( من مجموعة ، من خزان الذاكرة )

 

مهمة فدائية

 

 الإهداء إلى الشهيدين محمود الشامي وأبو سمرة

 

تصفح كتابه اليومي بشكل روتيني..إذ جرت العادة ان يطالع آخر الإصدارات وأحدثها، ثم يقوم بقصها على الرفاق والزملاء.. لم تبدو عليه علامات الإرهاق والتعب من ليلة تخطيط ودراسة لموقع المواجهة المرتقبة .. فقد غاص رأسه في كتابه إلى أن قرأ في الصفحة 82 من كتاب حرب الشعب ما يلي : " الشهداء يطلعون ليلا .. الشهداء يسيرون أولا... الشهداء حبل صرة الفدائي ووصلته مع الأرض.. في المخيم وفي البلاد التي لم تبتعد".. هكذا شرح الفدائي لرفيقه في التنظيم مكانة الشهيد في الثورة.. ثم تابع القراءة :

 

 سيدتنا الأرض كالحبل المشدود إلى قلوبنا، تربط العقل بالقلب والفكر بالرأي الحر.. شدت بمحبتها وثاق محبتنا وعزمنا على تنظيف الشوارع من رجس الاحتلال"... ألقى نظرة على جانبيه الأيمن والأيسر ، كمن يبحث عن شيء ما في دائرة الضوء. عاد وتابع القراءة : " سيدتنا الأرض حبلى بالموتى ، تلد القبور وتنجب زعتراً وبنادق وعرائس للأطفال ... سيدتنا الأرض حبلى بالذين غابوا عنا .. سيدتنا الأرض لا تقلقي سنهبك أنفسنا عما قليل .. ".

 

محمود المستمع أخذ الحديث وبدأ  بقوله :

 

 نعلم صعوبة هذا الدرب ومسالكه القاتلة.. نعلم ونعد لموت بعضنا أو لموتنا كلنا كلمات العزاء بعد مغيب الشمس خلف ليل المخيم.

 

 لم نحسب لدمعات حبيباتنا وأمهاتنا حسابات جديرة بحبهن.. اعتقدنا أنهن سيفرحن بموتنا البطولي ، بشهادتنا على عصر الفدائي المميز.

 

 الدرب ليس سهلا ولم تكن حرية اختيار الموت بالأسهل.. لكن توجب علينا إعادة أحياء الثورة المحاصرة وفك القيد عن بلادنا التي عملت بها سيوف القتلة من بقايا الجنون العالمي.

 

جاء دور الفتى حسن الذي قال بصوت جهوري :

 

 سأقرأ عليكم الصفحة 105 من كتاب حرب الشعب عن المخيمات : "  مخيم بعين حلوة ، بفتاة أحلى ، يقبع على أحزان الجليل ، عرشه من عظام ودماء وأكاليل غار معلقة بكتبٍ أعدتها السماء للآمنين على بر الأرض... مخيم يصعب على الذين لم يحيوه ان يتحدثوا عن مزاياه .. وعن عذابات السماء على صليبه وفي مغاراته وهجرات أهله.. مخيم يرد هجمات الاحتلال عن بيوت الطين... ويرد الصاع صاعين للمحتلين. مخيم عين الحلوة مثل شقيقه الشهيد مخيم تل الزعتر،  ينجب زعتراً وأقلام رصاص وعرائس ومقاتلين..".

 

*

 

 هناك في زاروب صغير مهمل وحقير التقى أفراد مجموعة حتما سنلتقي.. أسم أطلقوه على الجماعة أو المجموعة.. شباب بعمر الورد يلتفون حول بضعة قنابل ومسدس ورشاش صغير .. يبحثون عن طريقة للخلاص من العملاء ودورية الاحتلال اليومية. كان لابد لمهمتهم أن تنجح لأنها الأولى بعد استشهاد المخيم والرحيل عن عاصمة الحصار المحاصرة.اتفقوا على موعد التنفيذ .. أما كلمة السر  فهي حاتم .. اسم رفيقهم الشهيد... كان يجب ان ينجحوا لأنها بمثابة الرصاصة الأولى والشرارة الأولى كذلك.

 

مع بزوغ الفجر تحركت المجموعة الصغيرة التي لم ينم أفرادها طوال الليل، وصلت إلى المكان المحدد عند مفرق ( طلعة) سيروب المؤدية إلى حارة يسكنها أهالي بلدة الصفصاف من لاجئي الجليل الفلسطيني. لبدوا عند دكان عمهم أبو غازي..الذي كان ودع قبل عدة أسابيع ابنه الشهيد عبد محمد.. صديقهم ورفيقهم الراحل..

 

قال محمود فور وصوله الى دكان العم ابو غازي ..

 

 يا ابا سمرة!

 

 ايها الرفاق !

 

 عبد محمد حاضر معنا فلا تدعوه وحده فوق حجر الانتظار..

 

رد جمال : لا تقلق يا محمود عبد محمد سوف يعود وسيكون أول من يتسلم راية التحرير والانتصار .

 

وجوه رفاقهم الشهداء حضرت معهم، وعيونهم راقبت قبضاتهم على الأخامص وحلقات القنابل.. كأن عيون الشهداء ظلت مفتوحة ولم تغمض، ها هي تشاركهم العمل الأول بعد الشهادة...

 

 بان في الشارع الممتد طويلا ضوء سيارة العملاء .. لاح الضوء من بعيد..

 

 صاح محمود الشامي ..( الذي هو الآن مشروع شهيد حي ، مشروع موت قريب قيد الانتظار وبعد هنيهات) ..

 

 قال الشهيد الحي : لقد ظهر الأعداء يا رفاق

 

 

 استعدوا لتوزيع هداياكم.. وزعوها بالتساوي على العملاء والأعداء..

 

 اقتربت السيارة ومع اقترابها كانت الأصابع تقبض على الزناد والقنابل تقبع صلبة باردة في أيادي الرجال.

 

ينظر جمال في عيني محمود ، كأنه يريد سؤاله عن وصيته في حال رحل .. لم يكن هناك وقت للإجابة على استفساره فالسيارة تقترب..

 

تتجنب أصابع الشباب فوضى اللهيب المحتقن.. يركز أفراد المجموعة أنظارهم على العجلات وهي تسرع  مع أن الموكب كان يتقدم ببطء ..

 

 نبضات القلوب تسمع عن قرب.. العيون التي لم تعرف النوم تراقب الهدف وهو يقترب.

 

صاح جمال الآن!

 

لم يكد ينتهي من صيحته حتى أنطلق الرصاص يلعلع ويلمع مخترقا أجساد العملاء والأعداء شاقا طريقه إلى صدورهم عبر الدروع الواقية..

 

تمايلت سيارتهم وهي تحترق ، أما صرخاتهم المستغيثة فقد تعالت قبل صياح ديك الفجر، فأيقظت النيام منهم من أحلامهم.

 

 انتهت المهمة وحانت ساعة الاختفاء والانسحاب إلى الأوكار الآمنة.

 

 تطلع الرجال حولهم ، يتفقدون أفراد المجموعة ، وجدوه مستلقيا على جنبه.. واضعا رأسه على حجر دكان العم أبو غازي .. فقد مزق الرصاص صدره.. كان لازال حيا، يصارع آخر لحظات الحياة .. استطاع ان يومأ لهم بالرحيل .. أمرهم بالرحيل وتركه مكانه.. لأنه عرف انه الآن مشروع موت محتم .. أراد قبل ان ينتقل الى جوار عبد وحاتم وغسان أن يؤمن رحيل رفاقه بسلام .. لم يرد ان يحيا لأنه في حال كتبت له الحياة فأن عذابه بعد علاجه سيكون عند أعداء الحياة. رحل محمود الشامي وهو على يقين أنها النهاية الحياتية والبداية الحقيقية..

 

في الصباح نهض أهل المخيم ، وجدوه لازال في مكانه مستلقيا على جنبه.. سابحا في بحر دمه.. مبتسما كعادته وكأنه يحكي لأصدقائه ورفاقه نكتة جديدة من نكاته المضحكة.. وبينما كان جمال، يمسح دمعة سقطت على خده وهو يراقب من بعيد وجه محمود البعيد .. علا صوت المؤذن من مسجد المخيم ، حي على الصلاة حي على الفلاح ..

 

غاب وجه محمود وغاب معه صوت المؤذن، بعد أن هدرت جنازير الدبابات التي كانت تتقدم من نفس الاتجاه الذي جاءت منه سيارة العملاء... توارى جمال عن الأنظار بين بيوت المخيم تاركا خلفه الكلاب وهي تنبح والقطط وهي تسرح.. أما صديقه محمود فقد واصل الترحال مبتسما وحالما بزوال الاحتلال.

 

 

 ( كتبت نهاية أيار مايو 1984 في مستشفى كونستانتشين قرب وارسو بولندا)

 

 

www.safsaf.org