جورج حبش: الكلمة الأخيرة.. والأولى -... سعد محيو

آخر جملة نطق بها جورج حبش في مستشفى عمان كانت (تعليقاً على تحطيم معبر
رفح):"سيأتي حتماً اليوم الذي تزول فيه الحدود بين الدول العربية، ويتحقق حلم
الوحدة".

وهذه كانت مفارقة، لأن أول جملة سياسية أطلقها "الحكيم"، حين كان طالباً

في الجامعة الأمريكية في بيروت قبل 50 سنة، كانت هي نفسها: حلم الوحدة
سيتحقق برغم كل شيء.
حبش في بيروت الخمسينات كان تلميذاً للمفكر القومي العربي الكبير قسطنطين
زريق، الأب الروحي لحركة القوميين العرب الذي تحّرك مباشرة بعد نكبة
فلسطين العام 1948 ليعلن أنه "لن يكون في وسع العرب الانتصار على الكيان
الصهيوني الاكثر تقدماً، إلا بمنظمة سياسية قومية حسنة التنظيم تكون
القضية الفلسطينية هي جوهر عملها". لكن حبش بعد ذلك تحَول إلى القائد
السياسي الفعلي لهذه الحركة، فأسسها رسمياً العام ،1956 وأشرف لاحقاً على
عمل كل فروعها في العديد من دول بلاد الشام والخليج.
بين فترة التأسيس النظري وحقبة العمل الفعلي، مرّت مياه كثيرة تحت أرجل
هذه التجربة التاريخية لتضفي عليها بعض الالتباسات. منها: هل كان الحكيم
صائباً حين ركز جهوده على تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بدل إنضاج
حركة القوميين العرب؟ ألم يؤد ذلك في النهاية إلى فقدان التوازن بين ما
هو وطني فلسطيني وبين ما هو قومي عربي؟
المقرّبون من حبش يقولون إنه في سنواته الأخيرة بدأ يعيد ترتيب
الأولويات، في اتجاه منح القضية القومية موقعها الأول والمركزي. وهذا كان
واضحاً كل الوضوح في العام 2000 حين أعلن في المؤتمر السادس للجبهة
الشعبية أنه قرر التنحي عن قيادة هذه الاخيرة "كي يتفرغ لمهام بحثية من
خلال توثيق تجربة حركة القوميين العرب، وتأسيس مركز للدراسات هدفه دراسة

التجارب الوطنية الفلسطينية والعربية".
هذه العودة إلى النبع القومي العربي الأول كانت مهمة للغاية، لأنها ربما
تلخص تجارب 60 عاماً من النضال اكتشف بعدها حبش أنه لا إمكانية البتة
لتحرير فلسطين، ولا لتحقيق الاستقلال والنهضة العربيين، إلا بعمل قومي
شامل. بحركة قومية عربية جديدة. كان ثمة مبرر قوي لهذا الاكتشاف:
"إسرائيل" أثبتت أنها ليست فقط كياناً غاصباً لأرض اسمها فلسطين، بل هي
أيضاً وبالدرجة الأولى المخطط الأول والمدبر الأول، بالتنسيق مع الدوائر
الحاكمة في أمريكا والغرب، لإبقاء كل المنطقة العربية في ديمومة تأخر
وفقر وتشتت وحروب أهلية. في هذا الإطار، لا تعود فلسطين عقاراً جغرافياً،
بل تصبح رمزاً حقيقياً لمصائر كل الدول العربية بلا استثناء. في هذا
الإطار كذلك، كان الأجدى أن يتواجد جورج حبش في قمرة قيادة القومية
العربية، لا في غرفة قيادة الجبهة الشعبية. هذا لا يعني التخلي عن هذه
الجبهة أو عن العمل الوطني الفلسطيني. إنه يعني فقط ضرورة وضع الأمور في
نصابها الاستراتيجي الحقيقي.
وعلى أي حال، الكلمات الأخيرة التي تلفظ بها الحكيم على سرير المرض، لم
تقل غير ذلك. وحين تأتي مثل هذه الكلمات من رجل أقل ما يقال عنه إنه من
أصدق وأصلب الرجال، يفترض أن يعرف العرب حينها أين يوجد الطريق القويم
والصراط المستقيم.
***
جورج حبش: حلمك بالوحدة لن يموت.

سعد محيو