2008-01-02     
"فتوى" عروبة لبنان

فيصل جلول

 

“لبنان بلد عربي وهو مسؤولية عربية” هذا القول جرى على لسان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى في سياق تعليقه مؤخراً على الأزمة الناشبة منذ اكثر من عام بين الحكم والمعارضة والتي تكبح انتخاب رئيس جديد للجمهورية في بيروت. لا تثير “فتوى” الجامعة بعروبة لبنان حفيظة المؤرخين والفلاسفة اللبنانيين الذين بذلوا أعمارهم في الحديث عن “فينيقية” لبنان و”متوسطيته” وابتعاده عن العرب والعروبة، فهؤلاء كما التيارات السياسية التي كانت تناضل تحت راية افكارهم قد هزموا خلال الحرب الاهلية (1975 - 1990) واضطروا للموافقة على اتفاق الطائف الذي يعتبر لبنان بلداً عربياً خالصاً لا هوية له غير العروبة. ولا تثير “الفتوى” حفيظة “الاحزاب اللبنانية” التي دفعت دماء غزيرة في القتال ضد عروبة لبنان، فسمير جعجع والشيخ أمين الجميل والنائب السابق فارس سعيد وغيرهم يجهرون يومياً بعروبتهم وعروبة لبنان، والراجح بحسب انصارهم في (جماعة 14 آذار) أن التعقيدات السياسية الراهنة والصراع على سلطة القرار في بيروت تحول دون توجيه التحية لهم على هذا “التحول السياسي العظيم” الذي يقطع مع تراث شخصيات سياسية وفكرية من كعب شارل مالك وبيار الجميل الأب ونجله الرئيس الراحل بشير وكميل شمعون الأب ونجله الراحل داني، ناهيك عن فؤاد افرام البستاني ويوسف السودا وكمال الحاج وميشال شيحا وسعيد عقل وآخرين.

 

لا شك في أن التحول المذكور لدى التيار “الفينيقي” وإن كان يلاقي تحولاً آخر من “عروبيي” الحرب الاهلية أيضاً، فهؤلاء ما عادت عروبتهم مستمدة من مواجهة الاجنبي أو المجابهة مع “إسرائيل” وانما مع عرب ومسلمين آخرين يواجهون الأجنبي أو يجابهونه، الأمر الذي استوجب ذات يوم تحية شهيرة من الدكتور سمير جعجع “زهرة” التيار الفينيقي اللبناني إذ أكد أن “إخواننا في بيروت يتحدثون مثلنا”.

 

وإذا كانت “فتوى” عروبة لبنان ليست موجهة إلى الذين يشككون بعروبته، فهل هي موجهة إلى الاجانب الذين يتدخلون في شؤونه؟ لا يزيدنا نص “الفتوى” علماً بالمقصود فهو يلمح من دون أن يصرح الامر الذي يستدعي البحث عن الفرضيات التي يوحي بها واولها أن الجامعة لا تريد تدخلاً أجنبياً غير عربي في لبنان وتريد حصر مسؤولية ما يدور في هذا البلد بالعرب وحدهم بيد أن الوقائع التي تلت “الفتوى” تذهب في الاتجاه المعاكس فقد وجه الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي تحذيراً مبطناً لسوريا - وهي للمناسبة بلد عربي وعضو في الجامعة العربية - إذا لم تضغط على المعارضة اللبنانية كي تتخلى عن شروطها من اجل انتخاب رئيس للجمهورية بشروط “14 آذار”.

 

وما يصح على فرنسا يصح أيضاً على الولايات المتحدة التي لا تكف عن التدخل اليومي في الشؤون اللبنانية، ويصل تدخلها إلى حد القول “يجب على سوريا ألا تتدخل في لبنان حفاظاً على حريته واستقلاله وديمقراطيته”، وكأن شرط احترام هذه القيم مرهون بالتبعية للبيت الابيض وهو حتى إشعار آخر ليس بيتاً عربياً بل يوصف في الشارع العربي بأنه “بيت عدو العرب” الداعم للكيان الصهيوني على طول الخط.

 

ولا يمكن ل”الفتوى” أن تكون موجهة ضد البلدان أو الزعماء اللاتينيين المؤيدين للمعارضة اللبنانية فلم نسمع يوماً اعتراضاً على مواقف هوغو تشافيز او فيدل كاسترو او ايفو موراليس أو غيرهم ممن يواجهون واشنطن ويعتقدون ان المواجهة تشمل “الساحة” اللبنانية.

 

وفي السياق من الصعب الافتراض أن “فتوى” عروبة لبنان موجهة “صراحة” ضد الجمهورية العربية السورية أو المملكة العربية السعودية أو الأردن أو مصر فهذه البلدان وإن كانت تتدخل في الشؤون اللبنانية فإنها بلدان مؤسسة للجامعة العربية وبالتالي تعتبر وفق النص المذكور مسؤولة عما يجري في لبنان بل وشريكاً في الازمة التي تضرب هذا البلد، ولا أظن أن الجامعة العربية مهما بلغت درجة امتعاضها او ضبابية رؤيتها أو “قلقها” على بلاد الأرز، يمكن أن تصل الى حد إشهار “عروبة” لبنان بوجه أعضائها.

 

يبقى افتراض وحيد لصدور هذه “الفتوى” هو انها مصممة على قياس إيران التي مضت اسابيع على صمت مسؤوليها عما يدور في لبنان. والمشكلة ليست في فارسية الايرانيين وعروبة “العرب المستعربة” وإنما في الصراع مع “إسرائيل” (معجزة القرن العشرين) بحسب الرئيس ساركوزي، ذلك أن رئيس الدولة العبرية شمعون بيريز اكتشف خلال حرب لبنان عام 2006 أن الشرق الاوسط يجب ان يظل “عربياً” وإلا يصبح “فارسياً” وهو اكتشاف “اسرائيلي” يحمل “براءة” أمريكية.

 

وإذا ما ذهبنا في هذا الافتراض الى نهايته يمكن ان نصل الى استنتاج جوهري مفاده أن ما يدور في لبنان يتعدى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة المقبلة الى هوية البلد السياسية. فالانقسام بين اللبنانيين في نهاية المطاف يدور حول موقع “بلاد الارز” من الصراع مع “إسرائيل”، فالطرف اللبناني الموالي للغرب يريد للبنان أن يعيش كإخوانه المطبعين سراً أو علناً مع الدولة العبرية فيما الطرف المعارض يريد للبنان أن يكون سيداً وحراً مستقلاً في وجه “إسرائيل” عدو العرب والمسلمين الوحيد، وبالتالي قادراً على حماية نفسه بوسائله وليس باتفاقيات على غرار “كامب ديفيد” و”وادي عربة” و”اوسلو”. هذا النوع من العروبة لا يغري بعض أنظمة الجامعة، وإن كان يحظى بتأييد الأغلبية الساحقة من العرب بحسب مركز ابن خلدون في القاهرة.