الطفل الأسير يوسف الزق يهنئكم بالأعياد

 

بقلم : نضال حمد

 

 

أن سألتم عني فأنا الأسير الطفل يوسف الزق ابن الأسيرة فاطمة الزق - أم محمود 43 عاما من حي الشجاعية بغزة، والقابعة بسجن هشارون برفقة أخواتها الأسيرات الفلسطينيات الماجدات . ولدت هنا في سجن هشارون تلموند وعشت أشهري ( أي عمري  كله) في هذا المكان. لا اعرف بيتنا ولم أره كما لم أر أبي وأخوتي وأخواتي في قطاع غزة.  بينما رأيت وحوشاً آدمية تعمل فيما يسمى مصلحة السجون الاسرائيلية .. هذه الوحوش تمارس الاذلال والاستعلاء والبشاعة على الأسيرات وأطفالهن الأسرى. رأيت أمي وشقيقاتها الأسيرات يذذن عني وعن الكرامة بكل ما أوتين من قوة وامل وانتماء لوطن كبير وأمة كبيرة.

 

سألت أمي زميلتها الاسيرة خولة زيتاوي التي تحررت مع طفلتها غادة أبو عمر، صديقتي في السجن، أن توصل قبلها وسلامها الى عائلتها حيث اشقائي وشقيقاتي. كانت غادة تسليني وكنت ألعب وألهو معها ، وكنا معاً في المعتقل طائران يرمزان للحرية المنتظرة. طارت غادة الى حريتها وأنا لازلت أنتظر الطيران. لم أر طفلاً أو طفلة غير غادة التي ذهبت وحلقت بعيداً ..

 

اشتقت لوالدى وإخوانى الذين يعيشون في السجن الكبير ، محاصرون ، مجوعون ، ملاحقون ، تقصفهم الطائرات والمدافع والزوارق الحربية والدبابات التي تحاصر غزة. يتألمون هذه الأيام ومع حلول الأعياد لأنهم لا يجدون المال كي يشتروا لي لعبة صغيرة أو لباس أكسوا به جسدي الصغير. أما إن وجد المال فلا توجد سبل وطرق لايصاله أو ايصال الهدية الى حيث أنا وأمي في سجن هشارون. حتى الأنفاق التي تحفر هناك لا تستطيع ايصالهم أو ايصال هديتهم لنا هنا. فصلحة السجن تمنع الزيارات وتحاول كسرنا بشتى السبل. لكننا لن ننكسر بل القيد سينكسر.

 

 قد تقولون أنني طفل صغير لم أكمل السنتين ولم أر النور خارج المعتقل لذا فكل شيء عندي اسود ومظلم مثل غرف المعتقل وزنازين السجون. لا يا سادتي فأنا أرى الدنيا بالألوان ، بألوان قوس قزح وبألوان علم بلادي، فقد حرصت أمي ومعها زميلاتها الأسيرات على تعريفي بألوان العلم الفلسطيني. كما حرصن على جعل زنزاتي غاية في الجمال من خلال الرسوم الملونة والديكورات المبتدعة من قبلهن. يخال الداخل الى زنزاتي نفسه في مكان محضر لاستقبال العيد ، فكل شيء ينقله الى تلك الأجواء التي تسبق حلول الأعياد. انها أمي التي تحاول أن تجعل عالمي في الزنزانة أجمل من عالم السجان. آه كم أحب امي وكم أكره اليوم الذي سيفصلني عنها ، فأخرج أنا الى حرية منقوصة الى السجن الكبير ، حيث عائلتي التي لا تعرفني ولا أعرفها إلا من الصور. بينما تبقى أمي خلف القضبان تكمل بقية عقوبتها الظالمة في سجن الاحتلال الغريب.

 

لا يا ماما .. لا أريد حريتي بدونك .. فأنا هنا سعيد لأنني معك، اسليك وأروح عنك .. فعندما تتذكرين أخوتي واخواتي أبناءك في غزة صحيح أنك تبكين ، وتبكين بالذات عند حلول الأعياد. لكنك تقبلينني وتحتضنينني فأعرف أنني جزء هام من فرحك المفقود وسعادتك الغائبة. وأعرف أنني أنزع عنك قليل من جبال الهموم والحزن التي تجلس فوق صدرك وعلى قلبك.

 

ايها العالم الذي يتذكر الأعياد وينسانا في غياهب السجن والبعاد .. أقول لكم بصوت مدوي يعبر البحار ويتخطى الجبال : كل عام والبشرية بخير ، والحياة بدون وحوش آدمية وسجون لا انسانية. أتمنى لكم يا اطفال العالم أعيادا مجيدة وسنة جديدة سعيدة .. وأ رسل لكم تحيات دافئة بالرغم من البرد القارس هنا في سجن هشارون تلموند ، الذي يصلح لأن يكون مقبرة للأحياء..  تهانينا لكم يا عرب بالأعياد والسنة الجديدة التي أمل أن لا تكون كما الحالية.  وأزف التهاني الى العالم المتحضر ، الذي سيحتفل بعد ساعات بالأعياد ..  أقول لهم التفتوا إلينا وتذكروا أن بابا نويل سيلعنكم لأن هناك بشر ، نساء وأطفال مثلكم في السجون والمعتقلات لا يعرفون الأعياد بالرغم من أنهم على مرمى حجر من بيت لحم مهد الأعياد ومدينة السلام المفقود.

 

 

*مدير موقع الصفصاف    www.safsaf.org