بقلم : نضال حمد

17/12/2009

جميلة بوحيرد واحدة من ملايين

 

قرأت قبل أيام بتمعن رسالة العتاب التي خطتها المجاهدة الجزائرية المعروفة جميلة بوحيرد وهي من أهم رموز الثورة الجزائرية .. وجهت  بوحيرد رسالتها الى الشعب الجزائري حيث شرحت للناس وكذلك للرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة معاناتها مع المرض ومشاكلها المادية التي تعاني منها بسبب تواضع المنحة أو " المعاش" الذي تتقاضاه من الدولة الجزائرية ، هي وغيرها من المجاهدين والمجاهدات أبطال ثورة المليون ونصف المليون شهيد. هذه البطلة الجزائرية غنية عن التعريف ، فاسمها مرتبط بالمقاومة والثورة وتحرير الجزائر ومكافحة الاستعمار الفرنسي ، وتعود بطولاتها الى فترة المد القومي العربي ومرحلة الحرب الشعبية والكفاح المسلح ضد الاستعمار ولأجل التحرر والاستقلال.

تقول بوحيرد في رسالتها العتابية الشديدة القسوة والعبارات والتي وجهتها الى الرئيس الجزائري بوتفليقة " أن المنحة التي تحصل عليها من الدولة لا تضمن لها العيش الكريم، مشددة على أن ديونها لدى الجزار والبقال والسوبر ماركت خير دليل على وضعيتها الصعبة ". ثم تتابع في مكان آخر من الرسالة "'إن ما يتقاضاه المجاهدون لا يرقى إلى المبالغ الكبيرة التي يتقاضاها نواب البرلمان أو ما تحصلون عليه أنتم شخصيا (بوتفليقة) وكذا ما يحصل عليه محيطكم" فيما دعت بوتفليقة إلى التوقف عما أسمته 'الإهانة'، بإعادة النظر في 'المنحة المتواضعة التي يحصل عليها المجاهدون ليعيشوا بكرامة ما تبقى لهم من أيام'. وكانت رسالتا بوحيرد مفاجئة وصادمة للجزائريين. ومعروف أن المعدل الأدنى للمعاشات الممنوحة للمجاهدين الجزائريين يعادل ألف دولار شهرياً. لذا فأن البعض ذهل مما احتوته الرسالة الموجهة من بوحيرد الى الجزائريين، و لأنها تأتي من أهم رموز ثورة المليون ونصف المليون شهيد ، ومن شخصية ذات مكانة محترمة جداً في الجزائر ، والأهم أن بوحيرد من النوع الذي لا يظهر في الاعلام. لذا جاءت رسالتها صادمة للشعب والحكومة وللجميع في الجزائر. خاصة أنه أوردت في رسالتها أنها تلقت عروضاً بالمساعدة من أمراء من دول الخليج العربي لكنها اعتذرت عن قبولها.

رسالة بوحيرد فتحت الجراح الخاصة والأخرى العامة التي لم تندمل بالرغم من مرور الزمن ..

 لم أكن شخصياُ أعرف قوانين منظمة التحرير الفلسطينية ودائرة شؤون الجرحى والأسرى والشهداء فيها إلا بعدما نلت شرف الأصابة والجراح في معركة الدفاع عن صبرا وشاتيلا ابان المجزرة وعن بيروت الغربية - العربية ، الصامدة والمحاصرة صيف1982 . حدث ذلك في مواجهة مع الدبابات الصهيونية استمرت لساعات طويلة وانتهت مع انتهاء المذبحة في المخيمين واستشهاد وأسر وجرح معظم رفاقي ، الذي كانوا كلهم تقريباً من تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية الذي تزعمه الراحل طلعت يعقوب. ولأن جميلة بوحيرد كانت من جبهة التحرير الجزائرية وأنا كنت من جبهة ومنظمة التحرير الفلسطينية ، فأن نداءها الأخير حرك في نفسي مشاعر كانت تغلي ودفنتها لسنوات طويلة في القلب. فقصتي التي سأرويها عن نفسي تشبه قصص غيري من الأسرى والجرحى والشهداء وعوائلهم وأهاليهم .

 بعدما أصبت يوم 17 ايلول 1982 كان مر نحو 15 يوماً على مغادرة آخر فدائيي المنظمة لبيروت بحراً الى عدة دول عربية ... فيما بوادر الانشقاق داخلها وبالذات في فتح بدأت تظهر بوضوح. وما بين نهاية سنة 1982 ونهاية سنة 1983 انشقت حركة فتح وحدث الانقسام الخطير في الساحة الفلسطينية.. في ذلك الوقت كنت على وشك العودة من رحلة العلاج في مستشفيات ايطاليا ، حيث خضعت لعلاجات مركزة استمرت نحو 8 أشهر ، عدت بعدها الى دمشق.هنا بالذات كانت المفاجئة ، إذ وجدت أن تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية الذي أحترم تاريخه وتضحياته وبطولاته ومواقفه الوطنية الوحدوية وكذلك صموده بوجه ضغوطات وابتزازات القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية ومخابرات الأنظمة العربية التي ارادته في الجيب أسوة بغيره من الفصائل . وقفت الفصائل ضد قيادة المنظمة (فتح - عرفات)وحاربتها بشراسة . وكانت تطرح الشعارات الثورية الكيبرة وتنسق اعمالها مع أنظمة عربية عديدة لها حسابات تريد تصفيتها مع فتح و قيادة ياسر عرفات... واشتعلت الحرب بينهم فانهزم المنتصر وانتصر المهزوم كما جاء على غلاف احد أعداد مجلة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في حين نهشت الذئاب والكلاب جثث القتلى من الجانبين في جبل تربل قرب مخيم البداوي..

 عدت من ايطاليا الى مخيم اليرموك قرب دمشق فوجدت التنظيم مفلساً ، لا أموال ولا مساعدات ، ولا مجال للحياة إلا بالجوع أو من خلال طلب الدين والمساعدات من المعارف والأصدقاء. ومما زاد الأمور تعقيداً خروج المرحوم أبو العباس وانشقاقه مع ثلة صغيرة من الناس عن التنظيم الأم ، بدون اي سبب منطقي سياسي أو غير سياسي . علمنا أنه أنضم لابي عمار في طرابلس التي كانت على وشك الحصار من قبل المنشقين عن فتح والفصائل المتحالفة معهم وبعض وحدات جيش التحرير الفلسطيني في سوريا. طبعاً وجد أبو العباس عند أبو عمار كل الدعم والاسناد والرعاية والمال وغير ذلك حيث رعاه وساعده وقدم له التسهيلات كافة. ولم ينس عرفات أن يقطع ميزانية جبهة التحرير الفلسطينية من الصندوق القومي لمنظمة التحرير الفلسطينية ويمنحها لابي العباس مقابل تجويع الطرف الآخر بقيادة الأمين العام المرحوم طلعت يعقوب من أجل تركيعه وجعله يتخذ موقفاً مؤيدا لعرفات ضد المنشقين عنه وضد سوريا التي كانت تدعمهم.  لم يفعل أبو يعقوب هذا الأمر وظلت جبهة التحرير الفلسطينية مع الوحدة الوطنية الفلسطينية والحوار الديمقراطي بين الجميع. لكن هذا الأمر كلفها جوع مازال مستمراً حتى الآن ، فمحود عباس وريث ياسر عرفات في فتح والمنظمة مازال يقدم المساعدة للطرف المنشق عن جبهة التحرير الفلسطينية. وقد دفع آلاف المناضلين والمجاهدين والفدائيين الأحياء قبل الشهداء ثمناً غالياً لهذا الحصار المالي الذي فرضته القيادة المتنفذة ثم المستسلمة في منظمة التحرير الفلسطينية على تنظيم جبهة التحرير. وعانت عائلات الشهداء والجرحى والأسرى معاناة اضافية بسبب عدم توفر الأموال لتغطية نفقات العلاج والسكن ومتطلبات الحياة بشكل عام.

هنا بالذات ندخل في لب الموضوع المالي وقوانين منظمة التحرير الفلسطينية المعمول بها حتى تاريخ آخر مرتب تلقيته من دائرة شؤون الجرحى والأسرى والشهداء ، وكان ذلك قبل عدة سنوات. لما ضاقت بي الحياة في مخيم اليرموك نصحني أحد الأصدقاء باستصدار كتاب اعتماد من الجبهة الى دائرة الشهداء والجرحى في المنظمة بحيث يصبح لي مرتب ثابت مدى الحياة وهذا حق اساسي من حقوقي كجريح فلسطيني. فعلاً قمت باجراء اللازم وزودت بكتاب اعتماد مع تنويه الى اعتمادي برتبة ضابط ، لكن المسؤولين عن المؤسسة في شؤون الجرحى رفضوا اعتمادي ضابطاً وأصروا على اعتمادي جندياً. وهنا يوجد فرق كبير في الراتب. وبعد نقاش معهم وعدم انتظار بسبب ضغط الجوع والعوز والحالة المادية الصعبة التي كنت اعيشها مثلي مثل غيري من مناضلي جبهة التحرير الفلسطينية ، وافقت على اعتمادي جندياً. وتخليت عن رتبتي من أجل سد رمقي.  لأأ أدري كيف هو القانون في دائرة الشؤون لكن قيل لي أن على تنظيمي أن يسدد بقية مرتبي الذي كنت اتقاضاه قبل الصابة. وبما ان التنظيم محاصر مادياً فأنني لن اتلقى سوى مرتبي من الدائرة وهو 737 ليرة سورية.  بعد اعتمادي جريحاً في دائرة شؤون الجرحى التقيت بصديق لي (اتحفظ عن ذكر اسمه) أيضاً جريح لكن نسبة جراحه أقل بكثير من نسبة جراحي ، حدثته عن أمر اعتمادي بدون رتبة عسكرية .. فقال لي بكل بساطة لم يعتمدوا رتبتك لأنك لست فتحاوياً. واضاف " أنا بعدما تركت جبهة التحرير الفلسطينية واصبحت مرافقاً لزوجة عضو في اللجنة المركزية لفتح ، اعتمدت برتبة نقيب". لم يتوقف الأمرعند هذا الصديق إذ التقيت في احدى الدول الاوروبية منتصف الثمانينات من القرن الفائت بصديق وهو ايضاً جريح وبطل من أبطال معركة حصار بيروت ، ومناضل فتحاوي أصيل (اتحفظ عن ذكر اسمه). هذا الصديق كان يتقاضى شهرياً مرتبا قيمته 350 دولاراً أمريكياً بينما انا كنت اتقاضى مرتباً قيمته 20 دولاراً أمريكياً. ولا داعي لذكر السبب فهو من فتح الغلابة وأنا من تنظيم الغلابى..

مرتبي سرق لعدة سنوات من دائرة شؤون الجرحى والأسرى والشهداء في دمشق مما اضطرني لادخال وساطات تم بعدها نقله الى عمان بعدما استعدت جزءا كبيرا من مستحقاتي. بعد أن انتقل مرتبي الى  الدائرة في عمان ارتفع المرتب من 20 دولاراً الى 100 دولار. ظللت اتقاضاه لعدة سنوات لكن منذ عدة سنوات لم أعد أتلقى اي مبلغ من دائرة شئون الجرحى والاسرى والشهداء في عمان. ترى من الذي اوقف مرتباتي ؟ ومن الذي ملّك نفسه هذا الحق ؟ وفي رؤية أخرى يمكنني التساؤل : من الذي سرق ويسرق مرتباتي ؟؟ ومن الذي اوقف مساعدة العلاج لوالدي والدتي منذ أكثر من 15 عاماً ؟؟ طبعاً هم انفسهم الذي يتاجرون بالقضية الوطنية الفلسطينية والذي افسدوا كل شيء جميل في فلسطين ، والذين اهانوا واعتدوا على الأرامل وبنات الشهداء والجرحى والاسرى ..

وأنا واحد من آلاف من جرحى وشهداء وأسرى هذا الشعب المقاوم العظيم .. وهذه الأمة المجاهدة يا أخت جميلة .. والى أن تستعيد أمتنا وجهها الحقيقي لا بد لنا من الصمود والعمل لأجل التغيير ..

 

* مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org