سفير فلسطيني بصحبة سفير صهيوني في معسكر أوشفيتس

 

2008-01-09

 

بقلم : نضال حمد*

 

يبدو أن بعض سفراء منظمة التحرير الفلسطينية الذين أصبحوا بنفس الوقت ممثلين للسلطة الفلسطينية في مقاطعة رام الله، لا يكترثون بالأذى الذي يلحقونه بالقضية الفلسطينية، ولا بالآلام التي يسببونها للشعب الفلسطيني، ولعائلات عشرات آلاف الضحايا من الفلسطينيين الذين قضوا بسبب الإرهاب الصهيوني على مرّ نحو ستين سنة من النكبة الفلسطينية الكبرى.  حيث أقيم كيان الصهاينة بالدم والحديد والمجازر والنار والإرهاب على أنقاض المدن والقرى الفلسطينية التي استبيحت واحتلت بلا رحمة. لتقام مكانها دولة أحفاد أوشفيتس التي سيطرت عصاباتها الإرهابية على فلسطين وطن الشعب الفلسطيني تحت شعار أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.

 

هل يا ترى من المعقول أن لا يعرف سفير يمثل الشعب الفلسطيني في بلد أوروبي هذه الأشياء البديهية ؟ ألا يعرف سفير منظمة التحرير الفلسطينية وممثل السلطة الفلسطينية في بولندا، أن الذين استباحوا فلسطين هم أمثال ديفيد بيليغ السفير الصهيوني في بولندا، زميله ورفيقه في زيارة معسكر اوشفيتس؟ حيث بلغ الحزن والأسى لدى سفير السلطة حداً جعله يؤكد في تصريحاته بعد الزيارة على مشاعره، دون ذكر ضحايا شعبه البالغ تعدادهم عشرات الآلاف. وهنا يجب تذكيره بأن معسكر أوشفيتس كان معسكرا لابادة الناس من كل الأجناس وليس لليهود فقط لا غير.

 

هل غاب عن بال هذا الممثل أن الذين أقاموا  مشروعهم الاستعماري الاستيطاني هم أجداد بيليغ، الذين قال عنهم اليهودي د ايلان بابي : في سنة 1922 نجحت مجموعة من المستوطنين اليهود من أوروبا الشرقية في إنشاء دولة عتيدة على حراب بريطانية،وأملوا أن يحافظوا على جيب " أبيض" في لبّ العالم العربي،وقلّل الهولوكوست في أوروبا من مخزون اليهود البيض... و بصورة ليست اختيارية قررت القيادة الأوروبية الشرقية استيراد مليون يهودي عربي مررتهم في عمليات إلغاء لعروبتهم أصبحت موثقة جيداً الآن بفضل الدراسات لما بعد الصهيونية والشرقية، و هكذا فإنه حتى مع وجود أقلية فلسطينية داخل "إسرائيل" كان بالإمكان بناء الوهم بأن الجيب الصهيوني مبني بكل الفخامة، حتى لو أن الثمن هو التطهير العرقي لغالبية السكان المحليين، والسيطرة على 80% من فلسطين".

 

 لو أن ممثل م ت ف في وارسو قرأ تاريخ قضيته والصراع العربي مع الصهاينة بشكل جيد، وأحس بأنه فعلاً صاحب قضية وحقوق ثابتة لا تؤثر فيها وعليها شماعة معسكرات الابادة النازية ضد اليهود في أوروبا.. ولو أنه فعلاً تعلم كيف يكون فلسطينياً لما كنا سمعنا عن زيارته، ولا حتى كانت تمت تلك الزيارة سواء لوحده أم بصحبة سفير الكيان الصهيوني، الذي حاول إبادة الشعب الفلسطيني، وارتكب المجازر ومازال يرتكبها بحقه في الداخل وفي الشتات...

 و لو أنه يقرأ جيداً وبعين وطنية الصراع و ما يجري على الأرض لما كان قام بتلك الزيارة...

 و لو أنه يحس بمعاناة شعبه اليومية تحت الاحتلال، على الحواجز والمعابر، في الوطن المحاصر والمقسم والمجزر والمحاط بالمحتلين سواء كانوا جنودا أو مستوطنين لما كان فكر بالزيارة...

 ولو أنه يمثل فعلاً شعب فلسطين لا قيادة سياسية فاشلة ومحبطة ومقامرة ومتنفذة لا تمثل شعبها ولا تملك حق تمثيله، لكان فكر طويلاً قبل القيام بزيارته...

 

الخلل ليس فيه وحده بل في القيادة التي وضعته في مركزه، لأنها قيادة توافقه الرأي وتشجعه على القيام بذلك وتحميه وتغطي زيارته وتباركها. أليست هي نفس القيادة التي جلبت الويلات للشعب الفلسطيني، والتي تحاول بالتحايل والفذلكة مع المحتلين وكل رافضي تطبيق حق العودة التخلي عن هذا الحق؟؟ إنها القيادة التي جاءت باتفاقيات اوسلو، والخليل، وشرم الشيخ وواي ريفير وكمب ديفيد ..الخ.. ثم تفاهمات عباس- يعالون، نسيبة يعالون و ياسر عبد ربه يوسي بيلين،التي انبثقت عنها مبادرة جنيف سيئة الصيت والسمعة. إنها نفس تلك القيادة التي وافقت على إقامة سلطة الجبن السويسري، الشبيه بروابط القرى على جزء بسيط من أراضي فلسطين المحتلة عام 1967. و هي نفس القيادة التي تخلت عن حق الشعب الفلسطيني بالمقاومة، وثابرت على تنسيق الأمن ومازالت تنسقه بلا توقف مع الصهاينة. إنها نفس القيادة التي تخلت عن غالبية شعبها وعن حقوقه الثابتة... هي نفس القيادة التي تواصل عملية سلب منظمة التحرير الفلسطينية والسطو على مؤسساتها وتؤكد بمناسبة وبدون مناسبة على رفض الحوار الوطني، كما تكيل الاتهامات الجاهزة للتحركات الشعبية والفصائلية الفلسطينية الخارجة عن تبعيتها وإرادتها. تتهمها بالانشقاق والانقلاب.  كما تقسم مناطق السلطة المستباحة الى ضفة وقطاع، ضفة تقبع تحت رحمة الاحتلال ونير إرهابه، وقطاع محاصر ومعزول ومغلق ومحارب من كل الجهات وبكل الأساليب. فبحجة انقلاب حماس في غزة تحلل كل المحرمات. إن مثل هذه الفئة من الفلسطينيين التي تعتذر وتأسف وتتألم لمقتل جنود صهاينة في الخليل المحتلة، وتقوم بتسليم المستعربين بعد اعتقالهم وهم في مهمة ميدانية لاغتيال مقاومين فلسطينيين بكنيسة المهد في بيت لحم المحتلة. هي التي تعين مثل هؤلاء السفراء والممثلين. وهي التي تشجع اقترافاتهم وتجاوزاتهم وأعمالهم المعيبة و المخجلة... هي نفس القيادة التي لا تتورع عن وصف عمليات المقاومة الفلسطينية بالحقيرة... هي التي شطبت من ذاكرتها (مثلما سبق وشطبت الميثاق الوطني الفلسطيني من برامجها) احتلال و استباحة واغتصاب وتدمير وتشريد وقتل وذبح الشعب الفلسطيني، منذ ما قبل النكبة الفلسطينية وحتى يومنا هذا، حيث تجتاح عصابات الصهاينة نابلس وتمارس القتل اليومي في غزة.

 

على الشعب الفلسطيني ان ينتفض ويضع حداً لهؤلاء الذي ينسقون أعمالهم مع المحتلين، أحفاد ضحايا الهولوكوست من اليهود الأوروبيين الذين قضوا في معسكرات اوشفيتس ، تريبلينكا، يوخفالد وغيرها في بولندا وألمانيا وأماكن أخرى من القارة الأوروبية. فشعبنا يتفهم معاناة هؤلاء على أيدي النازيين ويحزن لذلك. لكن عليه أن لا يشعر بأي عقدة ذنب لأنه ليس المسئول عن جريمة أوشفيتس وعذاب وقتل اليهود، بل أوروبا هي المسئولة. ويجب ان لا يسمح للمسئولين عن تلك الجريمة أن يتخلصوا من عقدة الذنب بتضييع وشطب حقوقه عبر شطب حق العودة وتقزيم القضية الفلسطينية وتفريعها من مضامينها.

 

 أما الفلسطينيين الذين يقامرون بالقضية والحقوق ويفاوض بعضهم على قضايا الحل النهائي وسجله حافل بالفشل. ومنهم من يفاوض على قضية اللاجئين وحق العودة بينما هو نفسه يتم توقيفه وإهانته على حواجز الاحتلال، بالرغم من توجهه للقاء ابنة الإرهابي ليفي (وزيرة خارجة كيان الصهاينة) زميل بيغين وشامير في عصابتي شترن والأرغون، اللتان قامتا بعدة مجازر (دير ياسن) و عمليات تفجير إرهابية ( فندق الملك داوود في القدس) و اغتيالات طالت المبعوث الدولي، السويدي الكونت برنادوت لموقفه المبدئي والواضح من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها بالقوة. هؤلاء الذين لا يمكنهم عبور الجسر بالرغم من كل ما قدموه في سنوات سلام الشجعان، كيف سيمكنهم إعادة ملايين اللاجئين..والله نخجل من كونهم فلسطينيين.

 

 

* مدير موقع الصفصاف الإخباري العربي النرويجي   www.safsaf.org

 

 

 مقال سابق

سنة أخرى تمر والحال على حاله -نضال حمد

 

*

مقال ساخن

 زيارة لبلد عربي،لم تتم ... - نضال حمد- 2007-12-31

مقالات سابقة

سلام فياض : خيبة فلسطينية جديدة- بقلم : نضال حمد*

أرشيف مقالات 2007