رأســي الجــديد 

 

 قصة: عباس سليمان

 

أنا الآن واحد آخر.

واحد آخر تماما.

واحد آخر مختلف عنّي كما كنت طيلة أكثر من أربعين عاما مضت.

واحد جديد بمواصفات جديدة حدّدتها بنفسي ودفعت فيها مالا طائلا.

شخص آخر مختلف تماما لا يغضب ولا يهتزّ ولا يحسد أحدا ولا يأرق ليلا ولا يفكّر كثيرا ولا يحبّ ولا يكره إلاّ بمقدار ولا ولا ولا...

شخص يأكل القوت إلى أن يأتيه الموت.

اقترضت من البنك كمشة آلاف دنانير وساهم معي صندوق التّـأمين على المرض بكمشة أخرى واستلفت من إخوتي مبالغ طائلة...ورهنت الدّار والجراية...وأصبحت شخصا آخر...أصبحت شخصا سعيدا برأس صغير فارغ هادئ لم يطمث قبل أن يصبح لي بأفكار ولا كتب ولا ضغط ولا خوف ولا هواجس ولا وسوسة ولا أرق ولا اكتئاب .

أنا الآن واحد آخر.

واحد آخر تماما .

واحد آخر مختلف عنّي كما كنت منذ أربعين عاما تزيد.

جمع مدير البنك أعوانه بعدما تسرّب إليه سبب إلحاحي على الحصول على مبلغ كبير خلال أيّام قليلة وقال لهم:

ـ بنكنا لن يخسر شيئا. امنحوه مبلغ القرض وسيعوّض لنا أموالنا إن هو قضى نحبه سريعا صندوق التّـأمين على الحياة.

وقال مدير صندوق التّأمين على المرض لمساعده:

ـ الرّجل منخرط في صندوقنا منذ واحد وعشرين عاما لم يلجأ إلينا خلالها طالبا تعويضات كبيرة ولم يحمّلنا غير مصاريف أدوية و أشعّة عادية ...ادفع له قسطا من هذا المبلغ الكبير الذي تقول أوراق أطبّائه وصيادلته أنّه سيتكبّده من أجل أن يتعافى ويصبح شخصا آخر جديدا تماما.

وقال إخوتي:

ـ لو تخلّينا عنه الآن فمتى نكون إخوته؟ مهما يكن طلبه مشطّا ومهما تكن نتائج مغامرته غائمة وغير مضمونة فليس أمامنا غير الوقوف إلى جانبه.

قالت نائلة زوجة أكبرهم :

- نحن أولى من رأس أخيك بهذه المساهمة التي يدفعونك إليها. هذا ترف لم أسمع بمثله قبل اليوم. رجل يستبدل رأسه الذي خلق معه بواحد لا يدري من أين جاء ولا كيف سيكون ...وماذا لو كان يؤلمه؟ من منّا اليوم لا يشكو من آلام مختلفة في رأسه...هذا تبذير والمبذّرون إخوان الشّياطين .

وقالت حميدة زوجة أوسط إخوتي:

ـ لا تدفع ملّيما واحدا حتّى تلقى الطّبيب المعالج وتسأله عن نسبة نجاح هذه العمليّة الغريبة ثمّ تسأل مفتي الدّيار أو أحد كبار  الفقهاء المتشدّدين ما إذا كان استبدال رأس بآخر مشروعا وما إذا كان التّشجيع عليه يجوز.

وقال فراس أصغر إخوتي لزوجته:

ـلن أسمح لك بأن تجعلي منّي محلّ سخريّة أخويّ. لست أقلّ شأنا منهما. سأؤجّل كلّ ّمشاريعي إلى أن يحيا أخي أو يموت.

 لم يكف ما جمّعته من البنك وصندوق التّأمين وإخوتي لأصبح إنسانا جديدا مختلفا عنّي كما عهدتني منذ أربعين سنة تزيد فتعهّدت للصّيدلية بأن أدفع بقيّة المبلغ أقساطا شهريّة وقدّمت لصاحبها وثيقة رهن الدّار ضمانا لا أستردّه إلاّ عندما ينتهي خلاص ما تخلدّ بذمّتي بفوائده.

المهمّ أنّني بعد كلّ هذه الإجراءات وكلّ هذا الجري وراء تجميع بعض المبلغ المطلوب وتجهيز الوثائق اللاّزمة أصبحت واحدا آخر...شخصا جديدا مختلفا عنّي ...شخصا أحبّه وأرتاح إليه ...شخصا لا يغضب ولا يفكّر ولا يهتزّ ولا تركبه الهواجس ولا يدفعه شيء إلى الخصومات والأحقاد. أصبحت أضع رأسي على المخدّة فأنام سريعا كرضيع. أستلقي فلا تراودني الهواجس ولا تدور برأسي أفكار ولا تخطر على بالي أحداث مضت ولا أتوجّس خيفة من غيب قادم.

وفوق كلّ هذا لم تعد تلك الآلام المبرّحة التي اعتادت أن تنغّص عليّ اللّيل والنّهار تنتابني ...زرت أطبّاء كثيرين، أطبّاء عموميّين وأطبّاء أمراض رأس وأعصاب ونفس ودورة دمويّة...واستعملت أدوية رعوانيّة وأخرى صيدليّة...وجرّبت الضّمائد والكيّ والاحتجام...وخضعت لتحاليل عديدة مختلفة ولصور لمختلف أنواع الأشعّة ...وقصدت حمّامات بخار ...ومنتزهات هادئة ...وعزلت نفسي أحيانا في قباء مظلمة ...ولكنّ آلام رأسي لم تخفّ ولم تبرحني وأخذتني من دنياي. أصبحت لا أتكلّم إلاّ عنها ولا أشكو إلاّ منها ولا أفكّر إلاّ فيها ولا أصرف مالي إلاّ من أجلها. آلام تستقر في الشّطر الأيمن من الرّأس ثمّ لا تلبث أن تتحوّل إلى اليسار ...ثمّ إذا استعملت الدّواء لا تخفّ ولا تختفي وإنما تذهب إلى مؤخّرة الرّأس أو مقدّمته...انقطعت عن التّدخين وهجرت الشّاي والقهوة ولم أبق من السّوائل على غير قوارير الماء المعلّب وتركت السّهر والسّفر والتّلفزة والإذاعة والاجتماعات وجلسات المقاهي وصخب الملاعب ووفّرت لرأسي كلّ أسباب الهدوء ولكنّه لم ينتظم ولم يهدأ  وظلّت آلامه تلازمني...

ملّ الأطبّاء وعودهم وملّتني العائلة والصّيدليّات والأصدقاء وزملاء العمل ومللت حياتي ودوائي وأصبحت أكره رأسي وبلغ بي الغضب أن هجمت يوما على أحد أطبّائي في عيادته وصرخت فيه وأنا أرمي على مكتبه علب الدّواء:

ـ لم تفعل لي أدويتك هذه شيئا. جد لي الآن حلاّ ناجعا لمشاكل رأسي .

ترك الطّبيب كرسيّه وجاء يربّت على كتفك ويجلس قبالتك ويبتسم ويقول :

ـ لديّ اقتراح آخر قد يخلّصك من آلامك ويبعثك شخصا جديدا.

ـ لا أريد أدوية أخرى ولن أجري مزيدا من التّحاليل والأشعّة ولو كانت بلا مقابل.

ـ لا أقصد هذا. أقصد حلاّ آخر قد يكون ناجعا ولكنّه سيكلّفك كثيرا .

ـ كم ؟

ـ أكثر ممّا تتوقّع.

ـ أستطيع أن أتدبّر أمري. المهمّ أن تريح هذا الرّاس وتعيد إليه هدوءه ومرحه.

نهض الطّبيب. دار حولك. تفرّسك. حدّق في رأسك. تلمّس عروق رقبتك...ثمّ عاد إلى مكتبه ...قرأ بطاقة سوابقك المرضية وآستعرض بصوت مسموع كلّ الأدوية التي تناولتها وآطّلع على بعض الصّور التي أجريتها...طأطأ رأسه...مصّ ريقه وفتح فاه وهمّ أن يتكلّم ولكنّه لم يقل شيئا.

-                       تكلّم أيّها الطبيب. تكلّم. ولا تخف شيئا. أنا في انتظار حلّك الجديد.

 قال الطّبيب:

- هل تحبّ أن تستبدل رأسك هذا الذي أرهقك وأرهقنا بواحد آخر جديد ليس فيه آلام ولا هموم ولا أفكار ولا سوابق مرض ولا خوف من المجهول ولا حتّى استعداد للتّعب والتّفكير وإبداء الرّأي؟

 ـ أنت تمزح.

ـ لست أمزح . يمكنك أن تتّجه توّا أن أردت إلى الصّيدلية الجديدة التي فتحت أبوابها منذ أسبوعين قبالة ساحة الشّهداء وتشتري لك رأسا جديدا.

ـ .............

ـ ستجرى لك عمليّة القطع والتّركيب في قبو خاصّ تحت الصّيدلية ولن يستغرق الأمر كثيرا...ساعات وتترك رأسك هذا بين أياد أمينة وتخرج برأس جديد فارغ هادئ مرح.

-                 هل تسمح أيّها الطّبيب أن نزور سويّا هذه الصّيدلية العجيبة التي تتحدّث عنها ؟

لم يكن خروجي مع الطّبيب غير مجاراة من ناحية وتحدّيا من ناحية  أخرى. قلت أجاريه حتى أستنفذ كلّ ما يقترح عليّ من طرق علاج وقلت أتحدّاه أن تكون هناك صيدلية تبيع الرّؤوس وأن يكون الطبّ قد بلغ هذا الشّأو في علاج الرّؤوس الهائجة المضطربة العصيّة على كلّ أنواع الدّواء.

ما إن بلغنا ساحة الشّهداء حتّى انتصبت أمامنا بناية ضخمة لم أنتبه لوجودها قبل اليوم بلافتات إشهار مضاءة ومتحرّكة وبأبواب بلّوريّة تنفتح وتنغلق أوتوماتيكيا يقوم على حراستها جنود غلاظ مدجّجون بأنواع مختلفة من الأسلحة وفيها أجنحة بعدد أصناف الأعضاء المعروضة للبيع.

كشّافات بلّورية تطلّ من ورائها عيون مفتوحة تحدّق في حرفاء الصّيدلية وتغمز لهم وآذان صغيرة أنيقة وقلوب بيضاء وكلى وأكباد ومعدات وأمعاء غليظة وأذرع وأياد وسيقان وأقدام وما لا خطر على قلب بشر. اتّجهنا رأسا  نحو الجناح المخصّص للرّؤوس البشريّة ووقفنا نتأمّلها ونقرأ البيانات المكتوبة تحتها...رأس صغير هادئ ومسالم ...رأس عنيد ثائر ومكابر...رأس مثقف ...رأس فارغ ينتظر من يملأه...رأس فارغ غير قابل للملء ...رأس إيطاليّ سعيد ...رأس يابانيّ...

لا حظ الصّيدلاني حيرتي فتوجّه نحوي مبتسما:

ـ تستطيع أن تذكر لي المواصفات التي تبحث عنها وسأتولّى سريعا البحث عمّا يناسبك من خلال الحاسوب.

قلت:

ـ أريد  رأسا صغيرا...فارغا...هادئا ...غير قابل  للتّطوير ...ولم يتركني أكمل بقيّة المواصفات...أسرع إلى حاسوبه ونقر عليه قليلا ثمّ أشار إلى رأس منتصب داخل صندوق زجاجّي على يميني وقال:

ـ هذا. إنّه آخر رأس من هذا الصّنف. لك أن تجرّبه على امتداد ثلاثة أشهر ابتداء من تاريخ التّركيب ثمّ إذا لم يناسبك يمكنك استبداله بآخر أو استعادة رأسك الأوّل.

أنا الآن واحد آخر.

واحد آخر تماما .

واحد جديد مختلف عنّي كما كنت طيلة أكثر من أربعين عا

***