دموع الحكيم - محمد كريشان

30/01/2008

ينقل أحد المترددين الدائمين علي الراحل الدكتور جورج حبش في السنوات القليلة الماضية أنه بات ذا حساسية مرهفة وهو يتناول الشؤون السياسية الجارية بحيث لا يمكن أن يسترسل طويلا في الحديث دون أن تخنقه العبرات وتنهمر دموعه أكثر من مرة.


لم يخض صاحبنا في التفاصيل ولكن من السهل جدا تصور مدي قسوة أن يتابع الحكيم هذا الانحدار لقضية شعبه من أمل جارف في تحرير الوطن من البحر إلي النهر إلي القبول بالحل المرحلي عبر دولة في الضفة والقطاع إلي وضع بات يبحث اليوم في بؤرة استيطانية علي هذه التلة أو تلك، حتي أن الرجل ودع هذه الدنيا وهو يتابع قصة أبناء شعبه في غزة يقتحمون معبر رفح بحثا عن قوتهم بعدما خنقهم حصار إسرائيلي متوحش، حتي وإن كان قد أعجب بجسارتهم في تحطيم حدود طالما حلم بزوالها بين كل أقطار البلاد العربية.


في ربع 1997 قابلت الدكتور جورج حبش في مكتبه في دمشق وعبثا حاولت مطولا أن يتحدث لـ الجزيرة في حلقات عن مسيرته النضالية وتاريخ القوميين العرب في الحركة الوطنية الفلسطينية وتجارب الرفض والكفاح المسلح والعمليات الخارجية التي اشتهرت بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ستينات القرن الماضي وغير ذلك من المسائل التي للحكيم فيها قول ورواية. اعتذر بتهذيب شديد ولكن بحجج لم تبد مقنعة رغم كثرة الإلحاح الذي وصل حد أن نعرض عليه إبقاء أشرطة المقابلات الأصلية لديه إلي أن يري الوقت مناسبا لبثها وقد كان وضعه الصحي وقتها يسمح له بالحديث بطلاقة. لم نلتق ثانية وخرجت وقتها من عنده بقناعة أنه لم يكن يشأ أن يخوض في مراحل تاريخية محددة إما لأنه بات يمتلك مقاربة نقدية لها لم يرد أن يفصح عنها علنا أو لأنه بات يراها، حتي في ذلك الوقت، في مفارقة كبيرة مع الواقع الجديد للقضية الذي ربما لم يشأ أيضا أن ينتقد علنا السائرين في خضمه وأساسا الزعيم الراحل ياسر عرفات الذي رثاه الحكيم قبل ثلاث سنوات بشكل مؤثر للغاية وهو الذي كانت له معه خلافات عميقة للغاية في أكثر من محطة.


ابتعد حبش عن كل مسؤولية عام 2000 ولكنه ظل دائما ذلك الرمز الصادق لعدالة القضية الفلسطينية وذلك الرمز الذي جعل الراحل أبو عمار يصفه بـ ضمير الثورة الفلسطينية ، هذا الضمير بالتحديد هو برأيي من بات في مراجعة قاسية مع نفسه في السنوات الماضية فما رفضه الحكيم قبل سنوات خلت بل ووصفه بالخيانة بات اليوم يقارب المطلب الوطني وأذكر جيدا ذلك الخطاب الرائع الذي ألقاه في المجلس الوطني السادس عشر في الجزائر في شباط (فبراير) 1983، تحدث وقتها بعد خروج المقاومة من بيروت رافضا كل التسويات وبالخصوص القرارات الدولية 242 و338 الذين كانت كل دول المواجهة و الدول الصديقة كالاتحاد السوفييتي قابلة به، وحتي عندما أعلن المجلس الوطني في منتصف تشرين الأول (اكتوبر) 1988 في الجزائر أيضا قيام الدولة الفلسطينية ظل الحكيم متحفظا علي الاعتراف بهذه القرارات.


كان المرحوم خالد الحسن (أبو السعيد) أحد مؤسسي حركة فتح وقياداتها التاريخية يسمي الفصائل المنتقدة باستمرار لكل التسويات السلمية والقرارات الدولية بـ الرافضون أبدا ، وهنا أتذكر جيدا ما قاله جورج حبش في خطاب الجزائر الذي تابعه الحاضرون في قاعة المؤتمرات الكبري في نادي الصنوبر بانتباه غير عادي، قال وقتها: صحيح أن مواقف الرفض لم تأت لنا بشيء ولكن هل تضمنون أن يحصل المتناغمون مع المشاريع المطروحة علي أي شيء؟ وهنا مأساة الفلسطينيين برأيي: لا هذا ظفر بشيء ولا الآخر... وربما هذا أكثر ما كانت تدمع له عينا الحكيم في سنواته الأخيرة. رحمه الله.


* القدس العربي