الهادي ثابت

جائزة الادبيه كومار الذهبية

تحصل الكاتب الهادي ثابت علي الجائزة الادبيه كومار الذهبية2004  
              تتويج رواية الهادي ثابت «القرنفل لا يعيش في الصحراء» بالكومار الذهبي للرواية المكتوبة بالعربية شكل مفاجأة سارة فبعد عملين روائيين في الخيال العلمي هما «غار الجن» و«جبل عليين» تحول الهادي ثابت الى رواية الخيال الاجتماعي واليومي احدهم علق مازحا «هذا دليل على استحالة كتابة رواية خيال علمي بلغة كفت منذ قرون عن انتاج العلم».
كمال الشيحاوي
الصحافة
25 - 04 - 2004
______________________________________________________
                                  الهادي ثابت في سطور                                  
ولد الهادي ثابت  (الاسم الكامل: محمد الهادي بن ثابت) بتونس العاصمة في 2 ديسمبر من سنة 1942 (وتروي أمّه الجازية بنت الشتيوي بن ثابت نازحة من جبال مطماطة، أنها لمّا ولدته كانت قنابل الأمريكان والبريطانيين تدك مدينة تونس، وقد سقطت على البيت الذي ولد فيه قذيفة هشمت جزءا منه ولم يتبقى إلاّ جزءا من سقف الغرفة التي كانت تصارع في أحد أركانها  عذاب المخاض ورعب الحرب).
زاول تعلّمه الابتدائي (يروي أبوه ساسي بن الحاج عبد الله بن ثابت نازح من جبال مطماطة، أنه رغم رغبته في إرساله إلى المدرسة العصرية فإنه لم يفلح في إيجاد مكان له هناك إلا بعد ضياع ثلاث سنوات حيث كانت المدارس العصرية قليلة ومكتظة، فاضطر لتركه بالكتاب ليحفظ القرءان ويتزوّد ببعض مبادئ اللغة العربية)  وتعلّمه الثانوي بتونس العاصمة.
في بداية ربيع 1968 سافر إلى فرنسا لمزاولة تعلمه العالي. (يروي الكاتب أنه حالما حلّ بباريس في بداية شهر مايو من تلك السنة اندلعت ثورة الطلبة الباريسيين والتي تحولت إلى انتفاضة شارك فيها جل شباب الشعب الفرنسي. وقد حضر جل أطوار ثورة الطلاب، ونقاشاتهم، وخطب الفيلسوف جان بول سارتر، ومظاهرة المليون عامل المساندين للطلبة، وشارك في كتابة الجرائد الحائطية التي كانت تعمّ جدران أروقة معاهد وكليات مدينة النور. وشارك في بعث لجان فلسطين للتعريف بالقضية الفلسطينية في الأوساط الطلابية والعمالية بفرنسا.) 
في أواخر السنة الدراسية 1972 تحصل على الأستاذية في الأدب الفرنسي المعاصر (يقول الكاتب أنّه اهتمّ كثيرا بالروائي الجزائري الناطق بالفرنسية كاتب ياسين، وقدّم له دراسة أكاديمية حول روايته "نجمة" نال على إثرها شهادة الأستاذية بملاحظة حسن جدا).
عاد إلى تونس (يقول الكاتب أنه قبل الرجوع إلى وطنه زار جل بلدان أوربا الغربية ما عدى البلدان الاسكندينافية) ودرّس بالمعهد الفرنسي (ليسي كارنو) ثم بقابس والزهراء.
وفي سنة 1979 سافر إلى العراق للعمل ضمن اتفاقيات التعاون الفني بين العراق وتونس (يقول الكاتب أن سفره ذلك كان ضرورة خوفا من تتبعات السلطة المحلية التي كان يضايقها نشاطه النقابي المكثف إثر اندلاع الأحداث المأساوية في 26 جانفي من سنة  1978.) 
انتدب كأستاذ للغة والآداب الفرنسية بالجامعة المستنصرية ببغداد (يقول الكاتب أنه بينما كان يبحث عن مسكن لائق لأسرته اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وقد لاحظ خراب الحرب ومآسيها، لكنه لاحظ أيضا مدى صبر العراقيين على تحمل تلك المآسي).
إثر عودته من العراق في نهاية سنة 1982 (يقول الكاتب أنه قبل عودته إلى وطنه قام بزيارة جل البلدان العربية المجاورة للعراق وانتقل على متن سيارته بين تونس والعراق مرتين وتعرّف على تركيا وبلغاريا ويوغسلافيا واليونان وإيطاليا.) عاد يدرس الفرنسية بمعهد الزهراء لكنه اشتغل بالسياسة وانخرط سنة 1985 بحركة الديمقراطيين الاشتراكيين. (يقول الكاتب أنه في صلب تلك الحركة كان يشعر بنفسه معارضا للمعارضة، حيث لم يكن راض عن خطّها الإصلاحي ولا على طريقة عملها التي لم ترق إلى تعبئة الجماهير من أجل إرساء تقاليد ديمقراطية تهيأ إلى إحلال المجتمع المعاصر).
في سنة 1995 غادر حزب حركة الديمقراطيين الاشتراكيين، وتفرّغ للكتابة الأدبية. لكنه ما زال يناضل من أجل المجتمع الديمقراطي المبني على أسس احترام حقوق الإنسان ودولة القانون والمؤسسات والمجتمع المدني في تصورها الواقعي لا ممسوخة في خطاب دعائي لا يمتّ إلى الواقع بصلة. ومن أجل ذلك مازال منخرطا في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان رغم ما تعيشه هذه المؤسسة من تصدعات.

الكتب المنشورة 
- غار الجن رواية في الخيال العلمي دار سيراس للنشر 1999 
- جبل علّيين رواية في الخيال العلمي دار سيراس للنشر 2001 
- الفرنفل لا يعيش في الصحراء رواية "واقعية" 2004 تحصلت على الجائزة الأولى للرواية كومار 2004 
- لو عاد حنبعل رواية في الخيال العلمي 2005.
نشر بعض المقالات في الأدب في جريدة الصباح التونسية.
ترجم مقالا علميا حول الكتابة السومرية نشر بمجلة الحياة الثقافية.
 
اختار الهادي ثابت الكتابة في ميدان الخيال العلمي لأنه يعتقد أنّ مستقبل البشرية موكول إلى التقدّم العلمي الذي لا بد أن ينجزه الإنسان للخروج من المأزق الحضاري الذي تردى فيه نتيجة المفارقة المتمثلة في انبثاق الحضارة العلمية التي أخذت تزحف على حياة البشرية بكل تنوعاتها الثقافية مع بقاء عقلية الهيمنة المتخلفة الموروثة من عهود الصرع الحضاري الطويل بين مكوّنات هذه البشرية.
 
الكتابة في ميدان الخيال العلمي مكّنت الهادي ثابت من بلورة طوباوية يصل فيها الإنسان إلى الرقي المادي والعقلي المتوازن. وهو مشروع يثرى من رواية إلى أخرى. وحتى كتاباته الأدبية التي ليست لها صبغة الخيال العلمي فهي بالأساس تعالج جدلية رقي الإنسان وتخلفه.
 الهادي ثابت ليس شيوعيا بل يؤمن بأنّ المنهج الماركسي قد طبع الفكر الإنساني المعاصر. وليس قوميا بالمعنى الشوفيني العنصري بل يؤمن بأن نوعا من الوحدة العربية، لا بد أن يستنبط، ستكون في مصلحة كل الدول والشعوب التي تتقاسم اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة حتى تخرج من التخلف المتعدد الجوانب الذي تتخبط فيه. إنه يؤمن بأن الجنس البشري واحد، وأنّ التجارب البشرية قاسم مشترك لكل البشر، وأن عقلية الهيمنة والاستحواذ والتزمت هي نوع من التخلف الفكري لم يستوعب أصحابة العقلية العلمية التي تسوس العالم اليوم. وهو يعارض العنف كيفما كان مصدره، كما يؤمن بأنّ المقاومة الغير عنيفة لها جدوى ونتائج أكثر من المقاومة العنيفة.

 

*****

القرنفل لا يعيش في الصحراء 
المثقف العربي ممزق بين عالمين: عالم تقليدي لا وجود فيه للحرية الشخصية خارج حدود الثقافة المهيمنة، وعالم متحرر يجد فيه الفرد حرية التصرف في حياته الخاصة حسب أهوائه وتصوراته وقناعاته الشخصية. وهذا المثقف يجد نفسه أمام اختيارات ثلاث: الاندماج في الثقافة المهيمنة، أو رفضها، أو الهجرة
هذه الرواية تضع أبطالها في الأوضاع الثلاثة. وتترك لهم الحرية في التعبير عن القلق الوجودي الذي يعيشونه سواء كانوا داخل هذه الثقافة أو خارجها. ويكتشف البطلان الرئيسيان أن محنتهما هي الوعي بالوجود... وهو وجود تكتنفه الحيرة وتهيمن عليه التناقضات. والوعي يؤدي أما إلى الرؤية الواضحة والاختيار الحر أو إلى الطريق المسدود
والرواية قبل كل شيء هي قصة حب لم يصمد أمام تقلبات الحياة. لماذا؟ هذا ما سيكتشفه القارئ من خلال الرموز التي تطفح بها الرواية

 

Les oeillets ne vivent pas au sahara
L’intellectuel arabe est partagé entre deux mondes : un monde traditionnel qui refuse la liberté personnelle en dehors de la culture dominante, et un monde libéral dans lequel il trouve la liberté de gérer sa vie privée selon ses désirs, sa conception de la vie et ses convictions. Cet intellectuel se trouve alors devant trois choix : se conformer à la culture dominante, ou bien se révolter, ou chercher à s’émigrer. Ce roman met ses personnages principaux devant ces trois situations, il leur laisse la liberté d’exprimer l’angoisse existentialiste dans laquelle ils vivent, qu’ils soient à l’intérieur de cette culture dominante où à l’extérieur. Ainsi les deux personnages principaux découvrent que leur malheur est dans la conscience de cette existence… une existence pleine de d’hésitations et de contradictions. Mais la conscience mène soit à une vision et un choix libre ou à l’impasse.
Cependant le roman est avant tout une histoire d’amour qui n’a pas pu résister devant les imprévus. Pourquoi ?Ce que vous allez découvrir en lisant le roman

++

غار الجن
رواية في الخيال العلمي، تدور أحداثها في أحد جبال مطماطة في الجنوب التونسي. بطلاها أرضيان: سائق سيارة سياح تونسي ودليلة سياحة ألمانية. أثناء رحلة سياحية لمجموعة من الشبان الألمان في زيارة للصحراء تتعرّض سيارتهم إلى حادث طريق لا ينجو منه سوى السائق التونسي والدليلة الألمانية وقد رمى بهما اصطدام السيارة في أحد المنعرجات داخل غار يسكنه أناس من الفضاء وتنفتح الرواية على عالم الخيال العلمي حيث يتعرّف البطلان على بشرية جديدة لها مقومات بشرية الأرض لكنها أرقى منها في كل الميادين. وتكون لهما تجربة فريدة وغريبة مع أناس في أعلى مراتب الرقي الذهني والأخلاقي، أتوا من قانماد بحثا عن المعرفة وإشباعا لغريزة حب الاطلاع فهل ينجح البطلان في التأقلم مع عالمهم الجديد؟
هذا ما تحاول الرواية كشفه للقارئ
La grotte des jenns
C’est un roman de science-fiction. Ses événements se déroulent à Matmata, une chaîne de montagnes dans le sud tunisien. Ses personnages principaux deux terrestres : un chauffeur de minibus tunisien et une guide allemande de touristes.Au cours d’un voyage touristique d’un groupe de jeunes allemands, aux confins du Sahara, il arrive un accident terrible dans lequel quatre jeunes allemands trouvent la mort. Cependant le chauffeur tunisien et la guide allemande seront sauvés par des extra-terrestres qui avaient aménagé une grotte se trouvant dans les profondeurs de l’une des montagnes de la chaîne de Matmata.A partir de cet événement une vie nouvelle s’ouvre devant les deux rescapés, un monde merveilleux auquel seront initiés par les habitants de cette grotte qui ne diffèrent pas beaucoup des terrestres, mais qui possèdent des qualités morales, culturelles et civilisationnelles bien plus développées que celles dont jouissent les terrestres.Un choc de civilisations que le lecteur découvrira au fil du récit

++

 

لقاء في مقر إتحاد الكتاب

تجربتي مع كتابة رواية الخيال العلمي
أودّ في البداية أن أتعرض للأسباب التي دفعتني إلى كتابة رواية الخيال العلمي.
حسب تكويني الجامعي لم أكن مؤهلا لكتابة الأدب باللغة العربية. فأنا لم أدرس اللغة العربية وآدابَِها بطريقة أكاديمية، حيث كانت دراستي الأكاديمية مخصصة في اللغة والآداب الفرنسية. ومع ذلك فلم أكن فرانكفونيا أبدا ولا متعصّبا للعروبة كذلك. لكني كنت وما زلت أعتزّ بلغتي العربية ومطلع على آدابها ولغتها. وكنت مولعا بالمطالعة في مجالي الأدب والعلوم، وقد تكونت لي من خلال تلك المطالعات نظرة للدنيا اعتبرتها واضحة. كما أحسست أن نظرتي تلك لا يشاطرني فيها أغلبية الناس من حولي. وشعرت أنه عليّ أن أستجلي تلك النظرة حتى يتسنى لي أقناع الآخرين. لجأت إلى الكتابة كوسيلةٍ لوضع تصوراتي حول الدنيا وأنا في العقود الأخيرة من حياتي. إذن كانت الكتابة لي بمثابة العودة إلى الينبوع والارتواء منه قبل مغادرة هذه الحياة. تجربة وجودية تشبه تجارب الصوفيين، مع الفارق أن الصوفيين يعيشون تجربتهم من خلال الروح والمقدس، وأنا أعيشها من خلال العقل والعلم.
لكي نفهم الدنيا لا بد من الخيال ولا بد من العلم. هذان العنصران هما شرطٌ أساسيٌ لكل من له مشروعُ استجلاءٍ لأي مسألة في شمولية الدنيا. ربما كلمة دنيا ليست دقيقة لتعبّر عما سأوضحُهُ لكني أعتبِِرها أكثر دلالة من غيرها. فهي تحتوي على معان كثيرة ربما تكون متناقضة كما هو حال الكون الذي نعيش فيه.
الخيال والعلم والأدب أوعية استعرتها لأملأها أفكاري حول الدنيا. الخيال أكثر الأواني الثلاث رحابة فهو يمكنني من خلق عالم جديد مواز للعالم الآني، والعلم يسمح لي بإعطاء عالمي روحه وحيويته ونظامه، والأدب يمكنني من إلباس عالمي الجديد حلله وألوانه ولغته. وهذا هو أدب الخيال العلمي: خيال وعلم وأدب في تمازج وتناسق وانسجام.
إذن بالنسبة لي لا يمثل أدب الخيال العلمي هروبا إلى عالم الخيال الغير المحدود والبعيد كل البعد عن العالم الذي نعيش فيه بل هو قفزة إلى عالم مواز له صفات عالمنا لكنه قُدّ بأبعاد أكثر دقّة وأكثر موضوعية من الأبعاد التي نشأ عليها عالمنا. ومشروع العالم الطوباوي الذي كنت أطمح ولا زلت لترتيبه عبر الخيال هو في علاقة غير عضوية مع عالمي الواقعي لكنني تخيلته في صلة قرابة معه.
عالمنا (عالم الإنسان على الأرض) جاء نتيجة صراع الإنسان من أجل البقاء. وهنا اسمحوا لي أن أستدلّ بنظريات علمية ما زالت في صدد التمحيص والنقاش لكنها أقرب من غيرها إلى العلم. نظرية التطور لم يعد فيها جدال فقد حسم العلم فيها أمره. لكن نظرية تطور الأجناس وخاصة الجنس البشري ما زالت تثير حساسيات كبيرة حتى داخل بوتقة العلماء. لكني أعتبرها أيضا أقرب النظريات إلى العلم.
إذن هذا الإنسان المنحدر من سلالة البشريات ولا القردة وإن كان العلم يصنفهما من جذع واحد، انحرف في مرحلة من مراحل نموّه عن قواعد الطبيعة التي كانت توفّر له كل الحصانة ليعيش حياة حيوانية تستجيب إلى القواعد الصارمة التي جاءت بها الطبيعة لحماية الحياة. وكان ذلك الشذوذ أول لبنة في صرح الحياة البشرية. فحياة الإنسان على الأرض مغامرة كبرى قام بها هذا الكائن الهش ليفرض في الأخير وجوده على الطبيعة وعلى الكائنات الأخرى التي ظلّت تستجيب لقواعد الحياة الطبيعية.
هذه المغامرة الكبرى كانت وراء خلق هذا الكائن الغريب الذي جعل مصيره بين يديه ورفض أن يكون طوع الطبيعة، ولكنه اكتسب من ذلك الصراع مع الطبيعة طباعا وتصرفات جعلت منه أكثر المخلوقات الأرضية شراسة، وعدوانية، وجنونا.
إنّ عالمنا اليوم وصل إلى مرحلة خطيرة في تاريخ تلك المغامرة البشرية. فلم يعد الإنسان يبحث عن فرض وجوده على الطبيعة بل أصبح يصبو إلى التحكم فيها وتسييرها حسب أهوائه. وخطورة هذه المرحلة تتمثل في أنّ التطور العلمي للإنسان لم يوازيه تطوّر ذهني هام. وأنّ النظم التي بناها الإنسان ليسوس بها حياته لم تشهد تطورا يوازي التطور العلمي. فالنظام الاقتصادي الذي بنا عليه الإنسان حياته ما زال يستجيب لضرورة البقاء، والنظام السياسي الذي مكّن الإنسان من الخروج من البدائية إلى الحضارة ما زال هو أيضا يستجيب لاقتصاد البقاء. والنظام الاجتماعي الذي ولّد الثقافة يعيش تحت وطأة اقتصاد البقاء الذي يكرّس الهيمنة والعسكرة والرضوخ للأقوى.
ما زالت إذن دار لقمان على حالها رغم الجعجعة التي أثارتها الاكتشافات العلمية الأخيرة.
هذه النتيجة التي اقتنعت بها وتوصّل إليها كثيرون من العلماء والمفكرين جعلتني أفكّر في بناء عالم جديد يستفيد من المغامرة التي قام بها إنسان الأرض ليفرض وجوده ككائن حي توصل إلى الرقي بعقله إلى درجة أنّه صار يصبو إلى خلق العالم من جديد حسب قوانين ربما يستنبطها من خلال معرفته للقوانين التي تسوس عالمنا الأرضي.
العالم الذي أخذت أرسم ملامحه في روايات الخيال العلمي التي أكتبها أردته أن يكون متميّزا عن عالم اليوم دون أن يكون كثير الغرابة. فحسب ما أتخيل من الاحتمالات، فسوف يتمكّن التقدّم العلمي من جعل الإنسان يتخطى مرحلة اقتصاد البقاء الذي ما زال يتخبّط فيه إلى مرحلة اقتصاد المتعة. سوف يقلّص تطور وسائل الإنتاج تدخل الإنسان في الدورة الاقتصادية. ونحن نرى اليوم كثيرا من الأشغال التي كان يقوم بها إنسان القرن التاسع عشر أضحت موكولة إلى الآلة. كما أن الحاسوب والروبو وتكنولوجيا الاستنساخ وتكنولوجيا النانو ستبدّل جذريا الهيكلة الاقتصادية للعالم وسينجر عنها انقلاب جذري في الهيكلة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات وللعلاقات بين الأفراد. ومع انقراض اقتصاد البقاء بفضل الوفرة التي ستنتجها كل هذه المكانزمات الجديدة التي ما زالت جنينية اليوم سيلد عالم جديد.
و من خلال رواية الخيال العلمي أردت أن أتصوّر هذا العالم الجديد.
كما أني حرصت على أن لا أقدّم للقراء عالما بعيدا عن عالمنا الأرضي، ولا عالما عجائبي يصعب تصديق وجوده، بل فضّلت أن يكون عالمي على دراية بعالم الأرض، وأن بعض الأرضيين في اتصال مباشر به، وهو ما مكّنني من مقارنة هذا العالم المتخيّل بعالم الواقع، وهي طريقة سمحت بتبيين مواقع الداء في عالم الأرض.
في رواية الخيال العلمي الذي أكتبه حرصت على أن تتمتع الرواية بكل مقومات الفن القصصي، وأن لا ينحدر السرد إلى عرض للأفكار أو لمجموعة من المشاهد. كتابتي لرواية الخيال العلمي تستجيب للقواعد الحديثة للسرد، وهي متنوعة. وقد كتبت إلى الآن ثلاث روايات في الخيال العلمي وكل رواية لها طابعها الخاص، وطريقتها السردية التي تمليها ظروف الرواية.
فالرواية الأولى، "غار الجن" تتميز بالسرد الأفقي إن صح التعبير، أي هناك راو يستتر يحرك شخوص وأحداث الرواية التي تتبلور حسب ظروف داخلية يفرضها تسلسل الوقائع. وهي الطريقة الكلاسيكية والتي هيمنت على السرد خلال فترات كبيرة من تاريخ الرواية المعاصرة.
بينما في روايتي الثانية "جبل علّيين" فقد التجأت إلى طريقة ظهرت أخيرا في أدب الرواية المعاصرة وهي ما يعبّر عنه بكنش السفر.
carnet de voyage
وهي عبارة عن مجموعة من المذكرات يجمع بينها التسلسل الزمني للقص.
أما في الرواية الثالثة "لو عاد حنبعل" حيث طغت عليها الأحداث التاريخية الدقيقة استعملت تعدد الرواة، وهو ما مكن من تجاوز العلاقة المتوتّرة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
والرواية الرابعة في الخيال العلمي التي هي بصدد الإنجاز بدّلت طريقة السرد مرة أخرى، واستفدت من تجربة رواية "لو عاد حنبعل" لأمضي بعيدا في تعدد الشخصيات الراوية.
رواية الخيال العلمي متجددة دائما لأنها تصبو إلى استشراف المستقبل الذي لا طعم له إن لم يأت بالجديد.
فما هو الجديد الذي سيأتي به المستقبل الذي أحاول استشرافه في روايات الخيال العلمي التي أكتبها؟
انطلاقا من الواقع المتردي الذي عليه البشرية اليوم سيكون من الصعب تصديق تصور زاهر لمستقبل البشرية. ولكن التفاؤل واجب حتى يستجلي الكاتب رؤية مشرقة للإنسانية.
أعتقد أنّ التقدم العلمي والتكنولوجي  الذي انطلق مع القرن التاسع عشر في أوروبا ثم عمّ المعمورة وفرض على الإنسانية نمطا حضاريا قضى أو بصدد القضاء على جميع الأنماط الحضارية التي أصابها الوهن ولم تعد تساير نسق التطور الذي فرضه التقدم العلمي والتكنولوجي الزاحف على كوكب الأرض. هذا التقدم العلمي والتكنولوجي الذي مازال في خطواته الأولى سيفرض على البشرية شكلا جديدا من التعايش لن يكون من السهل استنباطه لأن تطور العقليات سواء لدى ثقافة الغرب الذي يقود اليوم البشرية نحو مستقبل أقل ما يقال عنه أنّه يتّسم بالغموض، أو عند بقية الثقافات التي تعيش تناقضات مميتة جراء رفضها للهيمنة الغربية وتبنيها لإنتاجاتها العلمية والتكنولوجية سيخلق صراعات وانتفاضات ربما تؤدي إلى القضاء على كل الحياة فوق كوكب الأرض. 
وبما أن التفاؤل ضروري لتصوّر المستقبل فإنّ ما سيحققه التقدم العلمي والتكنولوجي ربما سيفرض على البشرية قفزة نوعية تؤدي إلى التخلص من عقليات ما سميته "اقتصاد البقاء".
وهنا اسمحوا لي أن أشرح بإيجاز هذه العبارة.
يقول فرويد أنّ الإنسان فرض على نفسه نوعا من الاقتصاد الجنسي لينصرف إلى بناء الثقافة ثم الحضارة. ولما كانت حياة الإنسان الجماعية تلاقي صعوبات كثيرة من ندرة في مستلزمات العيش، وتعدد الكوارث والآفات، وانحصار المعرفة والعلم فقد هيمنت على الحياة البشرية منذ بداية تاريخها في تجمعات ثقافية وحضارية عقلية البقاء، ثم اقتصاد البقاء. وهذه السمة وإن تطورت مع تطور المجتمعات أعتقد أنّها ما زالت مهيمنة على عقول البشر حتى بعد التقدّم العلمي والتكنولوجي الذي مكّن البشرية من القضاء على آفات كثيرة –وإن تظهر من حين لآخر آفة تتصدى لها البشرية في تآلف ملفت- للخروج من عقلية اقتصاد البقاء لا بد للعلم والتكنولوجيا أن يتوصلا إلى طريقة بسيطة في مفهومها صعبة التحقيق في الواقع وهي الطريقة التي تتبعها الطبيعة للمحافظة على الحياة وتنميتها. وهي التكاثر عن طريق البرمجة الخلوية.
باختصار شديد: توصلت الطبيعة إلى خلق الخلية وهي عبارة عن برمجة معلوماتية تأخذ في التكاثر حالما تكون الظروف الموضوعية متوفّرة. وهنا أحيلكم على كتاب قيم لجوال دي روني "مغامرة الكائن الحي" الذي ترجمه إلى العربية الدكتور أحمد ذياب. فإذا ما توصّل العلم إلى خلق برمجة خلوية للتكاثر الآلي لمستلزمات الحياة البشرية لن يعود لعقلية اقتصاد البقاء من لزوم. وإذا ما خلف عقلية اقتصاد البقاء عقلية الإنسان المتعايش –انظروا كتاب جوال دي روني "الإنسان المتعايش" الذي ترجمته وسوف يخرج قريبا إذا ما وجد ناشرا جديا- فسوف تتبدّل حياة الإنسان ظهرا على عقب، وسوف تعمّ البشرية حضارة جديدة توحدها وتحمي ثروتها الثقافية المتنوعة.
إذن مع اندثار عقلية اقتصاد البقاء سيجد الإنسان هيكلة جديدة يبني عليها حضارته وثقافاته. وبما أن الإنسان لم يعد مطالبا بالعمل الآلي ليعيش فإنه سيطالب بأشياء أخرى ليكون لحياته معنى وإلا لانحدر إلى الكسل ولا لقي مصير رجل كوكب القردة الذي تصوره كاتب الخيال الفرنسي ... هذه الهيكلة سميتها "اقتصاد المتعة" وهو اقتصاد يسهّل على الإنسان الانصراف إلى الإبداع بكل أنواعه. وهذا النوع من النظام الاجتماعي حاولت ترتيبه في رواية "غار الجن" و"جبل علّيين" وسأبلوره أكثر في الروايات القادمة إن مكنني الزمن من كتابتها.
إنّ كاتب الخيال العلمي عندما يكون له مشروع بناء طوباوية كالتي أنوي بلورتها في روايات الخيال العلمي يعيش في ثلاثة أزمنة في الوقت نفسه. -ربما نعيش كلنا تلك الحالة دون أن نشعر- فهو يخزن الماضي، زاد لابدّ منه لفهم الحاضر. ألم تكن الحضارات التي بناها الإنسان على الأرض نتيجة تطورات اقتصادية واكتشافات علمية وتكنولوجية؟ أليست الحضارة السائدة اليوم على كامل المعمورة نتيجة انتصار النظام الرأسمالي وليد التطور الاجتماعي والاكتشافات العلمية والتكنولوجية في ميادين الآليات ووسائل النقل؟ أليس النظام الامبريالي المهيمن على العالم وليد منظومة اقتصادية تحمل عناوين شتى من اقتصاد السوق ، إلى الشركات المتعددة الجنسيات، إلى العولمة؟ إذن فإن كان الحاضر وليد الماضي فإنه مسموح لكاتب الخيال العلمي أن يستشرف المستقبل من خلال تخيل ما يمكن أن يحدث في المستقبل القريب حتى يتجه التاريخ وجهة يكون الحاضر قد بنا لبنتها الأولى.
حاضرنا وإن نراه مضببا فإنه يتّسم بتسارع الاكتشافات العلمية والتكنولوجية: المعلوماتية التي إن تطورت سوف تسمح بإدارة أفضل للعالم، الروبوتية إن رصدت لها الأموال الكافية فستساعد على خلق وسائل إنتاج جديدة تكون بمثابة اكتشاف المحركات البخارية في بداية  الثورة الصناعية، الصناعات الترفيهية والثقافية وهي في بداية نموّها –لم يمض على نشأتها قرن، وكانت أول عطلة أسداها الأعراف للعمال في سنة 1936 مع حكومة ليون بلوم في فرنسا- ستغيّر جذريا نمط حياة البشر إذا ما توفّر الرفاه للجميع. عندما ننظر إلى سنة 1936 في فرنسا وكيف اكتشف آلاف العمال البحر كوسيلة ترفيهية، وننظر اليوم إلى صناعة العطل عبر العالم نرى مدى التغيير الذي سيحصل في حياة الناس عندما سيطمحون إلى الرحلات الفضائية وتمضية عطلهم على القمر أو المريخ أو قانماد.
أما في الميدان الثقافي فثورة وسائل الاتصال المهيمن عليها اليوم من قبل النظام الامبريالي فسوف تشهد نقلة نوعية مع تطور المعلوماتية. مثال إترنات دليل على بداية نوع من الديمقراطية المعلوماتية. وهذه النقلة ستؤدي إلى تصرف حضاري جديد يجعل من الفرد النواة والمجموعة في الآن نفسه، وقد يؤدي هذا التصرف إلى التلاشي التدريجي للمجتمعات البشرية التقليدية المرتكزة على البِنى الهرمية التي تعتمد تكتل التركيبات الصغيرة من الأسرة إلى العشيرة إلى الأمة. سيكون الفرد مع اكتساح الثقافة المعلوماتية الجزء والكل، فهو الذي يقرر عن طريق الاقتراع، والاستشارة، والمبادرة، والتكتلات الجمعياتية، وهو الذي يسيّر من خلال القنوات المعلوماتية، والجمعيات، ومراكز الأبحاث. وهو الذي يساهم في تنمية المجتمعات من خلال طموحاته، ونشاطه، وفكره. 
إذا ما لم يعد يشدّ الإنسان التفكير في مستلزماته المعيشية وانصرف إلى المتعة والإبداع فسيتفتّق عقله على أشياء يصعب تصوّرها. قال بعض العلماء أنّ دماغ الإنسان الحالي لا يشتغل إلاّ بنسبة 50%
من طاقاته لأن ظروفه المعيشية، ونشأته داخل نظام اجتماعي كابت للطاقات الإبداعية لم تسمح له بتنمية هذا الجهاز العظيم لدماغ الإنسان.
كل هذه التطورات لن تأتي بين عشية وضحاها، ولن تكون عفوية. ستسبقها صراعات بين قوى شادّة وقوى دافعة. وما الصراع الدائر اليوم بين مسيري العولمة ومناهضيها إلاّ عيّنة صغيرة لصراعات آتية ربما تكون أكثر شراسة وأكثر فاعلية.
بقي سؤال لا بد من طرحه. ما هو دورنا نحن كأمة تجمعها ثقافة كانت حضارتها في وقت من الأوقات تسيّر العالم؟
في البداية فلأحدد المفهوم الذي أعطيه للفظتي حضارة وثقافة.
الحضارة هي مجموعة صفات خاصة بالحياة الفكرية والفنية والأخلاقية والاجتماعية والمادية لبلد ولمجتمع ما. وهي حالة من التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي توصلت إليه بعض المجتمعات التي تعتبر مثالا من الرقي يسعى لإدراكه الآخرون.
أما الثقافة فهي مجموعة من الظواهر المادية والأيديولوجية تميّز مجموعة بشرية عن غيرها وتتمثل في التصرفات والعقائد والتصورات الجماعية.
انطلاقا من هذين التحديدين يمكن أن نطرح هذه الأسئلة: 
ألم تصبح الحضارة المسماة بالغربية النمط السائد في كامل المعمورة؟ ألم تسعى كل الحضارات القديمة صينية ويابانية وعربية إسلامية إلى تبني هذه الحضارة وبالتالي التخلي عن ميزتها الحضارية؟ ألم تفرض العولمة من خلال صناديق التنمية الدولية والمنظمات العالمية واقتصاد السوق والشركات المتعددة الجنسيات ووسائل الاتصال والاتفاقات الدولية أن تكون الحضارة الغربية هي السائدة في أرجاء المعمورة؟ فنحن في البلاد العربية مثلا نعيش كما يعيش الناس في البلاد الغربية بل نسعى إلى الوصول إلى تبني طريقة العيش تلك. ومن ناحية أخرى فظاهرة رفض الدول الغربية للباس مخالف للباس السائد عندهم هو نوع من رفض التنوع الحضاري.
هذا هو واقعنا اليوم حضارة سائدة على كامل المعمور تسعي إلى جعل نمطها الحضاري الوحيد والأوحد. وقد رضخت جل الشعوب والدول إلى تلك الهيمنة، وأسباب ذلك الرضوخ يرجع إلى قرون من الصراع كانت الغلبة فيه لهذه الحضارة. وإذا ما كنا نحن العرب والمسلمون نقاوم هذه الهيمنة فسعينا على ما أعتقد يهدف إلى إنقاذ ما تبقى من ثقافتنا، لأن حضارتنا توقفت عن النمو، وربما تحجرت وأصبحت معلما من معالم الحضارات البشرية التي ساهمت في بلورة حاضر الإنسان الحالي.
أعتقد أننا كأمّةٌ ما زالت تربطها أواصر الثقافة ملزمون بالانخراط في منظومة الحضارة السائدة، وإنّه علينا أن نعمل على بناء مستقبل للبشرية تسوسه قيم راقية تنبثق من رغبة الجميع، وعمل الجميع، وتطلعات الجميع. وإذا ما أخذ بعضهم يشير إلى ضرورة إصلاح التعليم في كامل دول العالم حتى تسود القيم الإنسانية فلأنّ الأجيال القادمة، رغم كل الظواهر الحالية المعاكسة، سوف تطلب مزيدا من الوحدة، ومزيدا من التنوع الثقافي، ومزيدا من المساواة، ومزيدا من التعايش مع الطبيعة. وهذا لاحظته في إيطاليا منذ سنوات عندما حضرت في التظاهرات المعارضة لاجتماع الدول الثمانية وقد شاهدت في شوارع جنوة جماهير غفيرة قادمة من بلدان عديدة تطالب بالكف عن الهيمنة، وبإرساء قواعد جديدة لتسيير العالم. 
هذه أحلامي تجدونها في لباس قصصي داخل رواياتي في الخيال العلمي

http://www.hedithabet.com/