق بنت المحاميد عيشهْ،
ريشهْ بريشه،ْ
وعامين ما يكمّلوشْ نقيشة.
يا كذّابهْ .
قُلْتْ نهار السّوق يا كذّابهْ
تعدّيتْ على حوشكْ امسَكّرْ بابهْ .
قلت نهار السّوق »
وتنهّد .
فقلت له :
- لماذا لمْ تعد إلى تونس مع فرقة «النّجوم الزّاهرة »؟
ولمّا لم يجب عن سؤالي أضفت بعد دقائق :
- أنا مدير المهرجان، وقد نقدتهم أجرتهم، فلماذا غادرت المسرح قبل انتهاء الحفل ؟
ظلّ مدّة ساكتا ثمّ قال :
- أنا « حمّة » ! « حمّة » ابن شيخ « بني عامر» .
كان المؤدّب يقول لي كلّما علا صوتي في الجامع الكبير :
- اِقْرأْ يا « حمّة » بصوت خافت. لا تغنّي يا ولدي ! ورتّل القرآن ترتيلا ...
ويستعيذ بالله من الشّيطان الرّجيم ويهمهم :
- في صوت هذه الولد غواية والعاقبة للمتّقين .
* * *
قبل الوصول لباب « توزر » ببضعة كيلومترات طلب منّي أن أوقف السّيارة، وعندما امتثلت لأمره، احتضن عوده وفتح الباب وغاب في الظّلام .
وواصلت طريقي، فوجدت أبي واقفا أمام باب دارنا تنهشه الحيرة.
سألني:
- لِمَ كلّ هذا التّأخّر ؟
فأخبرته بقصّة « حمّة » ابن سيخ بني عامر .
ولمّا استغرب سألته : فيم العجب ؟
فقال :
- هو ابن عمّك يا ولدي ! مات قبل أن تولد بثلاث سنوات . ذهب إلى تونس للدّراسة فتولّه بمغنّية يهوديّة علّمته الضّرب على العود والغناء في دور الأكابر. فنسي القرآن وحفظ الشّعر والطّقاطيق.
ولمّا سمع أبوه الخبر طرده من رحمته وظلّ حزينا مجروح القلب إلى أن عَيَّرَهُ به خصيم فمات كمدا.
ومات « حمّة » منذ ثلاثين سنة. شنق نفسه في عمود كهرباء «عام النّكسة» بعد أن هربت «سارة» اليهوديّة إلى «إسرائيل» بأيّام قليلة .


* ابراهيم درغوثي
نائب رئيس اتحاد الكتاب التونسيين

 

 

 

 

 

++++++++++++++++++++

منــــازل الكــلام

قصة قصيرة

ابراهيم درغوثي


كلام اليوم السابق.
آلو.. . . آلو. . . آلو. . . ويرن الجرس في مكان قريب. يرن في مكان بعيد. في قرية نسيتها رحمة الرب. في مدينة ضاحكة حد التخمة. في ريف أجرد أغبر. تحت ظل شجرة زيتون معمرة. زيتونة لا شرقية ولا غربية. يرن في عمارة ذات عشرة طوابق. عمارة بلا مصعد كهربائي. بناها صاحبها من أموال جمع زكاة المؤمنين الذين يخافون ربهم. يرن داخل جهاز هاتف نقال في يد مراهق. في جهاز هاتف من مخلفات الحرب العالمية الثانية. تحفة. تحفة ياسيدي يزّين بها مغرم بعاديات الزمن الغابر كومودينو بيت النوم. يرن الجرس في السماء السابعة. يرّن تحت الأرضين. يرّن في قمر منسي في مجرة ميتة منذ مليون سنة. يرن تحت وسادة شابة هيفاء كغصن البان، أنيقة صدرها نافر تزينه تفاحتان فواحتان لذة للناظرين. وعجيزتها مكبوسة داخل سروال دجين. شابة مطلقة واحسرتاه. وا أسفي عليك يا شقيقة ريم الصحاري. شابة كلمت حبيبها من فوق سرير الزوجية، وبعلها يستحم، لكنها تمادت في الحديث. نسيت أنّ البعل يتهيأ لها فتمادت في الحديث حتي فاجأ مناجاتها من وراء الباب الموارب فخبط صوتها علي الحائط، وسحق نيران حبه تحت حذائه الملّّمع حديثا وطلقها ثلاثا. يرن الجرس ثم يعاود الرنين فتسكته يد حانية: آه حبيبي! كيف حالك؟ طيب والحمد لله !. .يرد علي ندائه صوت هامس: الّلطف يا لطيف الطف بعبدك الضعيف. تخمد أنفاسه خبطة يد خشنة: ألم أطلب منك يا ابن القحبة ألا تعود إلي هذا الرقم. .. آلو. .. صمت ثقيل. صمت لزج. صمت ضاج بالمقت والكراهية. ثم ينهمر سباب مقذع يملأ فضاء القاعة الصغيرة. يدك المكان صوت غاضب يسب ويلعن. بألفاظ فاحشة. جارحة. ويعود الهمس من جديد. .. همس لطيف: آه روحي أنا في انتظارك علي نار الشوق. صوت طفل ساذج يدعو أمه إلي العودة إلي البيت فأبوه في حالة غضب كافر. صوت كهل يعاكس بنتا. همسات وشخير. تأوهات عند الفجر. في القيلولة. عند السحر. في منتصف الليل. ما أحلاك يا عسل. أموت في عين الغزال. سأنتحر تحت عجلات المترو غدا. انتظري رسالتي قبل الموافقة. أنا في حاجة إلي النقود يا والدي. الطائرة ستغادر المطار بعد ساعة سأنتظر قبلتك الأخيرة فلا تخيبي رجائي.

عامل المحل يعشق حكايات ألف ليلة وليلة
عند السابعة صباحا أضع المفتاح في ثقب قفل باب البوتيك وأديره دورتين إلي اليمين وأدفع دفة الباب حتي تخبط الحائط. يضج المكان بأحاديث الأمس والبارحة. تختلط الأصوات وتتدافع في كل الاتجاهات. يتساقط كثير من الكلام علي الأرضية صريعا مدمي ينز منه القيح والروائح الكريهة. وتحتضر بين رجلي آهات المتيمين بحبيبات هجرن قلوبهم. ويفوح عطر الأقاحي في الركن الأيمن من البوتيك. عطر كلام عن الحب قالته البارحة شابة قبل أن تغادر المكان. أكنس هذا الكلام الميت وأرميه في سلة المهملات. وأفتح الشباك ليطرد هواء الصباح الجديد بقية الكلام المتطاير في الجو. يتقافز الهمس متكاسلا وتساقط دموع التوسل كرذاذ مطر الخريف. وتخشخش كلمات الرياء داخل طبلة أذني حتي تكاد تثقبها ثم تنقشع هذه الضجة شيئا فشيئا وتعم السكينة أرجاء المكان. فأذهب إلي طاولتي الصغيرة المنتصبة قبالة الأبواب الأربعة ذات الواجهات البلورية. أتفقد أجهزة الهاتف. أحنو عليها أكلمها. أوشوش في آذانها وألثم أفواهها، ثم أعلقها علي الأذرع الفولاذية. وأعود إلي الطاولة. أصفف فوقها القطع الفولاذية الصفراء والبيضاء. وأخرج من الدرج الصغير كتاب ألف ليلة وليلة أعدم بحكاياته وقت الفراغ.

حكاية الكلام الممنوع من الصرف التي فيها ذكر الست شهرزاد
الباب مفتوح طول النهار وعرضه يستقبل حرفاء الكلام المباح والممنوع من الصرف العلني. فيدخل بصمت الحكماء. تدخل بحذر غزلان البراري. يدخلان بضجيج الشباب. يدخلون دخول الفاتحين. يدخلن بخفر العذاري. وتمتلئ فسحة الانتظار بهرجهم وضجرهم وصمتهم وحديثهم الهامس. تمتلئ القاعة الصغيرة بابتساماتهم وضحكهم الضاج. تمتلئ القاعة بدموعهم وتوسلاتهم... بغضبهم وكلامهم النابي. ..كلمة واحدة ويخرج من المقصورة هائجا هيجان ثيران حلبات القتال. كلمتان وتخرج جذلي تكاد الدنيا لا تسعها. ... ما أحلي الكلام. ما أمر الكلام. كلام في عذوبة غنوة العندليب. كلام خشن كجذع شجرة عجوز. كلام في حلاوة العسل المصفي. كلام لذيذ كالفستق. كلام يفتح القلوب المغلقة بسبعة أقفال. كلام لطيف. كلام موحش كالظلام. كلام في كلام في كلام. وينفجرون بكل فرح الدنيا. هذيان محموم وهتافات ودموع تغني عن الكلام. انتصار وخيبة. جنة ونار هذه الأمتار العشرة المربعة. جنة بها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ونار تلظي يصلاها الأشقي. وأنا من وراء طاولتي أتابع هذه الدنيا الصغيرة. أتابع هذه الدنيا الصغيرة وأقرأ ما تيسر من حكايات الست شهرزاد. فتختلط عليّ الأشياء. تصير الحياة عالما من ورق. وتتحول شخصيات حكاياتي إلي آدميين من لحم ودم. أراهم بقلبي يغادرون الكتاب فأبتسم لهم. وتشجعهم ابتساماتي المتواطئة فيفتحون أبواباً وشبابيك داخل الورقات ويذهبون. يختلطون بمرتادي المحل. يتبادلون معهم التحايا ويشدون علي الأيدي المرتعشة. ويقرأون لهم أشعار الغزل والرثاء. يباركون للناجحين. ويضعون أيديهم بلطف علي أكتاف المنهزمين. وأنا أبحث عن خواتم لبدايات قصص ألف ليلة وليلة. وبدايات لأحداث هرب أبطالها من الأسطر الأولي من صفحات الكتاب. هربوا وتركوا الحكايات بلا معني. والمعاني بلا حكايات. وأمتلئ بكل أوجاع الدنيا حين تدفع آلة الهاتف فاتورة الحساب. وأتوجع حين تعلق سماعة الهاتف علي الذراع بعنف. حين تعلق بغضب. حين تعلق بسخط. وأبتسم لخريف يحنو علي الجهاز كما يحنو حبيب علي حبيبه. فيرد علي ابتسامتي ويمضي في حال سبيله. ويخرج مرتادو دكاكين الكلام. يخرجون تاركين المكان للواقفين في البهو والمتلصصين علي الشفاه وعلي عدادات ماكينات الكلام.

حكاية قوت القلوب مع حبيبها غانم بن أيوب المتيم المسلوب
عند الساعة الثامنة وقفت أمام الدكان امرأة شابة قاعدة النهد، أسيلة الخد، بطرف كحيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، عليها أحسن ما يكون من الثياب: معطف من القطن الأسود تحته قميص أحمر وتنورة بنفسجية. كانت الشابة تحمل علي كتفها حقيبة أنيقة. وفي يدها مجلد كبير الحجم يحمل عنوان: دليل الحيران في عناوين وهواتف الأحبة والأغيار والأهل والجيران. وقفت الشابة أمام الباب لحظات ثم دخلت تدق جليز البوتيك بكعبها العالي. أشرعت أول باب قابلها وافتكت من المرأة المنهمكة في حديث أضجر المترقبين سماعة الهاتف وقذفت بها خارج الكشك. وسدت الباب بقامة تفضح غصن البان، وبعطر أرق من النسيم إذا مر علي البستان. ظلت في الكشك أكثر من ساعة. كانت تخرج بين الفينة والأخري تقف ساهمة، لا تتكلم، فقط كانت تنظر في الفراغ بعينين قال الله كونا فكانتا تفعلان بالألباب ما تفعل الخمر. ثم تطلب مني أن أحول ورقاتها النقدية إلي قطع صفراء كبيرة، أو بيضاء صغيرة، تلقم بها الجهاز وتضع السماعة علي أذنها ثم تطلب أرقام من المجلد تظل تعيدها بلا كلل ولا ملل. كانت تعتري هذه المرأة حالات عجيبة. كانت أحيانا تبدأ في بكاء هستيري يدمي القلوب الحجرية. ثم تصمت لحظات لتبدأ ضحكة تكاد لا تنتهي. إلي أن يمل الواقفون وراءها هذه اللعبة فيسلوها. إلا أن نظراتهم الحيري لا تفتأ تراقب من بعيد ما يدور في مقصورة الهاتف.

ظل العطر الغالي والكعب العالي في الدكان من الصباح إلي المساء. وظللت أحوّل أوراق النقد إلي قطع معدنية إلي أن سمعت أزيز عجلات في الخارج. وقفت أستطلع الأمر فإذا بسيدة الكعب العالي ملقاة علي الرصيف. وإذا بأبطال قصتي يصفقون بأجنحتهم ويطيرون خارج الكتاب. رأيتهم يحطون علي المرأة ويعودون بها إلي الدكان. أجلسوها علي أريكة في الركن. ثم هووا عليها بمراوح صغيرة أخرجوها من جيوبهم، إلي أن عاد لها الرشد. فوضعوها داخل حكايتها القديمة، ونادوا أن تعالي يا شهرزاد قصي علي هذا الرجل حكاية قوت القلوب مع حبيبها غانم بن أيوب المتيم المسلوب. لكن شهرزاد امتنعت عن الكلام المباح قائلة إنها ما عادت قادرة علي الحكي بعد أن ألجم لسانها ما تسمع وما تري من عجائب وغرائب يشيب من هولها الولدان. ولكن هو ذا كتابي بين يديه فليقرأ منه ما يشاء. وانصرفت كما جاءت تاركة وراءها عطرا يأخذ بمجامع القلوب.

وعدت إلي كتابي أقرأ منه: بعد أن عفا الخليفة هارون الرشيد علي محظيته قوت القلوب، ووعدها بأن يهبها إلي حبيبها غانم بن أيوب، هبة كريم لا يرجع عن عطائه. ساحت في أرض الله الواسعة تبحث عنه إلي أن وصلت هذه المدينة العجيبة. مدينة الجسور المعلقة والمباني الشاهقة. لم تعرف كيف الوصول إلي المارستانات والمشافي والخانات. ولم تعرف كيف تعبر فوق نهر دجلة إذ رأت الجسور محطمة. ولم تعثر علي صياد يساعدها علي العبور فجلست علي حافة النهر تبكي حظها التعيس وتذكر أيامها السعيدة مع حبيب ما عادت تعرف كيف تصل إليه. ظلت هناك إلي أن غابت الشمس فخافت أن تقع في أيدي قطاع طرق أو لصوص يبيعونها في سوق الرقيق. فقامت وذهبت تطرق أول باب قابلها. فلم يجب علي ندائها أحد. وتمادت في طرق الأبواب إلي أن امتلأت باليأس والفجيعة. فقررت العودة إلي النهر. في طريق عودتها قابلتها إحدي قهرمانات القصر فسألتها قوت القلوب إن كان بلغها خبر عن حبيبها غانم بن أيوب. فتلكأت ولم يطاوعها لسانها علي الرد. ولما وضعت الشابة في يدها حفنة من الدنانير الذهبية. قالت لها القهرمانة إن حديثا يدور في المدينة عن موت غانم بن أيوب المتيم المسلوب، في حادث سيارة ملغومة بمائة كيلو غرام من الحرية، علي الطريق الرابطة بين مدينة السلام وسجن أبي غريب. فجنت الشابة ومزقت فستانها المرشوش بالربيع. وذهبت تبحث عنه في مكان الحادث. وجدت بلور السيارة مهشما، وآثار دماء علي الكرسي الخلفي، ونتفا من اللحم الآدمي وراء كرسي السائق مباشرة. غمست إصبعها في الدم اللزج ورفعته أمام عينيها. نظرت في الإصبع الملطخ بالدم ومسحته علي جسم سيارة عسكرية من نوع هامر و. .. يدعوني حريف إلي فك نقوده فألبي النداء. أغلق الكتاب. أضعه علي الطاولة وأضع في يد الطالب قطع النحاس. وأذهب أقف أمام الباب أشم هواء الشارع، وأتفرج علي السيارات والعابرين حثيثا تحت المطر. وأعود إلي حكاياتي فيمتليء البوتيك بعطر قوت القلوب. ويضج المكان بصراخها المحبوس بين دفتي الكتاب.

وما هذه بأغرب من حكاية مسرور السياف وما جري له يوم الانقلاب علي السلطان
منذ أن خطا خطوته الأولي داخل الدكان عرفته رغم إتقانه التنكر. فقد لبس بدلة تاجر شامي وغطي رأسه بعمامة هندية ووضع في رجليه مركوبا مصريا. كان كلما خطا خطوة، ترك وراءه بقعة دم كبيرة. فصحت في وجهه أن قف مكانك يا رجل، وعد إلي حكايتك القديمة. قال:
ـ مستحيل هي فرصتي الأخيرة، مادمت وحدك في الدكان، ولا شاهد غيرك علي خروجي من بين دفتي هذا الكتاب. ومضي إلي مقصورة الهاتف المقابلة لطاولتي. نفض رجليه من الدم ودلف إلي الداخل بحذر. رأيته يؤلف أرقاما كثيرة، ويهتف إلي عدد كبير من الأشخاص، ويتكلم بعصبية مفرطة. يشتم ويسب مرات ويلين في الحديث مرات أخري، إلي أن سال الدم من تحت باب المقصورة. فعلق السماعة علي الذراع بنرفزة. وخاض في الدم إلي أن وصل باب الخروج. ناديته إلي أين أنت ذاهب يا مسرور؟ أما سمعت بالانقلاب الذي أطاح بسلطانك هذا الصباح؟ فكل إذاعات العالم تتحدث عنه، وعن القصر الذي أحرقه المتظاهرون بعد أن عاثوا فيه فسادا. قال:
ـ والله لا أدري إلي أين أذهب. لقد تقطعت بي السبل بعد أن رفض الجميع استقبالي في بيوتهم. أنا مسكين يا أخي فقد كنت أنفذ الأوامر العلية. وانخرط في بكاء يقطع الأكباد. ارتبكت في أول الأمر وأنا أشاهد بأم عيني مسرور سياف السلطنة يبكي كالطفل الصغير. ثم تداركت الأمر فعضضت علي قلبي وقلت له بتشف:
ـ لن تجد الآن من يفتح لك باب النجاة يا سيف السلطان. وتركته واقفا أمام الباب. وذهبت أبحث عن مكنسة وقطعة قماش أمسح بها آثار أقدامه الملوثة بالدم. فدس سيفه تحت عباءته الطويلة. وذهب إلي حيث لا أدري. بعدما غاب عن ناظري ندمت ندما شديدا لأنني نسيت أن أطرح عليه سؤالا ظل يؤرقني وأنا أقرأ في الليالي:
ـ لماذا لم يرفض مسرور السياف مرة واحدة أوامر السلطان؟

وما هذه بأعجب من حكاية طاقية الإخفاء وضع شاب جميل، كالبدر ليلة تمامه، فوق الطاولة شاشية ماجيدي. قال إنه وجدها بجانب الهاتف داخل المقصورة. وذهب في حال سبيله. جلبت الشاشية انتباهي. فجعلت أقلبها بين يدي متمليا منظرها البديع، وزينتها الفخمة. فقد كانت تخلب اللب بالرسوم التي تزدان بها: رسوم أزهار وأطيار وحيوانات أسطورية، طواويس برؤوس آدمية، وأحصنة مجنحة وآدميين علي وجوههم مناقير جوارح. إلاّ أن ما يعيب هذه الشاشية أنها لم تكن جديدة. فآثار السنين ظاهرة علي حافتها المسودة. قلبت الشاشية بين يدي مدة ثم وضعتها فوق رأسي. أطل من المقصورة المقابلة لطاولتي رجل. رأيته يبحث عني بعينيه ثم سمعته يتمتم:
ـ أين ذهب هذا الملعون؟
ظل الرجل واقفا برهة في الباب ثم رفع صوته مناديا:
ـ أين أنت يا صاحب المحل؟ أريد فك هذا الدينار إلي قطع نحاسية. ذهب في ظني أن الرجل أعمي. لكن الحاضرين في بهو الانتظار صاروا يلتفتون باتجاه الطاولة والحيرة ترجهم رجا إلي أن قال قائلهم:
ـ قد يكون خرج لقضاء حاجة وسيعود.
امتلأت بالخوف والرهبة وغادرت المكان. مررت وسط الكتلة البشرية المتراصة وسط بهو الدكان دون أن يحس أحد بمروري، لكن قبل وصولي إلي باب الخروج بخطوتين، دفعني طفلان يتشاجران فوقعت. ووقعت الشاشية من علي رأسي. فانكشفت لهم. صاحوا بصوت واحد:
ـ أين كنت يا رجل نحن في حاجة إلي قطع النقود النحاسية. فأدرت لهم ظهري. وقصدت طاولتي. وأنا لا أكاد أصدق أذنيّ. هل أصابتهم غشاوة فعموا عن رؤيتي؟ أم أنني تحولت إلي شبح؟ غمرني عرق بارد سال علي جبيني وبلل كامل بدني. عرق لزج جعل ثيابي تلتصق باللحم وتضغط عليّ حتي كادت تذهب بروحي. فتركت الطاولة. وذهبت أروّح عن نفسي بالوقوف أمام الباب إلي أن خلا المكان من الزبائن. فعدت إلي الشاشية أضعها علي رأسي. وعدت إلي القراءة في الكتاب إلي أن رأيت كهلا يقف في باب الدكان.. تردد الرجل لحظة ثم دخل المحل. التفت يمينا وشمالا. ثم اقترب من الطاولة. ظهر الارتباك في عينيه. إلاّ أن يده اليمني تحركت بسرعة. اختار من النقود المصفوفة أمامه كدسا من الدنانير دسها في جيبه وبسرعة ولج إحدي كبائن الهاتف. حين أطل برأسه بعد دقائق. وجدني وراء الطاولة. قال وهو يداري ارتباكه:
ـ اعطني بضع مئات من الملاليم.
ثم استطرد:
ـ أين كنت؟ لم أجدك في الداخل قبل قليل.
صدق ظني. هاأنذا أمتلك شاشية عجيبة. شاشية تخفيني عن الأعين. شاشية تجعلني قادرا علي الاستماع إلي الآخرين، والتلصص علي أسرارهم، علي حكاياتهم الصغيرة، علي كذبهم علي نفاقهم، علي تفاهاتهم علي. .. وكان البهو فارغا. والمقاصير ملآي بمرتاديها. قلت: لأجرب الاقتراب من زبون خفية. واقتربت من المقصورة القريبة من الباب. أحسست بجسمي خفيفا وبأنني أكاد أطير. كنت أتحرك كالطيف. فمددت يدي أفتح الباب. لكنه أحدث صوتا جلب انتباه الرجل المنهمك في الوشوشة. التصقت بالجدار. فمد الرجل يده وأعاد إغلاق الباب دون أن يحس بوجودي. كان الرجل المحترم في خمسينات العمر. وكان جسمه مكتظا باللحم والشحم. سمعته يغازل الصوت الأثيري ببذاءات، ويطلب منه موعدا للتلاقي. قال الرجل المحترم: ستجد المفتاح تحت وسادة أمام الباب. تعال رأسا إلي بيت النوم. ستجدني في انتظارك. وازداد كلامه بذاءة فازددت انكماشا في الركن إلي أن بدأ الرجل في التأوه و الأنين. ولا أدري كيف انطلق جمع يدي إلي فمه. ثم أردفت الجمع بصفعة علي قفاه، وبركلة علي بطنه. كان الرجل يتقي الصفع والركل بيديه. كان مرعوبا فالضربات تأتيه من حيث لا يعلم. ولا أحد يشاركه المكان فعلق السماعة كما اتفق واندفع هاربا. جريت وراءه إلي أن اختلط بالمارين فركلته علي مؤخرته وعدت إلي الدكان. وأنا ألج الباب. رأيت الرجل يشتبك في عراك بالأيدي والكلام النابي مع جمهور الشارع. فرفعت الشاشية عن رأسي، وذهبت أجلس وراء طاولتي.

وصرت كلما دخل زبون أو زبونة واحدة من المقاصير، وكان بهو الانتظار فارغا إلا ودخلت وراءه. فامتلأت بالضجيج. .. بالكلام. .. بالهمس. .. بالبكاء. .. بالنحيب. .. بالعياط الهستيري... بالضحك. .. بكل الأصوات العذبة والحزينه. وامتلأت بالأمل والفجيعة. ..بكل تعب الدنيا وشقاء الأنفس... بكل سعادة الأرواح وتعاساتها. عند الثامنة إلا دقائق وكنت منهمكا في ترتيب الدكان استعدادا للمغادرة، رأيت شيخا يلج الباب. حياني الرجل بأدب جمّ واتجه نحو الطاولة. قال:
ـ هذه شاشيتي يا ولدي لقد نسيتها هنا.
وضم الشاشية إلي صدره. وخرج.
حين عاد لي الرشد جريت وراء الرجل فلم أجد له أثرا. كان الشارع الطويل فارغا وكانت بقايا من روائح الرجل تملأ المكان.

كلام اليوم اللاحق
هذا ما كان من أمر قوت القلوب البغدادية فإنها ظلت تخرج كل يوم من بين دفتي كتاب الحكايات العجيبة ـ التي لو كتبت بالإبر علي آماق البصر لكانت عبرة لمن يعتبر ـ تكلم عريسها الشهيد داخل مقصورة التاكسيفون، إلي أن ماتت ذات يوم بين يدي بالذبحة الصدرية، فدفنتها بين دفتي الكتاب وأعدتها إلي عالم الحكايات. مّا ما كان من أمر الشيخ صاحب طاقية الإخفاء، فإنه كان يزور كل يوم دكانا من دكاكين التاكسيفون، يتناسي في الصباح شاشيته المجيدي القديمة في مقصورة من المقصورات، ولا يعود إلاّ مساء بعد أن يكتشف صاحب الدكان خوارق الشاشية. وأمّا ما كان من أمر مسرور السياف، فإن واحدا من الجماعة التي اقتحمت القصر، وكان في الأصل عبدا من عبيد السلطان، قد عرفه حين رآه يحاول الهرب علي ظهر سفينة افتكها من صياد سمك. فدل عليه القوم. فأخرجوه من النهر. وجردوه من سيفه. وجروه من رجليه إلي أن وصلوا إلي ساحة النصر. فعلقوه علي بقايا تمثال السلطان. وجلدوه إلي أن أغمي عليه فألبسوه جلد حمار. وربطوه بحبل علي سارية جرار البلدية. وسحلوه في الشوارع. ..

تونس

ibrahim darghuthi

 

 

***************************

 

الشهيد 

قصة قصيرة جدا

القصة مترجمة إلى اللغات التالية :الانجليزية ، الألمانية، الفارسية ، العبرية ، البولندية ، الفرنسية ، و الايطالية . و نحن نملك

 

وأنا أدخل باب الجبانة واجهتني الحفرة كجرح نازف منذ بدء الخليقة ، فذهبت أسأل حارس المقبرة

عمن نبش هذا القبر .

قال إن رجالا مهمين جاءوا منذ يومين يجمعون بقية عظام شهداء الثورة ليدفنوها في مقبرة الاستقلال.

فقلت له إن هذا قبر الحركي الذي دل جيش فرنسا على مكان اجتماع الثوار فهاجموهم على حين غرة وقتلوا هذا الذي مازال راقدا هنا تحت التراب بينما فر بقية رفاقه تحت جنح الظلام .

قال : تشابهت علي القبور فأشرت عليهم بهذا ، وأشار إلى الحفرة التي حوت قبر الرجل الذي عاد الثوار فذبحوه بعدما غادر جيش فرنسا الحي

وقال : لقد ضرب له ضابط ، سلام تعظيم ، بعدما غلفوا الصندوق الذي حوى رفاته بعلم الوطن .

نظرت إلى قبر الشهيد الراقد في جبانة الغرباء و ابتلعت لساني


Racconti brevi dalla Tunisia:
Di Ibrahim Darghouti
Traduzione a cura di Asma Gherib

Il
martire


Superata la porta del cimitero, vidi aperta la fossa di una tomba come una ferita che sembrava sanguinare sin dall’inizio del creato.
Mi diressi verso il custode del cimitero e gli chiesi chi è stato a scavare questa tomba?
Egli mi risposi che due giorni fa sono venuti degli uomini importanti per raccogliere le ossa dei martiri della rivoluzione e trasportarli al cimitero dell’indipendenza.
Gli risposi che quella era però, la tomba di colui che aveva svelato all’esercito francese il posto dove si riunivano i rivoluzionari e che grazie a questa indicazione loro erano riusciti ad improvvisarli, ad attaccarli e ad uccidere quest’uomo che è rimasto qui giacente sotto terra, mentre gli altri erano riusciti a sfuggire coprendosi dal fitto buio.
E mentre m’indicava con la mano la fossa che conteneva la tomba dell’uomo che i rivoluzionari avevano sgozzato dopo che l’esercito francese era andato via dal quartiere, mi dissi che era confuso e con tutte quelle tombe che si assomigliavano indicò loro proprio la tomba di quest’uomo.
Il custode aggiunse:
Anzi l’aveva per fino salutato in modo eroico un’ufficiale dopo aver coperto la bara che conteneva le sue ossa con la bandiera della patria.
Guardai la tomba del martire giacente ancora nel cimitero degli stranieri e


*******

سرد / ترجمة

2/4/2007

 

الصندوق

قصة قصيرة جدا

ابراهيم درغوثي / تونس

مع ترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية

طوابير طويلة واقفة أمام الباب منذ الصباح الباكر تتدافع بالمرافق والمناكب و يتصايح أصحابها و كأنهم في يوم الحشر.

 ثم يدخلون الواحد وراء الآخر إلى قاعة فسيحة ملأى بالرجال المهمين.  يختارون أوراقا حمراء وصفراء وبيضاء وخضراء وزرقاء وبرتقالية وبنفسجية ووردية ويمرون من أمام صندوق من البلور الشفاف، فيضعون الأوراق في قلبه ويخرجون من باب القاعة وهم ينظرون إلى القفل الأصفر الذي يغلق فم الصندوق على قوس قزح.

في المساء يرفع الصندوق كالعريس على الأكتاف ، ويفتح القفل لعد الأوراق .

والغريب في الأمر أن الرجال المهمين المكلفين بفرز الأوراق لا تتعبهم العملية  ، فينجزون المهمة بيسر وسرعة لأن قوس قزح صار ذا لون واحد !!! لون رمادي كئيب ...

                      The Box
       
Short story by: Ibrahim Dargouthy     
                Translated by Munir Mezyed
Long queues standing in front of the gate since early morning, scrambling in the hallways; they are wrestling each other as if they were in the Day of Judgment. They enter one after the other the substantial hall fraught with very important people. They choose red, yellow, white, green, blue, orange, purple and rosy cards and pass by a transparent crystal box, place the cards in it and leave the hall, looking at the small lock that seals the rainbow box.
In the evening the box is lifted up on the shoulder like a bridegroom. They open it to count the cards. The strange thing is that, the important people, who are in charge of extracting the cards, do not get tired of this operation. Thus they do the whole procedure easily and fast as rainbow becomes one color, dull gray.

 

L’urne

Une mini nouvelle de :

Brahim Darghouthi

Traduit en français par : Essia Skhiri

 

 Ce jour là, de longues files se repoussaient des coudes et des épaules devant la porte depuis le matin. Tout le monde criait comme si on était lors du jugement dernier. Puis les gens pénétrèrent l’un après l’autre dans une salle spacieuse où se trouvaient d’innombrables personnalités. Ils avaient choisi entre des bulletins rouges, jaunes, blancs, verts, bleus, orangers violets et roses puis ils avaient passé devant une urne cristalline et ils avaient mis leurs décisions dans ses fonds. Ils étaient sortis de la porte de la vaste salle après avoir longuement contemplé le cadenas doré qui fermait l’embouchure de l’urne sur un arc en ciel.
Le soir, l’urne avait été soulevée sur les épaules telle une nouvelle mariée et pour compter les bulletins le cadenas fut enlevé.
Ce qui était vraiment étrange c’est que la tâche des importantes personnes qui étaient chargés de trier les bulletins n’était point épuisante. Ils l’avaient accomplie facilement et hâtivement parce l’arc en ciel était devenu d’une seule nuance !!! Un gris lugubre…

 

Brahim Darghouthi
Romancier, nouvelliste et traducteur de la Tunisie

 

dargouthibahi@yahoo.fr  

*

 

أدب تونسي