جـورج حـبش المُناضـل والإنـسان - عبد الستار الكفــيري



لم تكن الشعارات التي أَطلقها مُشيعو " الحكيم " محضَ كلماتٍ عابرةٍ ,
تُقالُ في مناسبةٍ عابرةٍ , لم تكن كذلك , لا الشعارات التي أحاطت روح
الراحل , ولا الحدث الذي إجتمع الناس بسببه . و لعلَ أبلغ دلالة لهذا ,
هو أن الشعارات التي تردد صداها عالياً لم تكن لترفع , لو لم يكن "
الحكيم " وفياً لها , وما كان لتلك الجموع أن ترفعها , لو أنها لم تكن
معنية بأن توصل صوتها للحكيم , لحظةَ التشييع , وكأن ما رددته يوحي بأنها
تقول بأَعلى صوتها : أننا مثلك , وعلى نهجك , ووصيتك " فلسطين " باقية
بين ضلوعنا..
عَرفته الجموع , مناضلاً جَسوراً , لا تقبل فلسطين لديه القسمة على
إثنين , عَرفته الجموع طبيباً إنساناً , ولم تعرفه " تاجراً " , عرفته
مفكراً وقائداً سياسياً , بكل ما ينطوي عليه الوصفان من معنى , ولم تعرفه
" طارئاً " , عَرفته قومياً لا يهادن وأُممياً لا يساوم , عَرفته رفيقاً
لوديع حداد , وكليهما يُعرَف بدلالة الآخر , ولم تعرفه " حليفاً لليسار
الإسرائيلي " , عَرَفته كما كان ينبغي له أن يُعرَف , فشتان بين من يقضي
وهو في عز تمسكه بثوابته ومبادئه وبين من يهوي وهو في ذروة هلاكه
وتساقطه , كليهما راحلٌ لا محالة , فمن لم يمت بالسيف مات بغيره ..

رَحل وتركنا خلفه , ومعنا فلسطين , التي رفض زيارتها ذات نهار , مُعلناً
بملء فيه : « أنا لا أَستطيع المرور عبر معبر يرفع العلم الإسرائيلي » ,
أَعلنها واضحةَ , مُجلجلة , لا لُبسَ فيها , بعدما إستطاب غيره الرجوع
إليها , قالها ليتَردد صَداها ثانيةً , لحظةَ الاحتضار : « سيأتي يوم
تزال فيها كل المعابر إلى فلسطـين »..

هكذا , تركنا في حضرة جسده المُسجى نُراود حُلمنا , ونُفتش عمن بقي على
قيده ,,
فأن نفقد أحبابا لنا , ومُلهمين , فذاك امتحان عسـير ,,
أم أنه القضاء , وقد باغتنا , بعدما توسلنا , وصلينا بملء جوارحنا : "
اللُـطف فيه "..

 هنيئاً لروحك الطاهرةُ مثواها ,,
                وهنيئاً لنا رُوحـكَ الباقـــية ...