"مكان سيئ في الوسط"  - كتب عكيفا إلدار في صحيفة هآرتس

 

هناك سياسيون، وخاصة في اليمين، يقترحون قصف مصادر النار في قطاع غزة. المتشددون منهم يطالبون باحتلال غزة مجددا والبقاء هناك حتى إشعار آخر. هناك سياسيون، خاصة في اليسار، يدعون إلى تهدئة الخواطر وتجديد التهدئة. المتشددون منهم ينصحون بفتح مفاوضات مباشرة مع حماس. إلا أن جميعهم يتفقون أن الوضع الحالي، والذي فيه مواطنون يدفعون ثمن الصراع بين إسرائيل وحماس(وبين حماس وفتح) لا يمكنه أن يستمر.

الحكومات يمكنها أحيانا بل مضطرة للتحلي بضبط النفس، وامتصاص أضرار على المدى القصير، بل وضحايا بالأرواح. ولكن على شرط أن يعرف القائد إلى أين وجهته على الأمد البعيد. بعد التجربة المريرة لحرب لبنان الثانية، كان ممكنا توقع أن تبلور حكومة أولمرت استراتيجية واضحة على الساحة الفلسطينية . كان مسموح لنا أن نأمل أن يعترف أصحاب القرار بحدود القوة الهائلة للجيش في مواجهة جيش غير نظامي، وأن يبحث عن مخرج آخر.

كان يجب أن تعلم الأزمة المتواصلة في الساحة الجنوبية كل إسرائيلي عاقل أن الجلوس وعدم القيام بأي شيء، هكذا، ليس خيارا مقبولا . يمكن تشبيه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بالأعشاب الضارة؛ وطالما لم نقتلعها من جذورها ستواصل التمدد الانتشار في كل ناحية وتعمق جذورها في التربة. في بعض الحالات، مثلا في حالة فك الارتباط أحادي الجانب عن قطاع غزة، نصف عمل أسوأ من لا عمل. فرحيل إسرائيل من المنطقة دون شروط ارتسمت في عيون الفلسطينيين كنصر ساحق لمدرسة القوة على مدرسة الحوار. وهكذا بدا الأمر بعيون كثير من الإسرائيليين.

بالرغم من أن الانسحاب من غزة جرى دون اتفاق، أصبحت الصواريخ إثباتا قاطعا على فشل الجهود الإسرائيلية في التوصل إلى اتفاق على أساس " الأرض مقابل السلام".
تبين الاستطلاعات أن أغلبية ساحقة حوالي الثلثين من الإسرائيليين يعتقدون أنه لن يخرج أي شيء من المفاوضات مع الفلسطينيين. حيث أظهر استطلاع معهد طرومان أن نحو 60% من الإسرائيليين يعترضون على إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود 1967، وتقسيم القدس وحل متفق عليه للاجئين. من جانب آخر يشير مؤشر السلام المحتلن لمركز شطاينمتس أن أكثر من 70% من الإسرائيليين يؤيدون استمرار المفاوضات، ويقول حوالي 60% أنه يحق للفلسطينيين إقامة دولة مستقلة. كم هو مريح التواجد في المركز.

لقد تحولت أعراض الهروب التام من القرارات الصعبة في السنوات الأخيرة إلى وباء. فقد جلس السياسيون على الجدار- قدم هنا وأخرى هناك. وبات كافيا أن يقوم فلان بالإعلان أنه مع استمرار المفاوضات مع أبو مازن ويستنكر الـ "زعران" من الخليل، كي يبدو في عيون الناس كرجل مركز. هاك مثال، يوم أمس فقط نشر مكتب نتنياهو بيانا أشار إلى أنه أعلن خلال لقائه مع الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، أنه يؤيد إجراء مفاوضات مع الفلسطينيين. وأوضح البيان أن نتنياهو قال إن القدس يجب أن تبقى موحدة تحت السيادة الإسرائيلية. ومهم أيضا أن نعرف أنه قال لساركوزي أن إسرائيل ستبقى في هضبة الجولان. ويوم غد سنسمع أنه قال لأحدما إنه يؤيد تجديد المفاوضات مع سوريا، هذا مركزي إلى أبعد الحدود..

مفهوم ضمنا أن أي قرار (الأصح لا قرار)، حول الأزمة في قطاع غزة، مثل أي بيان للصحافة حول مسارات المفاوضات مع العرب، مرهون باعتبارات انتخابية. ويمكن غداة الانتخابات أن يقوم الرئيس المنتخب في الولايات المتحدة أن يُنزل إسرائيل عن الجدار ويجبرها على الانفصال عن "المركز " الدافئ. وماذا سيتعين على مواطن سديروت أن يفعل في 10 فبراير/ شباط؟ أن يقرأ بتمعن في الإعلانين الذين يظهران كل يوم جمعة في "هآرتس"، الأولى من اليمين تخبر "شعب إسرائيل" أن العرب في الضفة الغربية وغزة ليس لديهم حق في إقامة دولة، والإعلان من اليسار يطالب المرشحين لرئاسة الحكومة بالحفاظ على الصهيونية على أساس مبادرة السلام العربية.

فليقرر المواطن في أي من الطريقين هناك احتمال أفضل أن يخرجه من الملجأ وأي حزب سيقوده لهناك. السفر في وسط الطريق هي وصفة جيدة للصدام وجها لوجه.

 


ترجمة عرب48

22/12/2008