الأنثويّة والنسويّة... وصنع الثقافة في لبنان

 أسعد أبو خليل *

ثمّة حاجة ماسة لدراسة ما سمّاه ثيودور أدورنو صناعة الثقافة في لبنان وفي العالم العربي في عصر الروتانا ــــ هل من يلاحظ تلك القدرة الهائلة لأمير واحد من آل سعود على التأثير على الذوق الموسيقي والفني العام؟ــــ والسطوة الاحتكارية لمؤسسات جريدة النهار لم تَخُرْ في عصر الصعود الخليجي. وبعض العالم العربي، وخصوصاً شيوخ النفط، مصاب بعقدة التفوّق اللبناني، وهو كذبة أطلقتها الشوفينية اللبنانية وصدّقها شعب لبنان وبعض الشعب العربي. لهذا تجد اللبناني واللبنانية بارزين (وبارزات) في الإعلام النفطي، فيما يغيب، أو قل يكاد، السعودي والسعودية والإماراتي والإمارتية. وكانت ثقافة مصر في الستينيات قادرة على إثبات وجودِها بوجه ثقافة النهار وما تروّجه من قيم ومن مفاهيم.

مافيا الثقافة

وما أُطلق عليه مافيا الثقافة في لبنان بارز على أكثر من صعيد، ومبدأ روّجلي لأروّج لك سائد وقاتل ثقافياً. فتجد الكاتب في ملحق النهار أو في جريدة المستقبل (أو الجرائد الأخرى) يطري على كاتب آخر في الجريدة نفسها، وصفحات النهار الثقافية تتفرغ للترويج لمنشورات دار النهارـــ هو التناغم التجاري. أهلية بمحلية، والبادئ أظرف. وهذه الشبكة من العلاقات شبه المحرّمة بينهم تفسّر صمتهم عن تلك الدعوة المشينة التي أقامها فخري كريم ـــ المثقّف الرسمي لرئيس دولة الاحتلال في العراق ـــ ضد مجلة الآداب، لأنّ رئيس تحريرها، الرفيق سماح إدريس، كتب ما عدّه كريم بعيداً عن النقد المباح. لم تردّ الصفحات الثقافية، ما عدا الأخبار، على فكرة النقد المباح، الصادرة عن مثقف وصاحب دار نشر. كان يمكن لمدرسة فرانكفورت الفلسفية أن تفرد فصلاً خاصاً لدراسة تسلّطيّة فكرة النقد المباح في كتاب أدورنو عن الشخصية التسلّطيّة، ومن يبيح لمن؟ لكن الصفحات الثقافية في إعلام آل سعود وآل الحريري مشغولة بالأهم. هاكم بول شاوول يكتب، ثقافياً، عن السنيورة: برافو سنيورة يا صخرة الدولة والديموقراطية والسيادة (المستقبل، 29 كانون الأول، 2007).


قررت جريدة النهار، من دون مناقشة، في الستينيات، أنها قادرة ومؤهلة، خلافاً للغير في لبنان والعالم العربي (يسمونه الشرق في لبنان تدليلاً على أوروبيته على ما نعتقد، لتقرير ماهية وتعريفات الحضاري والراقي في الفن والأدب والسياسة. والذوق ليس فطرياً، فقد عشنا من دون صعوبة قبل انتشار مقاهي الستاربكس (يفخر اللبنانيون بارتياد مقاهيها إمعاناً في رفض الالتزام بمقاطعة الشركات المتعاونة مع إسرائيل، لأن مقاطعة إسرائيل بنظرهم سمة من سمات التخلف ومن ثقافة الموت التي ينبذها كريم مروة اليوم بعد أن مدحها بحماسة في التسعينيات)، قبل أن نُدجّن على إدمان مستحدث على مشروبات من مشتقّات القهوة. إن صنع الذوق جزء لا يتجزأ من الرأسمالية الحديثة، التي ترهن حتى العامل أسيراً للإنتاجية الاستهلاكية كما حلل هربرت مركوزه في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد (أو ما سمّاه ماركس الهوى الشهواني بالسلع). وصنع الذوق النهاري كبير الأثر: هو الذي يقرر، مثلاً، أن منصور الرحباني، الذي ينجح في تسخيف وتسطيح حتى سقراط والمتنبي، هو شاعر ملهم بناءً على تلك القصيدة بحبّك يا لبنان، يا وطني بحبّك. وهو، أي مصنع الثقافة اللبناني، الذي يريد أن يقرر ما يجب أن نأخذ من الغرب وما يجب أن يُهمل. والسلع المستوردة من الغرب أو من الخارج تتشوّه في لبنان، ويتحول بناءً عليه تشي غيفارا إلى رمز خالٍ من السياسة (هل من يعلم في لبنان أن الرجل كان ماركسياً ـــ لينينياً متزمّتاً وكان، بتعريفهم هم، لا يحبّ الحياة؟). وجريدة النهار، مثلاً، حوّلت محمد الماغوط إلى قومي لبناني إثر وفاته: لم تذكر أنه سمّى ابنته شام ـــ تحدثت فقط عن حبه للبنان ـــ، كان يمكن للواقعة أن تخدش آذان عنصريّي الجريدة وقرائها. وكما قال سعدي يوسف في رثاء سركون بولص، هم يتحدثون عن رامبو مقتلعاً من متاريس الكومونة.


وجريدة النهار كانت ترفع من تشاء وتُسقط من تشاء بناءً على معايير استنسابية واعتباطية وشخصية، وسياسية طبعاً (تتحدث جومانة حداد، في حديثها المذكور أدناه، عن معايير موضوعية، بالحرف، في تقرير مَن مِن الشعراء والأدباء يستحقّ، بالحرف، أن يُكتب عنه (أو عنها) في القسم الثقافي في جريدة النهار. وللأسف، فإن معايير جريدة النهار انتشرت في أكثر من مطبوعة في لبنان وفي العالم العربي. وتعظيم كل من يعمل في جريدة النهار هو ركن في صناعة النهار للثقافة، حتى رسوم بيار صادق الصبيانية في هزلها، والفجّة في مباشرتها، تصبح فناً رفيعاً ما بعده فن. وبناءً عليه، تصبح قصيدة شوقي أبو شقرا: أزرع سفرجلاً في صالات السينما. الرجال قبل الظهر يتفرّجون، والنساء بعد الحمام الساخن، أو نام على ظهره، أثقل من زئبق، من بطاطا، رفع السلاح، رفع رجليه غصباً عنه، حبشة مذبوحة منتوفة، وشرواله كتّان أبيض. ثم طز (من ديوان يتبع الساحر ويكسر السنابل راكضاً) أدباً ثميناً يستحقّ، كما المعلّقات، أن يُُعلّق على شجر بلوط بيروت. طبعاً، إن الشعر والفن يخضعان للذوق، لكن الذوق، أو المتلقّي، ليس حراً في ظل الجور الطبقي وفي ظل سيطرة رأس المال (والاحتكار) الرجعي على صناعة الثقافة ـــ والدولة في لبنان لا تصنع الثقافة، ما عدا خطب طارق متري الحريرية، فهي أمّ الثقافة وأبوها، على أن لا تحيد عما يرسمه قصر الثقافة في قريطم). لكن هل يمكن أن تساءل شاعريّة شوقي أبو شقرا مثلاً، أو أن تنقدها، حتى وفق شروط النقد المُباح الذي يحدّده لنا فخري كريم؟ هناك حيّز هائل في الإعلام الثقافي السائد لنقد القصيدة العمودية أو القصيدة السياسية الملتزمة (ما عدا ملحمة يحيى جابر عن رفيق الحريري ــــ يا للحسّ الشعري المرهف ــــ. تأوّه معي الآن)، لكن لا يمكن لك أن تعارض ذوق النهار السائد. هل هناك من يستطيع أن يصرخ ـــ ضمن حدود الصراخ المُباح طبعاً حتى لا نتعرض لملاحقة قانونية من نصير حرية التعبير المُباح، فخري كريم ـــ معترضاً على مسرحيّات منصور الرحباني التي لا تختلف عن الإنتاج المسرحي لمدارس ابتدائيّة (وبميزانية أصغر بكثير لعدم حاجتها إلى استيراد فرقة سمفونية بحالها من أرمينيا بهدف إحاطة العمل بهالة يفتقرها مضموناً)؟

جمانة حداد وتحدّي الذكورية

هذه المقدمة ضرورية للحديث عن الإطلاق العرمرمي الضخم لكتاب جديد لجومانة حداد. فهي تملأ الشاشات والصحف، شئتَ ذلك أم أبيتَ. وكانت ضيفة في برنامج خلّيك (مع الحريري) في البيت. يجب أولاً الإقرار بأن عمل النساء في الحقل الثقافي في لبنان وخارج لبنان (حتى في الغرب) يخضع لمعايير ومقاييس مجحفة بحق المرأة كإمرأة (تحدثت جومانة حداد عن مشاكل تعترض العمل في المجتمع الذكوري، إذ إنهم في لبنان يقيسون الغرب بمعايير مثالية، وكأن الغرب بعيد عن الذكورية أو عن البنية البطريركية ـــ محاولة هشام شرابي التمييز بين البطريركية وما سماه البطريركية الحديثة لم تكن ناجحة، وبدت مستقاة في إسقاطاتها من كتابات استشراقية مبتذلة تعزو إلى العالم العربي سمات استثنائية خاصة به، على نسق كتاب العقل العربي لرافييل باتاي، بالإضافة إلى أن تعميماته لم تكن مبنية على دراسات ميدانية ـــ. وروت لي الروائية الأميركية ميشلين ماركوم قبل نجاح روايتها الأولى أن وكيلتها الأدبية في نيويورك ابتسمت عندما رأتها للمرة الأولى وقالت: جيدٌ إنك جميلة. هذا يسهّل عملية الترويج لكتبكِ.مايكل كونتوريس ـ اليونان فالعداء للمرأة كإمرأة، وتسليع المرأة وتسويقها جنسياً مشكلة عالمية، وإن اختلفت في أساليبها ولهجاتها). والحديث عن أدب وشعر نسوي ينمّ عن نرجسيّة ذكوريّة قاسية، وقد عانت منها على مر العقود كثيرات، من فدوى طوقان وغادة السمان وليلى بعلبكي وسعاد الصباح ــــ هل ستعيد نشر قصائد مديحها لصدّام ــــ وأحلام مستغانمي، وغيرهنّ.
والنظر إلى الأدب بناءً على عنصر الجنس ليس مرفوضاً من منظور دراسات ما بعد الحداثة الأدبية، ولكنه ينحو أحياناً نحو تنميط وتقييد إنتاج الأدب من جانب كاتبات وشاعرات. والنظر إلى المرأة، مهما كان عملها وشأنها، كجسد لا غير، صفة من صفات العنصرية الذكورية (كأن يكتب عباس بيضون مثلاً عن بنازير بوتو مركّزاً على جمالها وقامتها وأناقتها وطلّتها الجنسيّة، وهو أبدى سروراً لأنّها لم تترهّل قبل موتها). كما أنّ عنصر الكبت الجنسي يؤثّر في الترويج لكتابات معيّنة بناءً على رغبة شعبية في الإثارة الجنسية. وإلا ما معنى أن تجد كتاب نوال السعداوي المرأة والجنس على أرصفة أكثر من عاصمة، محاطاً بمجلات الإثارة الجنسية السوقية. وهذا العامل يؤثر حتى على كتّاب رجال: وكتاب نزار قباني طفولة نهد أطلقه شاعراً معروفاً قبل سنوات من كتاباته السياسية بعد حرب 1967. ولكن جومانة حداد لم تكن تريد أن تخوض في مسائل تتعلق بالعنصرية الذكورية، ربّما لأنّ مضيفها استهل الحديث بالاشمئزاز من النسويّات لأنهنّ مسترجلات، حسب تعبيره، أو بشعات، حسب تعبيرها هي.


والحديث مع جومانة حداد جرى على طريقة مقاهي الثقافة في لبنان. كان هناك تعداد للمآثر وتسميات ممهورة باسم مصمّمين، على طريقة الاقتناء التجاري، لأن اللبنانيين يبتاعون الأحذية والناس بناءً على إشارة الصنع، مما يجعل الخادمة الفيليبينية أغلى ثمناً من رقيق سريلانكا في بيوت الأحرار في وطن الصخب الشعاراتي. وشاهدنا في تقرير بُثّ أثناء البرنامج جومانة تمتّع ناظريها بالبحث عن اسمها في كشّاف غوغل. وهي طلبت منّا أن نقبل ترجمة لها عن ترجمة أخرى، لأن الترجمة الوسيطة صادرة عن دار نشر غاليمار المرموقة. وسمعنا أكثر من مرة في الحديث أنها تتقن سبع لغات (وثامنة على الطريق، حسبما قالت). والنرجسية ومديح الذات اللبنانية جزء لا يتجزأ من ثقافة النهار.


فاللبناني، يقبر أمه، عبقري بالفطرة، وذلك لكثرة تناوله للبقدونس في الأطعمة المحلية. وما معنى إتقان سبع لغات؟ إنّ أيّ فرد درس أربع أو خمس لغات أو أكثر يجد أن الإتقان المتماثل مستحيل، وبرامج الدكتوراه في عدد من الجامعات هنا أو في ألمانيا لا تقبل زعم إتقان اللغات، بل تُخضع الطالب إلى امتحانات لغوية (وإن كان هناك تهاون في تلك الامتحانات). وروى المفكر العراقي محسن مهدي أنه ذهب لمقابلة المستشرق هاملتون غيب، الذي كان عضواً في مجمع اللغة العربية، بعد أن قبل منصب كرسي هاملتون غيب في جامعة هارفارد، ليجد أن غيب لا يستطيع الحديث باللغة العربية. ويجب على الشاعرة أن تحترم تلك اللغات عبر الإقرار بأن العيش في عدد من اللغات يكون بصورة تصاعدية، من اللغة الأم إلى اللغة الثانية، والثالثة،....إلخ، إلا إذا كان القصد إبهار المشاهد والمشاهدة بعبقرية اللبناني واللبنانية. وتعداد اللغات بتكرار المدّعى لا يخدم قضية، إلا جعل اقتناء اللغات مثل اقتناء الفساتين. وتعلّم وإتقان عدد من اللغات يحتاجان إلى عمل مستمر يختلف عن أسلوب حداد في الحديث عن السبع لغات، والثامنة القادمة.


وتحدثت جومانة حداد (بناءً على أسئلة جد ذكورية في سياقها) عن جمالها براحة وثقة شديدتين، زادتهما شهادات مهينة في التركيز على شكلها الخارجي من جانب متحدثين ومتحدثات في البرنامج ــــ من قال إن العنصرية الذكورية هي سمة ذكورية فقط. يُراجع هنا الكتاب العظيم لسيمون دوبوفوار الجنس الثاني أو كتاب جودث بتلر مَشكَلة الجندرة الذي لم يُترجم إلى العربية بعد ــــ من دون اعتبار مسألة الجمال مسألة نسبيّة. هي قالت أكثر من ذلك. فقد اعترضت على عبء جمالها لأن هناك من يفترض، حسب قولها هي، أن المرأة الجميلة هي تافهة، وأن البشعة، حسب ما قالت بالحرف، هي الذكيّة. فهي تريد، باسم ما تراه جميلاً، أن تدعوك إلى تقدير جمالها الخارجي والداخلي على حد سواء. لن نستفيض هنا. الحكم لكم (ولكنّ). لكنها أضافت حديثاً عن النسوية والأنثوية لا يعكس قراءة في الموضوع الثري فكرياً وفلسفياً، أو إلماماً به خارج ما يُكتب في الصحافة الهينة. فهي اعترضت على النسوية لأنها تطالب بالمساواة بدل انتزاعها، حسبما قالت. والمضيف لا يبدو مطّلعاً على موضوع النسوية ليجادل، فاكتفى بالاستماع، مشدوهاً، فاغراً فاه. هكذا تُختصر النظريات والحركات في لبنان. عناوين، مجرد عناوين. وكلام حداد عن النسوية كان بالنسبة إلى النظريات النسوية مثل علاقة سقراط بمنصور الرحباني (في حلقة سابقة من البرنامج المذكور، ذكر منصور أنه شديد الإعجاب بالشعر الصوفي والصوفية. سأله المضيف، مَن مِن شعراء الصوفية تفضل؟ كلّهم، أجاب فوراً. وبعد دقائق فقط من حديث الصوفية، سأله المضيف عن أهم شيء في الحياة. صحن الحمص، أجاب منصور. آه لو أن الحلاج اكتشف صحن الحمص قبل صلبه).


انتقدت حداد التعميمات، ولم تتحدث عن النسوية إلا بتعميم غير عليم، حتى لا نقول أكثر. أية نسوية تلك التي تحدثت عنها حداد بكليشيهات محرجة في افتقارها إلى المعرفة قبل الدقة؟ هل هي تتحدث عن النسوية الليبرالية أم النسوية الوجودية أم ما بعد الحديثة أم النسوية الماركسية أم العلم نفسية أم الانفصالية أم الاشتراكية أم الجذرية؟ الإنتاج النظري للتيارات النسوية غزير وغزير جداً لم يأتِ حداد منه إلا الحذر من المرأة البشعة. أسعفينا يا جومانة ليستقيم النقاش والحوار. ما هي النسوية التي صوّرتها تصويراً كاريكاتورياً؟ ولماذا تتحول تيارات فكرية وفلسفية إلى عناوين من الكلام التبسيطي المختزل؟ كما أن الحركات النسائية (الليبرالية في بلد مثل أميركا أو الجذرية في أوستراليا أو الوجودية في فرنسا أو الاشتراكية في العراق أو في اليمن عندما كان سعيداً) لم تستعطِ المساواة أبداً، بل انتزعتها انتزاعاً، وفرضت تغييرات في القوانين. أستاذة القانون، والمفكرة النسوية كاثرين ماكنن، لم تستجدِ، بل فرضت الأخذ بقوانين جديدة في السبعينيات لتحريم الاعتداء الجنسي بأشكاله المختلفة.


وأضافت حداد أنها تفضل الأنثوية على النسوية. والنسوية سُبّةٌ في وطن الأرز حتى من جانب من يتعاطى في قضايا المرأة ــــ سارعت مثلاً ديانا مقلّد في برنامج ترانزيت إلى نفي نسويتها قبل أن تتحدث عن برامج تعدّها عن المرأة لمحطة أخبار ودموع لعائلة من يحسب أن ماله أخلده ــــ. وهناك نسوية مزيفة (شبيهة بالنسوية المُستعمِرة التي تحدثت عنها ليلى أحمد في كتابها الهام عن المرأة في الإسلام)، وهي ظاهرة للعيان في برنامج سعاد قاروط العشي على محطة الـأن.بي.أن.، حيث لا تظهر المرأة العربية إلا شاكية باكية، أي غير فاعلة، لنستعمل مفهوم سيمون دو بوفوار في هذا الخصوص. وفات جومانة حداد أن تلاحظ أن علم النفس الحديث (لا يزالون في لبنان أسيري وأسيرات علم نفس فرويد في عنوانه العريض) يرى الأنثوية والرجولية بنياناً اجتماعياً خارج علم أو موروث الطبيعيات. لها أن ترى نفسها ما تريد، ولها أن تنبذ النسوية والنساء البشعات ــــ حسبما قالت هي، فتحديد الجمال مسألة تقررها جريدة النهار وكتّابها ــــ لكن الكلام على حركات فكرية وسياسية كان لها أكبر الأثر في طريقة التعاطي الاجتماعي والقانوني بين الجنسين حول العالم يجب ألا يفتقر إلى درجة من العلمية، وخصوصاً من جانب من يشرف على القسم الثقافي لجريدة صنع الثقافة اللبنانية الرسمية. وأضافت حداد، ومن استُدعي لإغداق المديح عليها، كلاماً عن التمرّد وعن كسر المحاذير. لم نتبيّن معالم كسر المحاذير في الحديث، إلا إذا كان النقد اللطيف عن سطوة الدين تمرداً. لكن لبنان تتحول فيه تظاهرات طائفية إلى ثورة، وتتحول فيه خزعبلات سعيد عقل إلى فلسفة، ويتحول فيه السنيورة إلى رجل دولة، ويتحول طبق التبولة إلى دليل قاطع على التفوّق الجيني للشعب اللبناني. فإطلاق الصفات اعتباطاً بات سمة أساسية من الثقافة المهيمِنة، وخصوصاً أن الأسطورة اللبنانية المؤسسة عوّضت غياب معجزة تاريخية باختلاق المعجزات وإطلاقها من على صفحات جريدة النهار، كما عوّضت مسرحية فخر الدين (الذي جُرّ مغلولاً بالأصفاد إلى الآستانة) شن حرب استقلال وطنية حقيقية، ـــــ أو حتى دفاعية ــــ لكن أصبح للبنانيين واللبنانيات مشهد تدمير مخيم نهر البارد للافتخار الوطني.


طبعاً، ليس من الإنصاف التركيز على جومانة حداد دون غيرها، لكنها هي تحدثت ضد الإجماع وضد (لا)منطق 99.99. لكن هل ثقافة جريدة النهار إلا تعبير عن ثقافة الـ99.99 وعن الإجماع المسيطِر؟ وكانت النهار في الستينيات تعبّر بخجل عن انتقادات ليبرالية محدودة للدولة والمجتمع، لكنها اليوم منبر من المنابر الحريرية (القوّاتية) المنتشرة. والكلام عن التمرد من خلال جريدة النهار شبيه بالكلام عن الثورة في داخل مجمع تجاري في دبي، أو بالكلام عن الجمال وسط رهط من الضفادع، أو هي مثل الدفاع عن نسق مبتكر من اليسارية ــــ من جانب الرفيق (السابق) إلياس زهرا ــــ في... جريدة المستقبل. وإذا كانت حداد ترى أن مجادلتها للّه تُعدّ تمرّداً، فأين هي من أغاني مهيار الدمشقي لأدونيس، أو ما كتب أمل دنقل (المُهمل في لبنان، ربما لأنه رفض الصلح مع إسرائيل) في كلمات سبارتكوس الأخيرة. ثم ليس تناولها لـليليت من الجدّة كما يفترضون (أو يفترضن) في لبنان. فالموضوع شغل قصيدة للشاعرة الكندية جوي كوغاوا قبل عقد من اكتشاف حداد.


لم ألتق بجومانة حداد قطُّ. بعثت لها برسالة إلكترونية أثناء العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان (عندما كان سعد الحريري يطلب وساطة من رئيس قبرص برفقة باسم السبع، الذي مشى في 2003 شابكاً يده بيد رستم غزالة في مسيرة تأييد ومبايعة لبشار الأسد)، سائلاً عن سبب تجاهل صفحات القسم الثقافي في النهار لأتون النار المستعر. أجابتني جومانة حداد. شرحت أنّها... ليست قومية عربية.


* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: www.angryarab.blogspot.com )



عدد السبت ١٩ كانون الثاني ٢٠٠٨

******************************************************************

 

الافتتان العربي بالاستشراق الإسرائيلي

أسعد أبو خليل *

ما هذا الافتتان العربي بالاستشراق الإسرائيلي؟ ولماذا هذا الإفراط في متابعة كل ما يصدر عن الصحافة الإسرائيلية حتى وإن كان تثاؤباً؟ ولماذا هذا الإجلال لكل ما يبدرُ عبريّاً؟ لا يكتمل التحليل في عالمنا العربي ولا يستقيم التنظير ما لم يقترن باستشهاد ـــــ لا فائدة منه غالباً ـــــ لمعلّق أو أكاديمي إسرائيلي، وإن أتى خارج السياق تماماً. ذهبنا بعيداً في دراسة العدو حتى بتنا نصدّق عن غير وعي ما يقوله العدو عن نفسه. هل الحكمة كامنة بالعبرية مطلقاً؟

مرحلتان: ما بعد النكبة وما بعد النكسة

في تعاطي الثقافة العربية مع إسرائيل، مررنا بمرحلتين في تاريخنا المعاصر: المرحلة الأولى التي تلت النكبة ـــــ يجرح هذا الكلام شعور الليبراليين العرب لأنهم يريدوننا أن نزعم كاذبين أن احتلال فلسطين بدأ في 1967 لا في 1948 مخافة أن نستفز المجتمع الدولي، أو أن نجرح شعور آموس عوز ـــــ شهدت هذه المرحلة نزقاً إيديولوجياً رفض أي دراسة جادة لإسرائيل وللصهيونية، لأن العكس، بمفهوم الأنظمة، كان يعني تطبيعاً أو قبولاً بالكيان الصهيوني ـــــ تتسابق الأنظمة الآن للتطبيع ـــــ. ولسنوات، لم تكن هناك دراسات جادة لطبيعة المجتمع الإسرائيلي أو حتى لجيش العدو. كنا منهمكين في ترديد ذلك البيت للأخطل الصغير: ضجت الصحراء تشكو عريها، فكسوناها زئيراً ودخاناً. ربما، كان هذا مرده إلى إفراط في التفاؤل، أو في النرجسية القومية، أو في احتقار العدو إلى درجة الاستهانة والاستخفاف. لم يكن هناك توقع لاستمرارية الكيان. ولم يكن هذا التوجه بريئاً من جانب الأنظمة الرجعية، وتلك التي ادّعت وتدّعي التقدمية.


كانت الأنظمة تريد تشجيع اتكالية قدريّة للتبرّؤ من المسؤولية، وهذا يفسر هول الفاجعة في حرب 1967. فالناس، نتيجة تعبئة إعلامية، لم تفاجأ بالهزيمة فقط، بل إنها كانت تتوقع نصراً حاسماً بناءً على ادّعاءات أنظمة ما أجادت عملاً كما أجادت منطق المزايدة: البعث ضد عبد الناصر، عبد الناصر ضد البعث، النظام الهاشمي ضد عبد الناصر، إلخ. هذه المزايدات حكمت أداء الأنظمة قبل وبعد الهزيمة، مما أعطى أفضلية دعائية وعسكرية للعدو. وكانت الاتكالية القدريّة جزءاً لا يتجزأ من سياسة الأنظمة العربية، واتّبع فكر الجبرية الخالصة (المتمثلة في منهج الجهم بن صفوان) كل من عبد الناصر بعد هزيمة نظامه الشنيعة في 1967، وصدام حسين بعد حرب 1991. لجآ إلى فكر الجهم ليسعفهما في تسويغ هزائمهما.


ولا يمكن دراسة هذا الافتتان، إن لم نقل الهوس، بالاستشراق الإسرائيلي في فراغ أو من عدم. فهو نتيجة حتمية لتعظيم المعرفة والقدرات الاستخبارية الإسرائيلية من جانب إسرائيل نفسها ومن جانب الأنظمة العربية أيضاً (لغايات مختلفة). فإسرائيل تعمد منذ الستينيات، على الأقل، إلى المبالغة في قدرات استخباراتها، وذلك كجزء من حربها النفسيّة على العرب، بالرغم من فشل وتعثرات الموساد وأخطائه عبر السنوات (من قضية لافون إلى فضيحة إيلي كوهين، ويمكن مراجعة كتاب رئيس الموساد السابق، أفرام هلفي، والذي صدر أخيراً لتبيّن قلة أو محدودية معرفتهم بالعالم العربي).


وكان مدير الاستخبارات الأميركية في عهد جيمي كارتر، ستانسفلد ترنر، يقول إن الاستخبارات الإسرائيلية ممتازة في الدعاية والترويج والعلاقات العامة، ولكنها عادية جداً في قدراتها الاستخبارية والتجسسية. لنتذكر فقط اختطاف المواطن العادي حسن نصر الله من بعلبك أثناء عدوان إسرائيل على لبنان في حرب تموز. أليس هذا بليغاً في حد ذاته؟ لكن استخبارات إسرائيل أرادت أن تثبت للعرب عبثية نضالهم ومقاومتهم، كما أنها أرادت أن توهمهم بأنها تعلم ما يدور في خلدهم وفي مخادعهم، وأن خططهم تصلها أولاً بأول وذلك للتهبيط من عزائمهم.


لكن مفاجأة حرب 1973، بالإضافة إلى اختراقات المقاومة اللبنانية والفلسطينية عبر السنوات، أثبتت بما لا يقبل الشك أن استخبارات إسرائيل ليست على هذه الدرجة العالية من التفوق ـــــ استطاع مرافق واحد لخالد مشعل في عمان أن يحبط محاولة اغتيال كان من المفترض أن تكون باهرة، مثل اختطاف المواطن حسن نصر الله في بعلبك ـــــ. كما أن أبو إياد، الذي أسس لأفعل جهاز استخبارات مضاد في العالم العربي، حقق نجاحات غير معلومة من الرأي العام العربي. الحرب النفسية الإسرائيلية أرادت أن

 يشعر العربي (والعربية) بأنه عاجز وأن إسرائيل وجيشها قادران على كل اختراق، وعلى اجتراح المعجزات.
وفي الفترة التي تلت النكبة، أهملت مختلف القوى السياسية دراسة إسرائيل والصهيونية. القوى الإسلامية انتظرت على عادتها نصراً مبيناً يأتيها من السماء عبر حجارة من سجّيل، كما أنها اعتمدت خطاباً يرى أصل الشر كامناً في طبيعة اليهودي كيهودي. ولم تتورع تلك القوى، ولا تتورع اليوم، عن الاستعانة بالتراث المعادي للسامية (وهو تراث غربي طبعاً وُلد وترعرع في رحم الكنيسة) للتعبير عن العداء لإسرائيل. أما القوى القومية، فكانت متيقّنة من النصر (القومي) إلى درجة لم تُعر فيها دراسة الصهيونية أهميّة تذكر.


كان يكفي الحديث عن ضعف في الاقتصاد الإسرائيلي وعن تراجع في الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد لتأكيد حتمية زوال الكيان، والأمة مكتفة الأيدي. البعث مثلاً كان منشغلاً في تاريخه الدموي الطويل أو في الكتابة الشاعرية لميشال عفلق (القومية محبة على ما قال لنا ـــــ يُراجع كتاب جوزف إلياس، عفلق الأديب ـــــ لو أن الرجل اكتفى بالأدب لاستطاع الشعبان السوري والعراقي تجنّب الاكتواء بنار التعذيب والقمع الطويل)، أو في صراعات شللية وعصبوية لا تنتهي (والبعث برع في التشرذم أكثر بكثير من براعته في الوحدة).


النظام الناصري كان هو الآخر بعيداً عن دراسة إسرائيل: ألم يقل عبد الناصر بعد هزيمة 1967 إن إسرئيل فاجأته في خطتها العسكرية، مع أن الصحافة الإسرائيلية كانت تزخر بالتحليلات في هذا الخصوص؟ وقد نشر شقيق عبد الناصر، شوقي، كتاباً عن بروتوكولات حكماء صهيون (تلك الوثيقة المزوّرة التي لا تزال تجد من يروّجها في عالمنا العربي، وكم يسعد الصهاينة في الغرب في الإشارة إلى هذا لتأليب الرأي العام الغربي ضد مناصرة قضية فلسطين). أما اليسار، فبعد أن ارتكب خطيئة قبول التقسيم التي لا تُغتفر (يُضاف تعاون الحزب الشيوعي العراقي مع الاحتلال الأميركي للعراق إلى سلسلة طويلة من خطايا البكداشية العربية)، فإنه اكتفى بتلقّي الأوامر من الاتحاد السوفياتي إلى أن أعاد اليسار اللبناني والفلسطيني النظر في مواقفهما في السبعينيات بصورة خاصة، وإن كان البعض في التجربتين عوّل كثيراً جداً على نصر من موسكو حتى حقبة أندروبوف التي أنجبت اتكالية قدرية بنسق شيوعي (كان ذلك قبل أن يكتشف كريم مروة حب الحياة الجمّ).


كل هذا تغيّر بعد هزيمة 1967. تكاثرت الأصوات من أجل دراسة علمية للعدو. أصبح شعار اعرف عدوك شائعاً، وكانت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز الأبحاث الفلسطيني (الذي تعرض لسطو مسلّح من جيش الغزو الإسرائيلي في عام 1982، عندما كانت صولانج الجميل مشغولة بإعداد الأطعمة اللبنانية لأرييل شارون ـــــ لم يجد حزب الله غضاضة في الانضمام إلى نفس اللائحة الانتخابية معها في بيروت من باب إسعاد عائلة من يحسب أن ماله أخلده ـــــ) سباقتين في إعداد وإنتاج دراسات أكاديمية جدية ورصينة (وعلمت إسرائيل بخطورة ما يجري، فاعتمدت إرهابها المعهود بإرسال متفجرات إلى الدارسين والأكاديميين ـــــ تُراجع مذكرات أنيس صايغ القيّمة وفيها تقويم للشخصية المُضرة لياسر عرفات الذي أراده المال النفطي قائداً للثورة الفلسطينية إلى أن ارتأت الإدراة الأميركية عكس ذلك ـــــ). لكن كعادتنا، تطرّفنا. ذهبنا من نقيض إلى عكسه: من إهمال دراسة إسرائيل، إلى الإفراط في دراسة إسرائيل، وفي متابعة كل ما يُقال.


وخصصت الصحف العربية أقساماً بحالها للترجمة من الصحافة العبرية، بعضها يفرد صفحات يومية. ولا تكتمل الصحيفة العربية اليوم من دون قسم خاص بالصحافة العبرية. ولا تكتمل التحليلات والتنظيرات السياسية والاستراتيجية من دون الاستشهاد بزئيف شيف، قبل وفاته وبعدها، مع أن الفائدة من تلك الاستشهادات قليلة، أو ضارة غالباً. وهي تنبع أحياناً من عقدة النقص تجاه الرجل الأبيض ـــــ وفي العالم العربي مثل الغرب يُتعامل مع إسرائيل على أنها مجتمع غربي أبيض، مع أن أكثرية السكان هم من المزراحيم (يُراجع كتاب توم سيغيف 1949 عن العنصرية القاسية التي طالت المهاجرين اليهود من الدول العربية في بداية التأسيس، ولم تنتهِ هذه العنصرية كما يتبين من معاناة الفلاشا ـــــ ماذا حدث لشعار المحاسبة السوداني؟ ـــــ بالإشارة إلى ضلوع نظام جعفر النميري الذي أصيب هو الآخر بنوبة إيمان وورع مترافقة مع نوبة انصياع للمشيئة الأميركية ـــــ الفلاشا لن تتلاشى؟)، فيكفي أن يقولها الرجل الأبيض لتصبح حقيقة. وهكذا، تصبح عبارات اعتيادية وأفكاراً مسطحة درراً تستحق أن تُبرز في وسائل الإعلام العربية. وهذه العقدة تجعل من الإسرائيليين أكثر خبرة بالعرب من العرب أنفسهم، وهذا هو صلب الفكر الاستعماري الذي يُتشرّب من جانب الشعوب التي خضعت للاستعمار.

سجلّ غير حافل

وخبراء إسرائيل في شؤون الشرق الأوسط، أو المستشرقون، يكوّنون فريقاً لم يترك بعيد أثر في الفكر الأكاديمي الاستشراقي. وبالرغم من كل مساوئ الاستشراق، (وللاستشراق تجليات عربية واسعة التأثير، وكان رائداً فيها لويس شيخو وفريق مجلة المشرق، لكن لبنان يبقى بلد تعظيم الاستشراق والاستعمار. وكان تكريم بلدية غزير لأرنست رينان (جعله يساري سابق خليفة لفولتير أو سابقاً لفانون) إلا مثالاً ساطعاً)، فإنّ للمستشرقين أيادي بيضاء في عدد من المجالات: من ونسنك وفهرسته لألفاظ الحديث، إلى آن ماري شيمل في دراستها للصوفية، إلى ماسينيون وقضائه عمراً من البحث عن الحلاج، إلى كارل بروكلمان في تاريخه للأدب العربي (بالإضافة إلى اتّباعه للتأريخ المادي للشعوب الإسلامية)، إلى رودنسون في سيرة محمد، ووات في تاريخ بدايات الإسلام، وتنقيب جوزف شاخت في القانون الإسلامي، أو شارل بلات في دراسته للجاحظ، أو بلاشير للمتنبي، وعلماء الآثار الذين دمّروا طبقات الحقبة العربية الإسلامية، بالإضافة إلى التنقيب عن المخطوطات وتحريرها ونشرها.


طبعاً، من الضروري أن نقرأ النتاج الاستشراقي بعين نقديّة ثاقبة وصارمة، وأن نستفيد منه، لا لتحديد الهوى السياسي (والاستعماري في أحيان كثيرة) للمناهج المتبعة فقط، بل لتبيان ما شاب الدراسات من أخطاء فاضحة أحياناً كثيرة (يُراجع مثلاً الدراسة النقدية لعبد اللطيف طيباوي في ترجمة فرانز روزنتال لمقدمة ابن خلدون). أما الاستشراق الإسرائيلي فضعيف في تأثيره وفي إنتاجه، وهو لم يسهم بما يُعتبر. والاستشراق الإسرائيلي كان لصيقاً بدولة الاحتلال منذ إنشائها، كما أن إعانة الجهاز العسكري والاستخباري للدولة منع التخصص الأكاديمي (مثل ما هو متّبع مثلاً في الجامعات الألمانية). فترى مثلاً مناحيم ملسون، المتخصّص في اللغة العربية، يصبح مستشاراً لجيش الاحتلال في الضفة ـــــ ليسدي النصح في كيفية تطويع وتعذيب الشعب الفلسطيني، قبل أن يصبح مستشاراً في الشؤون المصرية ـــــ لأنه قرأ محفوظ ـــــ قبل أن يدير مركز الدعاية الخبيث المعروف بـممري في واشنطن، والذي يختار ويشوّه ما يشاء من صحافة العرب والمسلمين ـــــ. وتخصص موشي ماعوز في سوريا في العهد العثماني في سنوات دراسته، لكن حاجة الدولة دفعته ليصبح خبيراً في حافظ الأسد (وفي كتابه عنه يذكر أن تقي الدين الصلح كان رئيساً للجمهورية اللبنانية). والاستشراق الإسرائيلي، الذي يتمتع بموارد ومصادر لا يحلم بها الأكاديميون (والأكاديميات) العرب، باهر من بعيد، إلى أن تغوص فيه لتكتشف هناته وعثراته ـــــ لا يزال معظم المستشرقين الإسرائيليين يعتمدون على مجلة الحوادث في حواشيهم البيبلوغرافية، لظنّهم أنها ما زالت على ما كانت عليه من تأثير في أوائل السبعينيات. والمستشرق إتامار رابينوفيتش، الذي كان قريباً جداً من إسحاق رابين، خلط بين المنظمات الفلسطينية المختلفة في حديث له في الثمانينيات في واشنطن. ولما تنطح طالب عربي بين الحضور للفت نظر الجمهور إلى أخطاء الخبير الواضحة، شعر رابينوفيتش بالمهانة وزمجر. إذ كيف يجرؤ عربي على التصحيح له أمام الملأ؟ كان عليه ان يُذكّر أنه ليس في الضفة الغربية. آن الأوان للجمهور العربي لأن يتخلى عن إجلاله غير المباشر للمعرفة الإسرائيلية. فأكاديميّو إسرائيل، مثلهم مثل غيرهم (على ما قال ابن قتيبة في كتاب العرب فمنهم الأبيض والأسود والأسمر والأحمر والأقشر... ومنهم من يميل إلى العلم ومن يميل إلى المال ومن يميل إلى اللهو...) أي إنهم مثل غيرهم، لا ينتمون إلى عنصر متفوّق جينياً.


وهناك ناحية أخلاقية تتعلّق بالمسلك الـ(لا)مهني للأكاديميين الإسرائيليين، إذ إن الكثير منهم لا يجد غضاضة في التعاون مع أجهزة القمع الإسرائيلية، حتى في ما يتعلق بالتعذيب. وكتاب يهود يآري وزئيف شيف (والأخير عزيز على قلب مهنة التعليق الصحافي في العالم العربي، مع أنه ظهر في عدوان إسرائيل على حقيقته، لا كمحلل هادئ أو كمؤلف لنصوص الحكم على ما تريدنا صفحات الترجمة عن العبرية في الصحافة العربية أن نصدق، بل كمحرّض ودعائي يدعو حكومته إلى المزيد من التدمير والقتل)، مستقى من اعترافات ناشطين فلسطينيين تحت التعذيب. كما أن مستشرقي الكيان جزء لا يتجزّأ من آلية القمع الاحتلالي. لكن العالم العربي، الذي أصدر في عام 2005 فقط أول ترجمة مهنية لكتاب هيغل فينومولوجيا الروح، الذي يُترجم بانتقاء غير مفيد أحياناً، يُسارع إلى ترجمة كل ما يصدر في إسرائيل، وخصوصاً إذا ما كان صادراً عن معلّقين في الصحافة. فلنخفف من غلواء حرصنا على ترصد كل كلمة تصدر عن إسرائيل، ولنقلل من ترجمة كل كلمة عبرية، ولنحرّر الصحافة العربية ـــــ بعد أن حرر السنيورة شبعا والرغيف واللواء السليب ـــــ من الهوس بكل همسة أو صيحة عبرية. ويمكن للصفحات المُحرّرة أن تمتلئ مثلاً بما هو مفيد، مثل خواطر مصطفى علوش، أو ذكريات فارس خشان عن رستم غزالة، أو أفكار محمد علي الجوزو في التقريب بين المذاهب والأديان.


* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
www.angryarab.blogspot.com

**********************************************************************************

استحالة الديموقراطيّة

أسعد أبو خليل *

هي إكسير الحياة في القرن الواحد والعشرين. عليك أن تعتنقها وإلا بدوتَ أسير عصر البداوة. هي الحل، ولا حلّ إلاها. تتكاثر الأصوات وتتعاظم من كلّ حدب وصوب تلهج بحمدها. الديموقراطية أصبحت أكثر من طوطم للإنسانية المزعومة. إنها مهنة. فهذا يعرّف عن نفسه بأنه ناشط ديموقراطي، وتلك تبشّر بالديموقراطية على طريقة الوعّاظ المملّين. حتّى الفاشيّين والأصوليّين المتزمّتين يحدّثونك عن منافع الديموقراطيّة، وهي مثل التفاحة كل يوم، ولا طبيب. حتى عائلة من يحسب أن ماله أخلده تتحدّث عن الديموقراطية، في الوقت الذي تُسيّر أمورها من قبل آل سعود. وأيضاً آل سعود مع الديموقراطية: فكتّابهم وأبواقهم ينتقدون غيابها... فقط في سوريا وإيران، على افتراض أنّ الديموقراطيّة بنسقها الشخبوطي عمّت مختلف البلدان العربية قاطبة. وسمير عطا الله يمدح الديموقراطية، وإن لم يجد غضاضة في كتابة مديح مقزّز لمدير الاستخبارات السعودي الأمير مقرن الذي تلقّى التهاني بالأعياد من رئيسيْ مجلسيْ النواب والوزراء في لبنان. ومن علائم العصر ما بعد الحديث، في شقه السياسي السوقي، الحديث والدعوة والتبشير بالديموقراطية.
والديموقراطية اليوم هي مثل الدين: لا تقبل مساءلة أو مجادلة. عليك أن تقبلها بلا كيف، على طريقة ما أجاب القديس أغسطينوس عندما سأله سائل عن الحكمة الإلهية في موت طفل صغير. هي حكمة إلهية، أو بوشيّة.

في معنى الديموقراطية

والديموقراطية تعني أكثر من شيء. فالمعنى اللغوي من اليونانية معروف، وهو لا يعني شيئاً على الإطلاق. فمقولة حكم الشعب تفي بالغرض الأيديولوجي. أي أنها تعرّف الديموقراطية بما تريد هي أن تُعرّف. ومقولة حكم الشعب هي اليوم تُعتبر فضيلة في المزاج العام، باستثناء العقيدة الوهابية أو البعثية أو البوشية في نسقها الشرق أوسطي. وكانت الديموقراطية منبوذة عند فلاسفة الإغريق لأن حكم الشعب يتضمن فكرة مناقضة للنخبوية الموجودة في فكر أفلاطون أو أرسطو (لا ندري ماهيّة الديموقراطية في الفكر المتقدّم لمنظّري ثورة الأرز نادر الحريري وميشال معوض). ولم ينحُ مؤسّسو الجمهورية في أميركا نحو الديموقراطية بالرغم من كل الثناء الذاتي الذي لا يشبع منه نخبة وأهل هذه البلاد، على ما روى ألكسيس دو توكفيل في كتابه الديموقراطية في أميركا. وما فكرة انتخاب الرئيس عبر ما يُسمى الكلية الانتخابية ـــــ التي تنيط بنخبة منتخبة (ومعينة إلى حين في التاريخ) أهلية انتقاء الرئيس إلا تعبير عن رفض النخبة المؤسسة (كان جورج واشنطن أكبر مالك أراضٍ في البلاد عند وفاته) ترك أمر الانتخاب في يد عامة الشعب. إنهم الغوغاء، كما كان يصفهم صدّام حسين (توقفت الإشارات السلبية عن صدام في الإعلام السعودي. خطة التحريض المذهبي اقتضت ذلك). صحيح أن أبراهام لنكولن تكلم عن الحكم من الشعب وإلى الشعب... إلخ، لكن هذا يذكر بخطب أهل السياسة والطائفية في بلادنا. وعود ومزاعم فارغة.
والديموقراطية هي أبسط وأقل بكثير مما يُعزى لها. والمبالغة في الترويج لفكرة غير دقيقة عن الديموقراطية يعود إلى الجدال البياني بين الجبارين خلال الحرب الباردة. فكانت الولايات المتحدة مصرّة ـــــ ولا تزال ـــــ على مقارنة الفكرة النظرية للديموقراطية مقابل الممارسة الستالينية أو الخمير حمرية للشيوعية. والنظرية تتفوق على الممارسة، حتى أن الفكر البعثي لا ينبئ في أدبيّاته الأولى مثلاً عن أساليب التعذيب التي ابتُكرت لاحقاً في سوريا والعراق (يبدو أن عراق الاحتلال الأميركي ـــــ الذي يحظى بمباركة الفقيه الأعلى الإيراني بالاضافة إلى مباركة جامعة الدول العربية ـــــ ابتدع ويبتدع أساليب جديدة للتعذيب يؤدي فيها الثاقب دوراً أساسياً تجيده ميليشيا بدر التي، بالإضافة إلى جرائم كثيرة، ارتكبت جريمة تهجير الشعب الفلسطيني من العراق، كما فعل آل الصباح بعد عودتهم إلى الحكم على أثر هزيمة صدام في حرب العراق الأولى)، وذلك بالرغم من محاولة كنعان مكية الضعيفة في كتابه جمهورية الخوف لشرح طبيعة وحشية نظام صدام عبر التركيز على جملة وردت في مقالة ما لميشال عفلق. والولايات المتحدة لم تجد حرجاً في إغداق الثناء على ديموقراطيتها قبل حركة الحريات المدنية للسود وللنساء ـــــ أي قبل عقود من إعطاء حقوق نحو نصف السكان، إن لم يكن أكثر. لكن ما هي الديموقراطية، وما هي شروط توفّرها؟
ليست الديموقراطية علاجاً سحرياً، وليست أمّ المفاتيح (على ما قال كارل ماركس عن كتاباته نفسها في واحدة من رسائله ـــــ وعلى سيرة كارل ماركس، فقد سوّغ يساري سابق مواقفه المستجدّة الداعمة للحكم الأبدي لآل الجميل عبر الاستعانة بخلافات ماركس مع الأمميّة في أيّامه، وهو أكد أنّ ماركس لو عاد حيّاً، لانخرط في فريق سعد الحريري في لبنان). فالديموقراطية هي وسيلة لاختيار الممثّلين عن الشعب، وهي أدنى درجة، في المشاركة وفي التمثيل، من الديموقراطية المباشرة عند الإغريق القدماء، وإن وجب التحذير من الانجرار وراء تعظيم التجربة الإغريقية على ما فعل جورج واشنطن، إذ إنهم استثنوا من ديموقراطيتهم النساء والعبيد (والعبد عند الإغريق، كما كان عند العرب، لم يكن على أساس عرقي كما كان في الولايات المتحدة) والمقيمين من غير حاملي الجنسية ـــــ لو علم ميشال المرّ بأمرهم لجنّسهم في دائرة المتن الانتخابية.
وكان هناك محتوى اجتماعي ـــــ اقتصادي لمفهوم الديموقراطية، أقله عند خطيب الإغريق المفوّه بريكليس، على ما جاء في تأريخ ثيوثديس العظيم للحرب بين أثينا وإسبارطة. فبريكليس حدّد ديموقراطية الإغريق بأنها مبنية على كون الغني لا يتمتع بأفضلية في النظام السياسي، كما أن الفقير لا يعاني من معوقات لفقره. وهذا التعريف يناقض ما هو معمول به في هذه البلاد وفي لبنان طبعاً، وإن كان فؤاد السنيورة في تحريره للرغيف من الاحتلال والدعم قد تحوّل إلى أبي الفقير الفعلي، وخصوصاً إذا كان الفقير من أنصار مذهبية الزرقاوي الحادة.
ومن قال إن اختيار ممثلي الشعب (أو ممثلات، حتى لا ننسى غنوة جلول التي أتت، مثلها مثل اليساري السابق الياس عطا الله ـــــ الذي يتعرّض لمؤامرة خبيثة للغاية من منتقديه كما أعلمنا في مقالة عن اليسار الفعلي في جريدة المستقبل، وهي جريدة لليسار الحقيقي بنظره ـــــ بإرادة شعبية عارمة) يحل المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ وتجربة الديموقراطية في الدول الإسكندنافية (وهي متقدمة عن غيرها من التجارب) فيها من العبر ما فيها. فالنظام الانتخابي مثلاً تطوّر بصورة مطّردة من أجل توسيع المشاركة الشعبية، ومن أجل زيادة تمثيل المرأة والأقليات في البلاد، على عكس التجربة العنيدة للولايات المتحدة التي تتعامل مع الدستور الأميركي بنفس طريقة التعاطي الجامد للإخوان المسلمين مع الشريعة. والنظام الانتخابي الذي يجنح نحو النسبية (توصلت تلك الديموقراطيات إلى تطوير الأنظمة الانتخابية لأن النظام الانتخابي عندهم لا يخضع لا لأهواء البطريرك الماروني ولا لمسؤول المخابرات السوري في لبنان) نجح في زيادة حصة النساء في التمثيل، كما أنه وسع دائرة التمثيل الانتخابي لكسر احتكار الحزب أو الحزبين كما هو الأمر في هذه البلاد.

هي الحلّ؟

ولماذا هذا الحمد بالديموقراطية؟ وهل هي ستقدّم أم ستؤخّر؟ ولماذا تظهر استطلاعات الرأي في أميركا اللاتينية، كما أشارت مجلة الإيكونومست أخيراً، تدنياً ملحوظاً في نسبة تأييد الديموقراطية بين الناس؟ وهناك أكثرية من الشعب في أوكرانيا تعتبر فترة حكم بريجنيف (غير الديموقراطية) فترة ذهبية ـــــ فالمقياس هو المصلحة الاقتصادية، كما تبشر نظرية الاختيار العقلاني السائدة في كليات علم السياسة والاقتصاد في البلاد.
وإذا كان الإسلام ليس حلاً، والكل يريد حلاً، فالديموقراطية ليست حلاً هي الأخرى، وخصوصاً أن الديموقراطية ميّالة ـــــ من دون ضوابط ـــــ إلى تمثيل الطبقات العليا في المجتمع. ولبنان هو مثال ليس فقط لاستحالة الديموقراطية، وإنما لعدم محموديّتها. فما معنى الديموقراطية بعد انتخابات الشمال في لبنان مثلاً؟ ما هي الضوابط على حركة رأس المال السياسي في اللعبة الديموقراطية، إذا كان هناك من ضوابط في بلد تتحكم به عائلة من يحسبُ أنّ ماله أخلده. وقد تحوّلت الديموقراطية الأميركية (وهي مختلفة عن تجربة الأنظمة الأوروبية المتأثرة بالفكر الاشتراكي) إلى حكم النخبة الطبقية، وخصوصاً أن الضوابط على الإنفاق الانتخابي لا تزال ضعيفة جداً، بالرغم من محاولات متعثرة من قبل المحكمة العليا التي أفتت أن حرية صرف الأموال في العملية السياسية مصونة مثل حرية التعبير، وإن كانت قد أضافت في فتواها في هذا الخصوص أنه يمكن أن تخضع لضوابط للحدّ من الإنفاق الانتخابي في حالات محددة. فالثقافة السياسية في الولايات المتحدة مهتمة بتساوي الفرص (التساوي النظري الورقي)، في الوقت الذي تحرص فيه ديموقراطيات أوروبا الغربية على تساوي نتاج التصارع الاجتماعي والاقتصادي، وهذا يفسر اتساع نطاق خدمات الدولة في أوروبا مقارنة بأميركا. (ويمكن للخدمات المذكورة أن تتقلص إذا ما تبوّأ مروان حمادة مناصب وزارية في تلك الدول الغربية). ويمكن للديموقراطية أن تحل المشكلات الاقتصادية لو تزاوجت الديموقراطية مع هدف العدل الاجتماعي، أو ما يسمى الديموقراطية الجذرية. والتركيز على تساوي الفرص، لا على تساوي النتائج، وصفة ناجعة لترسيخ حدة في مستوى التفاوت الطبقي. (التفاوت الطبقي في أميركا من أسوأ النسب، مثله مثل النسبة في العالم العربي. فليفخر بذلك أنصار المبادرة الفردية في القيادة الكتائبية).

في الدول النامية

لكن الديموقراطية العادية أو الجذرية مستحيلة في الدول النامية. ولا يعود ذلك لطبيعة ثقافية محدّدة تمنع إقامتها، كما يروّج المستشرقون المتجدّدون (عجباً كيف قرّر يساري سابق في جريدة القدس العربي أنّ برنارد لويس هو آخر المستشرقين، مع أنّ الاستشراق أُصيب بانتعاش شديد بعد 11 أيلول). لكنّ موانع الديموقراطية في البلدان النامية هي خارجية. كيف يمكن مثلاً أن تختطّ الديموقراطية صراطاً مستقلّاً في عصر تسيطر فيه الولايات المتحدة على مقدّرات العالم والمؤسّسات الدولية. فالأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات النقدية والمصرفية العالمية تخضع بصورة غير مسبوقة إلى سيطرة الولايات المتحدة الكاملة. فالشعوب في تلك الدول لا يحق لها أن تقرّر مصائرها بأنفسها، ولا تستطيع أن تختار ممثّليها بحريّة. فالفاقة والعوز يُستغلّان، ليس فقط من قبل أثرياء الداخل (المرتبطين دوماً بمصالح الولايات المتحدة) ـــــ ولم يخطئ عدنان عضوم ذو السجل غير الناصع عندما اعتبر رشى صناديق الزيت والسمن الحريرية مخالفة فاضحة لحرية التنافس الانتخابي في لبنان)، وإنّما من قبل الولايات المتحدة أيضاً في كل موسم انتخابي، من أوكرانيا إلى فنزويلا إلى الضنية. فالولايات المتحدة تهدّد الشعوب صراحة بمزيد من العوز إذا ما اختارت ممثّلين غير مرضيّ عنهم، وهي تسخّر لهذه الغاية برامج مساعداتها المسيّسة دوماً، بالإضافة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وعندما أثّرت صورة بوريس يلتسين المترنّح على حظوظ فوزه في انتخابات التسعينات في روسيا، سارع صندوق النقد، بإيعاز من إدارة كلينتون، إلى إعلان سريع عن قرض بقيمة عشرة مليارات دولار. وتجربة إفقار غزّة باتت مثالاً فاضحاً للتعاطي الأميركي مع حريّة الاختيار الديموقراطي عندما تتناقض مع مشيئتها العليّة. وللولايات المتّحدة برامج سخيّة للتأثير على الانتخابات ونتائجها في كلّ دول العالم النامية. ومؤسسات دعم الديموقراطية التابعة للحزبيْن الرئيسييْن هنا ما هي إلى وسائل للتأثير على نتائج الانتخابات، وهي تنفق بسخاء في الدول النامية ـــــ حتى لا نتحدث عن الوسائل السرية التي تتبعها الحكومة الأميركية للتأثير على الانتخابات حول العالم. وقد خسر الرئيس الفنزويلي أخيراً نتيجة استفتاء بفارق نحو ستّين ألف صوت، ومن السذاجة تبرئة الولايات المتحدة من تهمة التدخّل السافر في شؤون فنزويلا منذ صعود تشافيز. والانتخابات الأوكرانية أثناء الثورة البرتقالية التي تكسّرت على صخور الصراعات الداخلية والشخصية تأثرت، كما ذكرت مقالات في صحيفة الواشنطن بوست، بمؤسسات دعم الديموقراطية الأميركية. حتى ذلك الحيّز المفترض أن يكون حراً، والذي يمتد بين العائلة والدولة، والمسمّى المجتمع المدني، خاضع نتيجة التمويل الخارجي، إلى التأثير الحكومي الغربي، وهو مجتمع دولي كما يؤكد لنا جهابذة القانون والعلاقات الدولية في لبنان من أمثال فارس خشان ومحمد سلام، بسبب التمويل.
وعليه، فإنّ منظمات المجتمع المدني تحمل شعارات وتردّد خطابات مستوردة من الغرب. لهذا، فإنّ منظمات الدفاع عن حق مثليّي ومثليّات الجنس مثلاً ـــــ ونقول هذا الكلام من دون الانتقاص من حقوقهم ـــــ تتلقى دعماً من مؤسسات ودول غربية، لكن ما هو حظ الدعم لمنظمات ذات اهتمامات لا تتقاطع مع سياسة الولايات المتحدة؟ هل يمكن مثلاً إنشاء منظمة للدفاع عن حقوق معتقلي غوانتانامو في أي بلد عربي؟ هل ستسارع المنظمات السويدية والألمانية المهتمة بشؤون حقوق الإنسان إلى مدّ المنظمة المذكورة بالمال؟ لهذا، فإنّ برامج ومطالبات المنظمات غير الحكومية هي أيضاً خاضعة لأهواء الحكومة الأميركية، وهذا يفسّر سبب انهماك منظمات حقوق الإنسان بقضايا تتماشى مع التغطية الأميركية الرسمية. فخرق حقوق الإنسان في كوبا مثلاً يحوز اهتماماً فائقاً، في الوقت الذي أهملت فيه منظمات حقوق الإنسان قضايا رقيق آسيا المستورد في دول الإنتاج النفطي العربي.

بين الديموقراطية والحرية

ثم من قال إن الديموقراطية هي صنو الحرية؟ ولنتذكر أن هتلر حقّق نجاحات انتخابية قبل أن يلخص الأمة الألمانية بشخصه غير الكريم. وحقوق المرأة والأقليات في دول أوروبا الشرقية، حتى لا نتحدث عن الحقوق الاقتصادية، تدنّت في دول مثل بولندا والمجر لأنّ الديموقراطيّة أهّلت للكنيسة ولرأس المال الرجعي بأن يؤديا دوراً نافذاً لم يكن لها أن تؤديه في مرحلة النظام الشيوعي، وكلاهما من أعداء حرية المرأة. والديموقراطيّة المعوجّة في مرحلة التحالف المخابراتي ـــــ الحريري تميّزت بعدد من الأثرياء الذين لا صفة سياسية لهم غير الثروة. ولا ينطبق هذا الكلام فقط على آل الحريري، بل على عصام فارس ونجيب ميقاتي ومحمد الصفدي وغيرهم (والأخير، على ما يروي مدير حملته الانتخابية الأولى، كان يسأل مساعديه باستمرار عن اتفاق 17 أيار لأنه لم يسمع به من قبل).
والرجعيّات والإكليروس (من كلّ الأديان) تنتعش في ظل الديموقراطية ـــــ هل هناك من ينكر أن الحكم الشيوعي في أفغانستان أحدث إنعاشاً لحريّة المرأة وللعلمانيّة ولمعركة التنوير أكثر من أي نظام آخر في المنطقة، قبله أو بعده؟ والديموقراطية في الخطاب العصري تصبح طقساً انتخابياً لا أكثر. وكانت الفيلسوفة حنة أرندت تقول إن الانتخابات بحد ذاتها ليست جزءاً من السياسة، بل هي عمل. لكن في زمن بوش يصبح الطقس الانتخابي، إذا ما أدّى إلى صعود حلفاء ووكلاء أميركا، سبباً للابتهاج العالمي، ولقرع طبول زفّة الحرية. ألم يزعم وليد جنبلاط بعد انقشاع الرؤية أمام ناظريه أن مشهد التصويت في العراق هو الذي دفعه نحو قطار بوش؟ والتعريف البوشي للديموقراطية والحرية يتغافل عن نظريّة المفكّر البريطاني إزايا برلين في تمييزه بين الحرية السلبية والحرية الإيجابية (والديموقراطية الانتخابية الخالية من مضمون العدل الاجتماعي تقمع الحرية الإيجابية كما يجري باطّراد في هذه البلاد، وفي مملكة الحريري المتشدقة بالديموقراطية وبمحمد علي الجوزو).
طبعاً، هذا لا يعني كلاماً عن دعم أو استمرارية للأنظمة القائمة، المنصاعة للمشيئة الأميركية أو تلك المتدثّرة بشعار الممانعة الفارغ. على العكس، فلا يمكن إلا تسويغ عملية قلب كل الأنظمة القائمة، لكن المعركة الديموقراطية هي المعركة الخاطئة، إذ إن المال والرجعية والطائفية كفيلة بإرجاع عبر النافذة من طُرد من الحكم من الباب العريض. والمعركة ضد الأنظمة القائمة يجب أن تستمر وتتعاظم، إنّما ليس بشعارات الديموقراطية الزائفة وإنما بشعارات اقتصادية واجتماعية وسياسية مستقاة من معارك ضد السلطات المحلية والمركزية على اختلاف أنواعها. وهذا ما عناه الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو عبر تركيزه على دراسة السلطة في انتشارها وفروعها، وليس في تمركزها. أي أن معركة التغيير يجب أن تهدف إلى نقض السلطة القائمة ونقض الديموقراطية التي غالباً ما تهدف إلى تسويغ وشرعنة حكم قوى ونخب أبعد ما تكون عن
الديموقراطية.
وكان رفيق الحريري يستجدي في أول حكمه سلطات استثنائية من حافظ الأسد، لكنه عاد واكتشف فائدة الانتخابات، وخصوصاً بوجود مساعدات مؤسّسة الحريري الموسمية. هذه هي الديموقراطية. وإذا ما أتَتْكم، لن تختلف عن مجالس صحوة الأنبار (وعبد الستار أبو ريشا عرف كيف يتأقلم. فهو سمى ابنه البكر تيمّناً بصدام، ثمّ عاد وغيّر اسمه بعد افتتانه ببوش (وذلك بعد افتتانه لفترة بالقاعدة)، فاتّعظوا. لكن مهما قلنا، فإنّ حكومة السنيورة منتخبة ديموقراطياً، على ما يُقال لنا في واشنطن. فلتحيَ الديموقراطية.


* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com


 

عدد الثلاثاءalakhbar.lb  ١ كانون الثاني ٢٠٠٨