فلسطينيون منسيون في لبنان

د. أسعد عبد الرحمن

19/01/2008

تعرض الشعب الفلسطيني لعملية إبادة متعددة الأشكال فقد فيها مقومات الحياة من أرض وممتلكات، وعاش اللاجئون الفلسطينيون (خاصة في المخيمات) حالة تمزق لم يعشها شعب آخر دون أن يعرفوا ماذا سيحدث لهم أو متي ستنتهي معاناتهم. بل إن العالم طالما اعتبر وجودهم العائق الأكبر أمام أي تسوية محتملة، فظهرت مشاريع توطين بلغ عددها (243) رفضها اللاجئون كلها، معلنين تمسكهم بحقهم في العودة مهما طال الزمن.


حديثا في مخيم نهر البارد ، قتل أكثر من 200 وجرح المئات ونزح 35000 لاجئ خلال معارك الجيش اللبناني و فتح الإسلام التي خلفت دمارا كبيرا في المخيم. ومعروف أن أوضاع المخيمات وأهلها في لبنان هي أكثر بؤسا عن وضع نظرائهم في الأردن أو سوريا وحتي في معظم مخيمات فلسطين وتحيط بها حواجز الجيش اللبناني والدبابات انطلاقا من اللاءات اللبنانية الثلاث: لا لبناء مخيمات جديدة، لا لاعادة بناء المهدمة منها، ولا لتوسيعها. وكل هذا يحدث تحت ذريعة رفض التوطين في استغلال بشع لشعار حاضر في كل المناسبات: لا للتوطين، لا للتهجير، نعم لحق العودة وتقرير المصير ، حيث عاش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ومنعوا من التملك والعمل وإدخال مواد البناء للمخيمات وتأهيل أو ترميم منازلهم المؤقتة. وتعاني جميع المخيمات الاثني عشر الرسمية للاجئين في لبنان من مشاكل خطيرة، ولدي ذلك البلد أعلي نسبة مئوية من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في حالة فقر مدقع والمسجلين لدي وكالة غوث اللاجئين ـ الأنروا. وهؤلاء يشكلون أقدم مجموعات اللاجئين في العالم ويظلون في حالة من النسيان، وليس لديهم أمل في المستقبل المنظور في العودة رغم تمتعهم بحقوقهم الراسخة بموجب القانون الدولي.


ما هو قائم في مخيمات لبنان مختلف عما هو موجود في مخيمات الدول الأخري. فريتشارد كوك (المدير العام للأنروا في لبنان) يقول: وضع اللاجئين هنا في لبنان فقير جدا، بالإضافة إلي الأوضاع الاقتصادية والجسدية السيئة. ولكن إذا ما قارنا الوضع الحالي وما يحدث في الضفة وغزة مع الانتفاضة فإن اللاجئين الفلسطينيين هناك يعيشون أوضاعا فقيرة جدا ولكن اللاجئين هنا في لبنان معاناتهم مستمرة سنة بعد سنة .


وأقل ما يقال عن وضع المخيمات كأماكن للعيش إنه وضع مزر لا يليق بالإنسان حيث مساحة المخيمات ضيقة جدا مقارنة بعدد اللاجئين فيها، وتعاني من غياب الرقابة البيئية والصحية مما أدي لاختلاط مياه الشرب بالمياه الآسنة مع تهديد انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة. وهم يخضعون لقيود مختلفة تجعلهم في حالة وضع مواطنين من الدرجة العاشرة، محرومين من التمتع بأي من حقوق الإنسان رغم أن أغلبيتهم الساحقة وُلدوا في لبنان وترعرعوا فيه. ويقول تقرير لمنظمة العفو الدولية نشر في تشرين الأول ( أكتوبر) 2007: يعيش نحو 53 بالمائة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يقطنون في لبنان في مخيمات متداعية مزقتها الحرب ويلفها الفقر. ولا تقل ظروف من يعيشون في خارج المخيمات في البلدات و التجمعات والقري والمناطق الريفية سوء عن ذلك. وبالنسبة لهؤلاء الفلسطينيين، يتفاقم الألم المرتبط بطردهم وبعقود من العيش في المنفي بفعل التمييز المنهجي الممارس ضدهم في لبنان. ويكادون يشعرون بالاختناق في مجتمعاتهم، ما يدفع الشبان والأصحاء للبحث عن عمل في الخارج ويُكتب علي الباقين صراع يومي من أجل البقاء . ويضيف: وليس أمام معظم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من خيار سوي العيش في مخيمات مكتظة ومتداعية وفي تجمعات غير رسمية تفتقر إلي البنية التحتية الأساسية. وبالكاد تغيرت مساحة الأراضي المخصصة للمخيمات الرسمية للاجئين منذ العام 1948 رغم زيادة عدد السكان اللاجئين المسجلين أربعة أضعاف. وقد منع القانون السكان من إدخال مواد البناء إلي بعض المخيمات، ما حال دون إصلاح المنازل أو توسيعها أو تحسينها. وواجه الذين تحدوا القانون غرامات وعقوبات بالسجن فضلاً عن هدم الإنشاءات الجديدة. وفي المخيمات التي أُضيفت فيها غرف أو طوابق جديدة علي المباني القائمة، باتت الأزقة أكثر ضيقاً وظلمة، ولا تنعم أغلبية المنازل بنور الشمس المباشر، وبرغم الجهود الحثيثة التي بذلها السكان، تصل أحياناً روائح القمامة والمجاري التي تفوح في كافة أرجاء المخيم إلي درجة لا تطاق .


لقد جسدت دراسة أطلقتها المؤسسة الفلسطينية لحقوق الانسان (شاهد)، بالحقائق والارقام، معاناة اللاجئين علي مختلف الصعد حيث تناولت من خلال استطلاع رأي شمل عينة من مئة عائلة، تضم نحو 600 شخص، أي حوالي عشرين في المئة من سكان المخيم. وقد تبين أن حجم العائلة الفلسطينية بدأ يتراجع مع صعوبة الظروف المعيشية وتراجعت نسبة الزواج المبكر. ويعتبر مخيم الجليل نموذجا فعليا للهجرة، فهو يدعي مخيم الدانمرك لأن نسبة 48.5 في المئة من مهاجريه تعيش في الدانمرك. أما عن الوضع الصحي لنصف سكان المخيم فحدث ولا حرج!! وبلغت نسبة البطالة حسب الدراسة 42 في المئة، والذين حالفهم الحظ ووجدوا فرصة عمل فإن نسبة 32.5 في المئة منهم يعمل بشكل يومي أي من دون عقد عمل يحفظ حقوقه، و35 في المئة بشكل دائم، و5,32 في المئة يعمل بشكل موسمي. ومع أن الحد الأدني للاجور هو 300 الف ليرة، يبلغ متوسط دخل الفرد في المخيم خمسين الف ليرة.


إن المادة 6 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص علي أن لكل إنسان أينما وُجد الحق في أن يُعترف بشخصيته القانونية . وهناك آلاف الفلسطينيين في لبنان لا يحوزون أوراقاً ثبوتية تثبت وجود كيانهم ، وهم لا يستطيعون المطالبة بحق مهدور من خلال رفع دعوي أو تقديم شكوي عن تعرضهم لأي اعتداء لأنهم ببساطة غير موجودين . وهؤلاء لا يحصلون علي حقوقهم في التعليم والطب والعمل والضمان الاجتماعي والانتساب إلي النقابات اللبنانية، مما يعني أن الدولة اللبنانية لا تتحمل التبعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للاجئين. وبناء علي ذلك، ليس للوزارات والبلديات اللبنانية أي أثر علي مستوي الشؤون الحياتية اليومية للاجئين اللهم إلا المحاكمات والأحوال المدنية. أما العذر الأقبح من الذنب الذي يفسر هذه المعاملة الجائرة، فهو أن معظم القوانين اللبنانية التي تنظم شؤون اللاجئين الفلسطينيين تنطلق من مبدأ المعاملة بالمثل. وبما أنه لا توجد دولة فلسطينية تعامل اللبنانيين بالمثل ولا بغيره، فإن اللاجئين في لبنان ليس لهم أي حقوق!! وفي هذه الظروف المعتمة، وبخاصة بعد مأساة مخيم نهر البارد، هل ثمة من يبادر إلي إضاءة تلك العتمة؟!

كاتب من فلسطين