فلسطينيّو أوروبّة..- رشاد أبوشاور

 

07/05/2008 

يضاف الآن إلى تصنيف الفلسطينيين، بحسب انتشارهم القسري، عنوان جديد: فلسطينيّو أوربّة.

قبل الترحيل عن بيروت لم يكن هذا التصنيف قد وجد، ولكنه الآن بات حقيقة، فهناك حاليّا في أوربة عشرات ألوف الفلسطينيين، الذين يحملون الجنسيات في عدّة دول منها: ألمانيا، الدنمرك، هولندة، النرويج، بلجيكا، وغيرها من دول أوربّة، مع عدم التغاضي عن حمل مئات الفلسطينيين لجنسيات دول أوربة الشرقيّة التي تخلّت عن ( الاشتراكيّة) بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

قبل رحيل الثورة الفلسطينيّة من بيروت، تابعنا عمليات استدراج مئات الشباب الفلسطينيين للجوء لدول أوربيّة، مع احتدام الحرب الأهليّة، وانحسار الثورة، وتفشّي الياس، وانغلاق الآفاق...

اذكر أن صحفيّا فلسطينيّا توجّه إلى ألمانيا، للاطلاع مباشرة على أحوال بعض من هاجروا، وحين عاد ومعه مئات الصور التي تأملناها مذهولين، وكانت تجمع شبابا تحتضنهم نسوة بأعمار أمهاتهم، كأنهم لقى هبطت من السماء، ولا عجب فهم حيويون، وهنّ نسوة عاصرن الحرب العالميّة الثانيّة، أرامل، أو مهجورات، والصفقة: أتزوجك، وأستمتع بك، مقابل أن تحصل على الإقامة، والجنسيّة، والعمل!

كثير من أولئك الشباب كانت تتلقفهم أجهزة المخابرات الصهيونيّة، تحقّق معهم مباشرة، تجمع منهم المعلومات، وبتسهيل من الأجهزة المحليّة الأوربيّة الضالعة في التآمر.

الذين هاجروا بعد الـ82، كانوا مقاتلين، ونشطاء، وبعضهم ممّن خسروا عضوا أو أكثر من أبدانهم، كابدوا حتى يحصلوا على الإقامات، والجنسيات، والاستقرار، والعمل، والعلاج، بعد أن ضاقت بهم بلاد العرب، وتخلّت عنهم قياداتهم!.

مذبحة صبرا وشاتيلا، ورحيل الثورة وتوزيع ( قوّاتها)على بلاد العرب، ومن بعد اتفاقات ( أوسلو) و( عودة) ألوف الفلسطينيين مع قياداتهم، وترك عشرات الألوف لأقدارهم، وقطع الرواتب عنهم، كانت الدافع لهجرة أولئك الفلسطينيين...

هؤلاء نسوا تماما، فلا أحد تواصل معهم، أو اهتم بهم، فحقبة الضياع بعد (أوسلو) ما زالت ممتدّة حتى يومنا هذا، وكأن من اختاروا (أوسلو)، ومن تبعوهم، اكتفوا، وأداروا الظهر لا لهؤلاء فقط، ولكن للشعب الفلسطيني في تجمعاته القريبة، والبعيدة.

فلسطينيّو أوربة، منذ سنوات، صاروا مركز الثقل، والعنوان الأبرز، في نشاطات مؤتمرات حّق العودة. وهم رغم الخلافات التي تعصف بالحياة السياسيّة الفلسطينيّة، بعد انقسام غزّة _ رام الله، يبذلون جهودا محمودة لتجاوز تأثير هذه الخلافات على نشاطاتهم، ووحدة جهودهم.

في الذكرى الستين للنكبة، ينشط الفلسطينيّون داخلاً وخارجا، في أراضي عام 48، وفي الضفّة والقطاع (67 )، ومخيمات سوريّة، ولبنان.. بجهود تبدو بعيدة عن أي دعم فلسطيني رسمي، بل أحيانا بعرقلة رسميّة تخشى من حركة شعبنا، ويقظته.

حّق العودة، في الذكرى الستين، يرفع لا كشعار يمكن استبداله، أو تعديله، ولكن كجوهر لوجود الفلسطيني كإنسان، فردا، وشعبا، فالفلسطيني داخل وطنه تحت الاحتلال، وفي الشتات، لا بدّ أن يعود إلى مدينته، وقريته، وأن تعود أرضه له، وهو هدف لا محيد عنه.

في هذا العام خرجت المفاتيح من الصناديق، ورفعت بأيد ألفتها قبل ستيّن عاما، أيد تعرف العلاقة بين المفتاح والباب، والبيت، والأرض التي بني عليها البيت.
المفاتيح والأيدي التي صانتها، وارتحلت بها تحت قصف الطائرات، وهدير المدافع، ولعلعة الرصاص...
المفاتيح هذه مهمتها أن تفتح باب المستقبل، وتصون الذاكرة، وتحيي الأمل، فهي كلمة السّر بين جيل وجيل، بين الفلسطيني وفلسطين، بين الفلسطيني وإنسانيته، وهويته الكفاحيّة المقاومة.

المفاتيح تشهر في وجه ( الصديق) والعدو، وليس صديقا ولا صادقا من يفكّر بالتحايل على حّق العودة، أو التلاعب به، أو الالتفاف عليه، أو تمييعه، لأنه بهذا ينحاز للعدو الذي هدم البيت، واستولى على الأرض.
يوم السبت 3 أيّار الجاري، بدأ في ( كوبنهاجن) عاصمة الدنمارك، المؤتمر السادس لفلسطينيي أوربّة المتشبثين بحّق العودة.

الحلقة التي بثّتها الجزيرة في يوم الافتتاح، في برنامج ( حوار مفتوح) الذي يقدمه غسّان بن جدّو، قدّمت مشهدا إنسانيّا، مشرّفا، مهيبا، لفلسطينيي ( أوربة) الذي رفعوا شعار: ستون عاما..العودة أقرب.
حوالي عشرة آلاف فلسطيني وفدوا من بلدان أوربّة، نساءً، رجالاً، أطفالاً، شيوخا، ومعهم ضيوف من أقطارعربيّة، وإسلاميّة...

في الافتتاح خاطب الشيخ رائد صلاح الفلسطيني القادم من فلسطين ال48، أهله: ننتظركم...
وهذه المفردة تكفي لتجسيد العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل والشتات، ففلسطينيّو الشتات، قالوا بألسنة شعرائهم من تحت الخيام، في الأيّام الأولى للنكبة، أيام الخيام، والجوع، والذهول، والانكسار: سنرجع، سنعود، عائدون...
ونحن في طفولتنا رددنا هذه العبارة: عيدنا يوم عودتنا...
في حيفا أعلنوا حضورهم هذا العام: نحن هنا.. لنبقى.
العودة إلى الوطن، وعودة الوطن لأهله، هذه هي المعادلة التي تتعرّض لمؤامرة تجري فصولها الجديدة المفضوحة في ( العتمة)، وهي غير خافية على شعبنا، ولذا يجعل شعبنا هذا العام، في الذكرى الستين للنكبة،من التمسّك بهدف ( حّق العودة )، جدارا لا يمكن اختراقه من المتساوقين مع التآمر الأمريكي، والتواطؤ العربي الرسمي، بميوعة تبدي جاهزيّة لتفهّم ( مخاوف) الكيان الصهيوني من تنفيذ قرار حّق العودة، القرار ( الأممي)، قرار الشرعيّة الدوليّة!

حّق العودة، والمفتح، وتنظيم الجهود، وتوريث الانتماء لهذا الحّق _ العهد_ هو ما يضمن أن تبقى فلسطين حيّةً، وشعبها يقظا...
في الوضوح والعلن ينشط الفلسطينيون هذا العام، متمسكين بحّقهم في العودة، ولفلسطينيي أوربة دور لم يعد خافيّا، فهؤلاء الذين ( لجأوا) لتلك البلاد غير العربيّة، وغير المسلمة، هم الأكثر قدرة على التحرّك، والمبادرة، لأنهم بعيدون عن قمع سلطات عربيّة انبتت صلتها بفلسطين، والأخطر أنها تعمل على التخلّص من قضيّة فلسطين.

كثير من أخوتنا في أوربة فقدوا أعضاء من أجسادهم، وهذه الأعضاء تجعلهم لا ينسون أن دمهم هناك، على هضبة الجولان، وجبال جنوبي لبنان،وثرى فلسطين، ولذا فذاكرتهم مسكونة بالعودة.


هؤلاء هم من يذكروننا بكّل مناسبة، فهم من يتصلون بي، وبغيري، لنكتب عن يوم الأسير الفلسطيني، وعن يوم ( الجريح) الفلسطيني، من سمير في هولندة إلى نضال في ( أوسلو)، إلى علي،ويوسف، وخليل، في ألمانيا...

المفتاح ليس مجرّد مفتاح لبيت هدمه المحتلّون، ولكنه ثقافة، وهويّة، وانتماء، وعهد، و( أيقونة)،..وهو يجمع الفلسطينيين حول هدف: العودة...


يقول الفلسطيني: ننتظركم، فيرّد عليه شقيقه: راجعون... فالويل لمن يحاول التلاعب بحّق العودة، الويل له من شعب فلسطين!