2008-01-16     
فنجان قهوة
الذين دفنوا أحياء - أبو خلدون
يذكر التاريخ أن الفراعنة كانوا يدفنون مع موتاهم بعض الأغذية، ولا أعتقد أن السبب هو أنهم كانوا يعتقدون أن الموتى سيحتاجون لهذه الأغذية في حياتهم الأخرى كما يقول المؤرخون، فقد كان الفراعنة يدركون، بحكم تجاربهم في الحياة، أن الطعام الذي يدفنونه مع الميت يفسد بعد أيام، ويصبح غير صالح للاستهلاك، ولكن تجاربهم في الحياة أثبتت لهم أيضا أنه قد يحدث اشتباه بالموت، ولذلك كانوا يوفرون للميت مؤونة تكفيه بضعة أيام، يستعين بها في حالة حدوث اشتباه، ودفنه وهو حي.

 

والاشتباه بالموت لا يزال مشكلة حتى في عالمنا المعاصر، إلى درجة أن بعض شركات الدفن الأمريكية تزود الكفن بجرس إنذار يضغط عليه المشتبه بموته إذا عاد إلى الحياة، فيهرع عمال المقبرة لإنقاذه، وقبل مدة نشرت الصحف الأمريكية أن سيدة تدعى دافين بانكس وقعت في غيبوبة، وعندما استفاقت من غيبوبتها وجدت كل شيء مظلما حولها، ولم تكن قادرة على التنفس، وحاولت الحراك ولكنها لم تستطع، وبدا لها أن (سقف الغرفة) قد أطبق عليها، وفجأة عطست، فتوقف المحيطون بنعشها عن الحركة، وأوجسوا أمرا، وفتحوا النعش، فإذا بها لا تزال على قيد الحياة، فتحول الحزن إلى فرح، وألغى زوجها وأهلها مراسم الدفن.

 

ومع تقدم الطب في العصر الحديث أصبح الاشتباه بالوفاة على هذه الصورة من الأمور النادرة التي لا تحدث إلا في الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل والفيضانات ، التي لا تترك ما يكفي من الوقت للتأكد من حالات الوفاة، أو عند انتشار الأوبئة التي تحصد أعدادا كبيرة من الضحايا، ويصبح من الضروري دفن المشتبه بوفاتهم لكي لا تنتقل العدوى إلى غيرهم. ومع ذلك فإن حوادث دفن الأحياء لم تتوقف تماما، وظلت تحدث، بين الحين والآخر.

 

وفي القرن السابع عشر، جرى دفن الثريتين البريطانيتين مارجريت هاركلو ومارجوري الفنستون وهما بكامل زينتهما ومجوهراتهما، وبعد الدفن سطا اللصوص على قبريهما من اجل سرقة المجوهرات، فتبين أن السيدتين لا تزالان على قيد الحياة، وشعر اللصوص بالذعر، وهربوا، ولكن السيدتين وجدتا من ينقذهما من القبر، وعادا إلى منزليهما، وعاشا سنوات طويلة بعد هذا الحادث.

 

وفي عام 1865 أصيب الطفل ماكس هوفمان الذي لا يزيد عمره على خمس سنوات بالكوليرا وسقط في غيبوبة، فشيعه والداه وأقاربه، ودفنوه، وبعد ليلتين من الدفن، رأت والدته في المنام أن ابنها لا يزال على قيد الحياة، فأقنعت زوجها بنبش القبر، فتبين أن الطفل حيّ بالفعل، وعاش بعد ذلك حتى بلغ التسعين من العمر.

 

ويذكر التاريخ أن البعض بالغ في حرصه لكي يضمن عدم حدوث خطأ يؤدي إلى دفنه حيا، فقد أوصى الرئيس الأمريكي جورج واشنطن بترك جثمانه في الكفن لمدة يومين بعد الوفاة، وعدم دفنه قبل ذلك، وفي القرون الوسطى كان أهل المتوفى يلجأون إلى جرح إصبعه للتأكد من وفاته. وفي منتصف القرن التاسع عشر في أوروبا كانت المقابر مزودة بأجراس، ويجري ربط الجرس بخيط يوضع طرفه الآخر في يد الميت لكي يسحب الخيط ويدق الجرس في حالة عودته إلى الحياة.

 

ويذكر الدكتور جان بونديسون في كتابه غرائب الطب أن تجارة الأكفان السوبر كانت رائجة في الولايات المتحدة حتى بداية السبعينات، ويقول: كان الكفن السوبر يحتوي على صندوق خاص للأكل، مزود بمؤونة تكفي لعدة أيام، وأنبوبة أكسجين، ومروحة للتهوية، وجرس إنذار كهربائي، وجهاز إرسال واستقبال بالراديو، لكي يستخدم الميت كل هذه الأشياء إذا عاد إلى الحياة.

 

وعندنا أن كرامة الميت دفنه، ولكنه لا يدفن إلا بعد الغسل، وغسل الميت طهارة له أولا، وتأكد بأنه فارق الحياة ثانيا.

 

أبو خلدون

 abukhaldoun@maktoob.com

 

 

2008-01-08     
فنجان قهوة
الجوليم والأرمجدون

 أبو خلدون

حتى منتصف القرن الماضي كان المفكرون يتحدثون عن المشكلة اليهودية، وفي الوقت الذي كان ماركس يرى أن حل هذه المشكلة يكمن باندماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها، كان هنالك من يرى أن حلها بإيجاد وطن قومي لليهود اقترحت بريطانيا أن يكون في أوغندا أو في موزمبيق، ووافق ثيودور هرتزل على ذلك، ولكنه عدل عن موافقته في المؤتمر الصهيوني وانضم إلى قائمة المطالبين بفلسطين، لأنها تثير إيحاءات تاريخية كثيرة في نفوس اليهود.

 

وبعد قيام إسرائيل لم يعد أحد يتحدث عن المشكلة اليهودية وإنما عن المشكلة التي أثارها قيام هذه الدولة الجديدة التي كادت تجر العالم إلى مواجهة نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أثناء الحرب الباردة. وفي الوقت الذي ظن فيه الكثيرون أن إسرائيل ستحل المشكلة اليهودية فإنهم اكتشفوا أنها سببت مشكلة جديدة للعالم تهدد أمنه واستقراره.

 

وفي استفتاء أجري على مستوى الدول الأوروبية بأسرها قال 67% من الأوروبيين إن إسرائيل تشكل خطراً كبيراً على السلام العالمي أكبر من أي خطر آخر.

ومشكلة إسرائيل وخطرها على السلام والأمن العالميين هو محور الكتاب الذي صدر لميشيل كولينز بايبر، مراسل وكالة الأنباء الفرنسية، بعنوان الجوليم، قنبلة الجحيم الإسرائيلية والطريق إلى الأرمجدون العالمي.

 

واليهود يضعون التوراة التي نزلت على كليم الله موسى في المرتبة الثانية بعد التلمود الذي كتبه أحبارهم وسمحوا فيه لأهوائهم بتغيير ما ورد في التوراة، والأرمجدون في التلمود هي حرب الإبادة العالمية الشاملة التي ستؤدي إلى هلاك البشرية ليتمكن اليهود بعدها من إقامة مملكتهم على الأرض، أما الجوليم فإن هنالك رواية في التلمود تقول إن أحد الأحبار استخدم السحر وصنع من الطين مخلوقاً شريراً مدمراً وأرسله في الأرض لإبادة أعداء اليهود، وقد أوحت هذه القصة لماري شيللي، زوجة الشاعر شيللي، بابتكار شخصية فرانكشتاين، وكما خرج فرانكشتاين عن سيطرة العالم الذي صنعه في المختبر، خرج الجوليم عن سيطرة الكاهن اليهودي الذي صنعه، وبات يهدد وجود اليهود أنفسهم.

 

ويقول مايكل كولينز بايبر في كتابه إن يهود القرن العشرين لم يصنعوا الجوليم من الطين، وإنما صنعوه من اليورانيوم، ويعيد إلى الأذهان أن ديفيد بن جوريون، أحد مؤسسي دولة إسرائيل، قال إن القنبلة النووية هي سلاح إسرائيل المقدس، ومنذ ذلك الحين أصبح جوليم البلاتينيوم النووي هو حجر الزاوية في الأمن الإسرائيلي، وبات إنتاج أكبر كمية منه وتخزينها هو العامل المحرك لكل السياسيين في إسرائيل، مهما كانت انتماءاتهم.

 

وأسطورة التلمود حول الجوليم حية في الثقافة اليهودية، وفي الستينات من القرن الماضي نشرت إحدى الصحف الإسرائيلية قصة كاريكاتيرية مسلسلة بطلها الجوليم، قدمت لها بالقول إن العالم يتهم إسرائيل بإنتاج أسلحة نووية، ونتصور أن بعض الأشعة النووية تسربت من المفاعلات وعرض لها اليهود من سكان إسرائيل، ولذلك جاء الجوليم للدفاع عنهم، وفي الحلقة الأخيرة من المسلسل قالت الصحيفة أن الجوليم عاد إلى مهمته الأساسية للدفاع عن اليهود في كل مكان.

 

وقنابل إسرائيل وصواريخها النووية لم تعد سراً، فقد هددت جولدا مائير باستخدامها أثناء حرب أكتوبر/ تشرين الأول ،1973 وكشف الخبير الإسرائيلي ماردخاي فعنونو في مقابلة أجرتها معه الصنداي تايمز عن وجود هذه الأسلحة في الثمانينات من القرن الماضي، وتؤكد وثائق نيكسون التي أفرجت الحكومة الأمريكية عنها مؤخراً وجود هذه الأسلحة. وفي الكتاب يشرح مايكل كولينز كيف عملت إسرائيل وانصارها في الولايات المتحدة على دفع أمريكا لغزو العراق، وكيف أنها وأنصارها لا يزالان يصران، رغم إعلان المخابرات الأمريكية أن إيران تخلت عن برنامجها النووي عام ،2003 على جر أمريكا إلى المواجهة مع إيران تمهيداً للأرمجدون.

 

 

أبو خلدون

 abukhaldoun@maktoob.com