2008-01-03     
أكاذيب "إسرائيل" أخطر على مصر من أنفاق السلاح  

 

 

سامح راشد

 

 المصرية الإسرائيلية بعدد من التوترات والأزمات منذ إبرام معاهدة السلام بينهما عام 1979 بيد أن الأعوام الأخيرة شهدت تصاعداً ملحوظاً في عدد وحدّة الأزمات والتوترات بين البلدين. وتنوعت أسباب ومضامين تلك الأزمات بين موضوعات ثنائية مثل عمليات التجسس، وقضايا إقليمية أهمها القضية الفلسطينية ومجمل مجريات الصراع العربي  الإسرائيلي، وأخرى عالمية مثل الموقف من معاهدة منع الانتشار النووي. وفي الأعوام الثلاثة الأخيرة، كان للوضع على الحدود المصرية  الفلسطينية النصيب الأكبر من التوترات والخلافات المصرية الإسرائيلية، حيث وجهت تل أبيب غير مرة اتهامات للجانب المصري بالتساهل في ضبط الحدود وعدم القدرة على منع الفلسطينيين من حفر أنفاق يتم من خلالها تهريب أفراد وأسلحة تستخدم في عمليات المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

 

من غير تفسير واضح، شنت الدوائر الرسمية الإسرائيلية هجوماً على القاهرة الأسبوعين الماضيين للسبب ذاته، ومن اللافت أنها ربما المرة الأولى التي تضطلع فيها جهات رسمية بمهمة التصعيد مع مصر، فقد كانت تتصدى لتلك المسألة وسائل الإعلام أو بعض نواب الكنيست أو على الأكثر مسؤولون سابقون.

 

والواضح أن إثارة مشكلة الأنفاق بين مصر والأراضي الفلسطينية مجدداً لا ترتبط فعلياً بما يزعمه الإسرائيليون حول تزايد عمليات تهريب الأسلحة عبر تلك الأنفاق، ذلك أن معدل تواتر العمليات الاستشهادية التي تقوم بها عناصر المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال لم تتزايد مؤخراً، كما أن ارتفاع أو هبوط ذلك المعدل مرتبط بوضوح بعوامل واعتبارات فلسطينية داخلية بالأساس، أبرزها العلاقة بين الفصائل الفلسطينية وبعضها بعضاً، فضلاً عن مدى الاستنفار الأمني الذي تطبقه قوات جيش الاحتلال من وقت إلى آخر. كذلك هناك عامل مهم في هذا الإطار، وهو أن التصعيد في الضغط على مصر في تلك المسألة مرتبط بالوضع على الجانب الآخر من الحدود، إذ لم تكن إسرائيل تثير مشكلة الأنفاق بهذا التبجح عندما كانت لها السيطرة كاملة على الأراضي الفلسطينية، فكما أشار الرئيس المصري حسني مبارك في حديث لصحيفة إسرائيلية قبل عدة سنوات إن لأي نفق مخرجيْن، فإذا لم تكن مصر قادرة على غلق أو سد الأنفاق من جانبها فليغلق الإسرائيليون مخارج الأنفاق من الجانب الآخر. لذلك تجرأت تل أبيب على تكرار إثارة مشكلة الأنفاق بهذه الدرجة من التصعيد بعد التطورات الداخلية الأخيرة على الساحة الفلسطينية، فقد أصبحت مسؤولية الحدود بين مصر وغزة تحديداً موزعة بين القاهرة وحكومة حماس، فلا ضير إذن من تحميل الجانبين مسؤولية أي عملية استشهادية بغض النظر عن وجود الأنفاق فعلاً.

 

فضلاً عن ذلك، فإن الضغط على مصر في هذه المسألة سيولد (في وجهة النظر الإسرائيلية) ضغطاً غير مباشر على حماس ومحاولة لضمان مزيد من التضييق عليها ودفع القاهرة إلى التشدد في أي اتصال أو تواصل مع حماس سواء بخصوص تجديد الحوار بينها وبين حركة فتح، أو في المفاوضات الخاصة باستعادة الجندي الإسرائيلي المخطوف جلعاد شاليط.

 

من هنا جاء تأثير مسألة الأنفاق الجزئية في مسائل وقضايا أخرى أوسع تتصل بالدور المصري في القضية الفلسطينية، فرغم الاحتياج الإسرائيلي لدور مصري فاعل ومؤثر في الطرف الفلسطيني، إلا أن الفعالية والتأثير المصريين لا يكونان مطلوبين عندما يصبح هدفهما هو التقريب بين فتح وحماس، أو البحث عن مخرج للموقف المتأزم في الشارع الفلسطيني في ظل الحصار الاقتصادي الذي يعاني منه فلسطينيو قطاع غزة. وعليه، فإن الدور المصري في اللحظة الراهنة غير مرغوب فيه إسرائيلياً، خصوصاً أن المسار الآخر الذي تتحرك فيه القاهرة وهو قضية شاليط، لا يمثل مطلباً عاجلاً لدى الإسرائيليين، أو على الأقل لدى بعض المسؤولين والساسة هناك ممن يهمهم استمرار أولمرت في مأزق وربما سقوطه، ومن شأن الإفراج عن شاليط تدعيم موقف أولمرت فضلاً عن تدعيم موقف حماس ومنحها حيوية جديدة في الشارع الفلسطيني وتذكير الفلسطينيين مجدداً بمزايا وإنجازات المقاومة مقارنة بالنهج التفاوضي الذي يتبناه أبو مازن وحركة فتح.

 

لكن لأن السياسة الإسرائيلية دائماً ما تتسم بالمبالغة والتمادي في المطالب والمطامع، وجدت مزاعم تل أبيب صدى لها في الكونجرس الأمريكي، فقرر تعليق 100 مليون دولار من المساعدات الأمريكية لمصر رهن تحسين الأداء الأمني المصري على الحدود، وهو الأمر الذي استفز القاهرة وأشعل الغضب المصري على التحريض الإسرائيلي غير المبرر لواشنطن.

 

وفق هذه الخلفية، يمكن النظر بوضوح إلى زيارة إيهود باراك وزير الحرب الإسرائيلي لشرم الشيخ الأسبوع الماضي، فقد تشابكت في الزيارة الأبعاد الثنائية بين القاهرة وتل أبيب بعد التراشق الإعلامي بين الجانبين بسبب مسألة الأنفاق، مع الأبعاد الخاصة بالطرف الثالث الفلسطيني بفصائله والموقف من شاليط، مع أرضية صراعات وتوازنات الداخل الإسرائيلي التي تحكم دائماً مواقف وتحركات الساسة الإسرائيليين تجاه الخارج بما في ذلك القضايا المهمة بل والمصيرية مثل تعطيل أو تسيير المفاوضات أو مستقبل التسوية السلمية برمتها أو مصير وحياة فرد إسرائيلي مثل شاليط.

 

وبذا يمكن فهم الأجواء المحتقنة التي أحاطت بوجود باراك في مصر، فقد جسدت الزيارة كل تلك الأبعاد بسلبياتها، حتى يمكن القول إن زيارة باراك لمصر سارت في اتجاهات غير تلك التي أوحت بها الحملة الإسرائيلية العنيفة على القاهرة والرد المصري الغاضب عشية الزيارة. فقد بدا الأمر كأن باراك في شرم الشيخ ليخفف التوتر وليس لتأكيد الموقف بشأن مسألة الأنفاق، وأنه جاء ليحقق مكسباً داخلياً له في إسرائيل في مواجهة أولمرت وليس فقط لتلبية مطالب حكومته. ولعل مسألة السلام مع سوريا تؤكد هذا التحليل، فقد نقلت الأنباء أن ثمة رسالة سورية تلقتها إسرائيل عبر القاهرة أثناء زيارة باراك، وتوازى ذلك مع تسريبات دبلوماسية إسرائيلية عن رغبة سورية في فتح قناة اتصال مع باراك بعيداً عن أولمرت المتشدد في رأي دمشق. إلا أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين لم تتضمن أي إشارة للرسالة المذكورة، كما نقلت الصحف الإسرائيلية أن التقرير الذي قدمه باراك عن زيارته لمصر إلى أولمرت ووزيرة خارجيته تسيبي ليفني لم يشر إلى موضوع الرسالة السورية.

 

المعنى، أنه كما كانت إثارة مسألة الأنفاق بغرض يتجاوز مواجهة عمليات التهريب الفعلية (إن وجدت)، فإن زيارة باراك لمصر لم تكن فقط بغرض التباحث بشأن الأنفاق وكيفية غلقها، فبداهة تلك مسألة فنية أمنية أو عسكرية لم تكن بحاجة إلى زيارة رسمية لوزير يلتقي خلالها رئيس الدولة المضيفة. وليس أدل على ذلك من أن موقف القاهرة من قضية الأنفاق لم يتغير بعد زيارة باراك، حتى إن الرئيس المصري هدد بترك الإسرائيليين وحدهم في مواجهة تلك الأنفاق.

 

لكن الأهم أنها لم تنجح في معالجة التوتر الحاصل بين البلدين، ولم تؤد بالطبع إلى تحريك مسألة الجزء المعلق من المساعدات الأمريكية، ولم يتضح ما إذا كانت هناك أية تنازلات نقلها باراك لمصر بشأن قضية شاليط أو الموقف من استمرار عمليات الاستيطان والذي اعتبرته القاهرة مخالفة صريحة وتقويضاً للإنجاز الوحيد الذي تم في أنابولس. إن تلك المؤشرات ترجح دخول العلاقات المصرية  الإسرائيلية نفقاً ضيقاً، ربما تكون الصدامات فيه، وبالتالي الخسائر، أسوأ كثيراً من أية أخطار أو سلبيات للأنفاق المزعومة على الحدود.

 

 

samehrashed@gmail.com