أربع نتائج للتسليم بـ دولة اليهود

 د. أنيس فوزي قاسم

18/01/2008

بعد قيام دولة يهودية، وبأغلبية يهودية حاسمة كيف نري، ويري العالم، مثل هذه الدولة في الممارسة العملية؟


لو بدأنا بترتيب عكسي من الشواهد والاثباتات، لبدأنا بكتاب الرئيس جيمي كارتر الذي وصل الي نتيجة لخصها في عنوان كتابه من أن اسرائيل أصبحت دولة ابارتهايد بعد ان اندحر الابارتهايد في جنوب افريقيا. وينعي ابراهام بورغ، رئيس الكنيست السابق، علي اسرائيل كونها مشروعاً فاشلاً وقد تحولت الي مسيرة متواصلة لمشروع هتلر. وهل بقي لدي منظمات حقوق الانسان الاسرائيلية والفلسطينية والدولية من صفات قبيحة الاّ وألصقتها بدولة اليهود؟ وهل يحتفظ الصليب الاحمر الدولي بأي كلمة اطراء لاسرائيل؟ وأوجه الدعوة لكل ذي نيّة حسنة ان يدلني علي مبدأ من مبادئ القانون الدولي الانساني و/أو مبادئ حقوق الانسان لم تقم اسرائيل بخرقه عدة مرات، بل امتهنته امتهاناً شديداً ومقصوداً. وقالت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 2004 ان اسرائيل أخلّت بالتزاماتها الدولية وذلك باقامة المستوطنات وبناء جدار الفصل العنصري في الاراضي المحتلة وحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره. وقبل أيام شاهدنا علي شاشات التلفزة الاسيرة الفلسطينية التي أُفرج عنها مؤخراً هي وطفلها الذي ولد في السجن، وروت لنا كيف وضعت طفلها وهي مكبلة اليدين والرجلين. هذه هي دولة اليهود، دولة في غاية التوحش وانعدام الحس الانساني!

ولو انتقلنا الي ممارسات دولة اليهود مع مواطنيها من الفلسطينيين لظهر أقبح شكل من اشكال التمييز العنصري يشهده التاريخ الحديث. ذلك انه في جنوب افريقيا كان الابارتهايد وسيلة لاستثناء السود من مناطق البيض وحشرهم في بانتوستانات خاصة بهم. أما في دولة اليهود، ليس المطلوب استثناء غير اليهود، بل اقتلاعهم وترحيلهم لافساح المجال لليهود القادمين (او العائدين بالتعبير الصهيوني)، اذ بدون الاقتلاع والترحيل لن تتحقق دولة اليهود.

وكمثال آخر علي ان التمييز العنصري الذي يُمارس ضد غير اليهود في دولة اليهود سابقة فريدة في تاريخ المجتمعات المصابة بعاهة التمييز العنصري، هو أن الفلسطيني الذي يتمتع بالجنسية الاسرائيلية له حق ان ينتخب ويُنتخب في الانتخابات التشريعية او البلدية، وله حق التقدم الي الوظائف العامة في الدولة، ولكن هذا المواطن نفسه يصبح في القانون الاسرائيلي غائباً ، اي غير موجود في اسرائيل، اذا طالب باسترداد ارضه التي صُودرت منه. فهو موجود لممارسة حق سياسي ولكنه غائب اذا طالب بحقه في ارضه. ففي أي فقه او تشريع يمكن للانسان ان يتصور مثل هذه المعادلة البهلوانية؟

قال حاييم وايزمن في مذكراته، ان العالم سوف يحكم علينا من معاملتنا للفلسطينيين. وورد في وثيقة استقلال اسرائيل انها تلتزم بالمحافظة علي المساواة بين مواطنيها بغض النظر عن الدين والعرق والجنس ولكن، وعلي ضوء معاملة اسرائيل لمواطنيها من غير اليهود، اصدر العالم، ممثلاّ بالجمعية العمومية للأمم المتحدة، قراراً شهيراً بتاريخ 1975/11/10 أعلن فيه ان الصهيونية شكل من اشكال التمييز العنصري. وقد ورد في محاضر تلك الجلسات دراسات ومناقشات في غاية الاهمية مؤداها ان الصهيونية ليست عنصرية بالصدفة او بسبب ظروف تاريخية رافقت نشوءها، بل ان العنصرية أصيلة في فلسفتها وتكوينها، وثبت ذلك بالتجربة العملية .
ففي دستور الصندوق القومي اليهودي الذي انشئ في مطلع القرن الماضي، وما زال قائماً ونشطاً، ورد نص مؤداه ان الصندوق يمتلك الاراضي في فلسطين باسم الشعب اليهودي ، أي ان الارض التي يتم الاستيلاء عليها شراء او استيطاناً هي ملكية مشتركة للشعب اليهودي وليس لشعب اسرائيل، مثلاً، او لليهود في اسرائيل، بل لكل من هو عضو في الشعب اليهودي . وينص دستور الوكالة اليهودية، والتي ما زالت قائمة وفاعلة، علي ان اليد العاملة التي توظف في الزراعة يجب ان تكون قائمة علي اليد العاملة اليهودية . وتم استكمال دائرة التهويد بأن فرضت الوكالة اليهودية علي اليهود شراء المنتجات اليهودية حصراً. أي ان المستوطنين اليهود خلقوا في فلسطين اقتصاداً يهودياً مغلقاً. واستفحل امر العنصرية في المجتمع الاسرائيلي بعد قيام الدولة ودلالة ذلك سلسلة القوانين اعتباراً من قانون العودة الي آخر تقليعة تشريعية والتي تحرم علي اي اسرائيلي الزواج من فلسطيني او فلسطينية من المقيمين في الاراضي المحتلة.

ان الغاء هذا القرار من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 1991/12/16 لا يغيّر من عنصرية الصهيونية في شيء، لأنها هي ذاتها لم تتغير لا فلسفة ولا مؤسسات ولا ممارسة.

هذه هي الدوله اليهودية المطلوب من الفلسطيني الاعتراف بها كشرط مسبق للوصول الي تسوية سياسية معها.

إن مثل هذا الاعتراف ـ لو حصل ـ سوف يرتب سلسة من النتائج الضارة وطنياً ودولياً. النتيجة الاولي، وفي التطبيق العملي، سوف تبرر اقتلاع وترحيل من بقي من الفلسطينيين في داخل الخط الاخضر، أي سوف نشهد عملية تطهير عرقي بطرد الفلسطينيين مما سوف يخلق أعباء ثقيلة علي الدول المجاورة ولا سيما الاردن وسوريا ولبنان والتي هي مثقلة أصلاً بالهم الفلسطيني. والنتيجة الثانية هي ان الاقتلاع والترحيل سوف يؤدي الي مصادرة ممتلكات هؤلاء المهجرين وتصبح ملكيتها ملكية مشتركة للشعب اليهودي دون حق لهم بالمطالبة بالتعويض. والنتيجة الثالثة هي ان اللاجئين الذين اقتلعوا في الاعوام 1947ـ 1949 سوف يظلون في اماكنهم ويفقدون حق العودة وحق التعويض وتتحول كل القرارات الدولية التي أكدت علي حقهم في ذلك حبراً كالحاً علي ورق أصفر. أما النتيجة الرابعة فهي ان علي الفلسطيني ان يقبل ويقرّ ويوافق علي الصهيونية كعقيدة وفلسفة وممارسة، وذلك في الوقت الذي اصبحت فيه العنصرية والتمييز العنصري والابارتهايد جرائم يعاقب عليها القانون الدولي. أي ان علي الفلسطيني ان يجري في اتجاه معاكس للتاريخ.

أما علي المستوي الدولي، فان السؤال الذي يفرض نفسه هو ماذا سيكون عليه موقف الامم المتحدة من دولة عضو فيها تعلن وتصرّ علي انها دولة اليهود؟ هل ينسجم ذلك مع ميثاق الامم المتحدة ؟ تنص المادة 55 من الميثاق علي التزام المنظمة الدولية بأن تشيع في العالم احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للجميع بلا تمييز بسبب الجنس او اللغة او الدين... وتنص المادة 56 علي أن يتعهد جميع الاعضاء بأن يقوموا، منفردين ومجتمعين، بما يجب عليهم من عمل.. لادراك المقاصد المنصوص عليها في المادة 55 . ومن هنا يتبين ان علي المنظمة الدولية اتخاذ الاجراءات القانونية طبقاً للميثاق، وانسجاماً مع ممارساتها منذ العام 1947 لكي تفرض علي اسرائيل الامتثال لاحكام المادة 55، وتفرض علي الدول الاخري التقيّد بالمادة 56، وليس من داع لاستدعاء الاتفاقيات الدولية الاخري مثل معاهدة مكافحة جميع اشكال التمييز العنصري. وعلي الوفد الفلسطيني المفاوض التهديد باللجوء الي الجمعية العمومية للأمم المتحدة لاتخاذ ما يلزم لمنع اسرائيل من فرض شروط التمييز العنصري علي الشعب الفلسطيني.

ان علي الدول العربية، ولا سيما الدول الأقرب الي فلسطين التاريخية، التصدّي لهذا الشرط، ليس للاسباب الواردة اعلاه وحسب، بل ايضاً لاسباب عملية وهي انها هي المستهدفة بترحيل الفلسطينيين اليها، وحلّ مشاكل الصهيونية علي حسابها ونفقتها ومسؤوليتها. ان شعار يهودية الدولة ليس شعاراً لاقتلاع الشعب الفلسطيني وترحيله وحسب، بل هو اداة جديدة للتوسع الصهيوني في اراضيها كذلك.

ولا مناص من القول ان الاشتراط الاسرائيلي علي الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة هو اشتراط تعجيزي، ذلك ان الاسرائيليين انفسهم لم يحسموا امرهم في تحديد هوية هذه الدولة، وليس سرّاً ان عدم تمكن الفقهاء الاسرائيليين من الوصول الي اجماع حول تعريف من هو اليهودي هو أحد الاسباب الرئيسية التي ما زالت تحول دون وضع دستور مكتوب في اسرائيل. واخفاء لهذه المعضلة، اشترط التعديل الأخير لقانون الاساس ـ الكنيست في المادة 7أ علي ان كل مرشح في القوائم الحزبية ان يعترف بمبدأ يهودية الدولة وديمقراطيتها معاً، وكأنه يمكن الجمع بين الصفتين، وهو أمر مستحيل كاستحالة خلط الماء بالزيت.


* محام مقيم في الأردن