من زيارتي لمخيم عين الحلوة وحتى لقائي بسمير القنطار بعد 30 سنة انتظار

نضال حمد

02-12-2008

 وصلت الى مطار بيروت الدولي عند الفجر.. كان الطقس مقبولاً بالنسبة لي ، فقد تركت خلفي في النرويج درجات حرارة متدينة جداً. وجليد وثلوج. أما هنا فالنسمة الباردة أدفأ من النسمة الدافئة هناك. بعدما انهيت اجراءات الدخول بشكل سريع جداً وملفت للانتباه .. إذ أنها المرة الأولى التي تستغرق المعاملة دقيقتان فقط. . حيث جرت العادة أن ننتظر من ربع الى نصف ساعة لتكتمل الاجراءات. خرجت من المطار وكان في استقبالي شخص عزيز توجهت معه الى منطقة بضاحية مدينة صيدا عاصمة الجنوب اللبناني. نمت هناك وفي الصباح توجهت برفقته الى مخيم عين الحلوة عاصمة الشتات الفلسطيني كما يطلق عليه سكانه. في عاصمة الشتات واللجوء يحزن المرء لحال الناس وللأوضاع المزرية التي يعيشها سكان المخيم. فلا نظافة ولا صحة ولا هدوء ولا أمن ولا امكانيات وفقر وعوز وفوضى ومسلحون من كل الاشكال والالوان، منهم من يأخذك من خلال مظهره الى  "تورا بورا " في افغانستان، ومنهم من ينقلك الى " شيكاغو وتكساس" حيث فوضى افلام الكاوبوي المعروفة. بالمقابل هناك اضطهاد رسمي لبناني للفلسطينيين ، ومعاملة سيئة ، حرمان من الحقوق والحياة بكرامة، معاملة اسياد للعبيد والرق، اهانات و اذلال على الحواجز والمعابر وبوابات الجدار العازل الذي اقامه الجيش اللبناني حول المخيم. وسط كل هذا أول ما يلفت الانتباه الملصقات الكثيرة والمنوعة التي تقدم سمير القنطار كبطل قومي لبناني وفلسطيني وعربي وأممي. يقابل العائد الكبير على جدران المخيم جدار الحصار والعار الذي يطوق عين الحلوة.ينظر سمير الى رفاقه الشهداء في الصور والملصقات الكثيرة ، التي تتصارع احيانا كثيرة على احتلال الجدران. يتذكر حياته وسط الفلسطينيين وثورتهم المغدورة، وتعود به الذكرى الى وقفات عز وقفها مع رفاقه في جبهة التحرير الفلسطينية ، خاصة الذين ظلوا افياء لتراث وقيم ومبادئ الجبهة وقائدها الشهيد الراحل طلعت يعقوب. هذا الذي صادف دخولنا عين الحلوة حلول الذكرى السنوية العشرون لرحيله. عبرنا حاجز الجيش ويسمونه في عين الحلوة معبر" ايرتز " نسبة للمعبر القائم بين قطاع غزة وبقية فلسطين المحتلة. دخلنا عين الحلوة وماهي إلا دقائق قليلة حتى وصلنا منزل العائلة . خلال تلك الدقائق عرفنا من خلال اليافطات والاعلانات والملصقات عدد الذين ماتوا بين سفرتين أو زيارتين للمخيم خلال الأربع شهور الأخيرة.

اتصلت برفيق وصديق لي لابلغه بوصولي الى عين الحلوة قادماً من اوسلو ، فرد الصديق بدعوتي مساءً الى مخيم مار الياس في بيروت حيث يمكنني لقاء سمير القنطار قبل التوجه الى دمشق للمشاركة في الملتقى العربي الدولي لحق العودة - 23 و24 الشهر الفائت. كنت بشوق كبير للقاء صديقي سمير بعد غياب استمر 30 سنة. فقررت التوجه الى العاصمة بيروت للسهر برفقة رفيق الفكر والقيم والمبادئ والقواعد و السلاح الملتزم و جيل التحرير ... انتظرت مع رفاق واصدقاء آخرين وصول سمير الى المكان المحدد . وكان في انتظاره هناك الرفيق والصديق محمد ياسين ، مسؤول جبهة التحرير الفلسطينية في لبنان ومعه صديق آخر هو مجدي أبو فادي وكثير من رفاق ومحبي سمير القنطار. لم يكن سمير قد رآني ولا عرف شكلي وصورتي هذه الأيام ، ولم يبلغه محمد بوجودي في المكان ضمن مستقبليه ، تركها مفاجأة لسمير ولي كذلك، حيث اعتقدت انه ابلغ سمير وبسام القنطار بوجودي ضمن المستقبلين. دخل سمير مبتسماً كعادته ، حيا الحضور فرداً فردا وعانقهم جميعاً. و عند وصوله الى مكاني واصل ترحابه العادي ، تعانقنا وتبادلنا التحيات والسلام والقبل ، كمن سبقنا من الحضور. وقف سمير ينظر في وجهي وأنا ابتسم واكرر كيفك ابو سمرة؟ .. هذا المصطلح كنت اردده عبر الهاتف على مسامع سمير وهو في زنزانته. قاطعنا محمد ياسين سائلاً سمير : هل تعرف من هذا ؟ حاول سمير ان يفعل ذاكرته لكنها خانته .. قال محمد : هذا صديقك ورفيقك نضال .. عاد سمير ليحتضنني من جديد و اعادة السلام والتحيات وتبادل الكلمات والذكريات مستحضرين بدقائق معدودة محطات كثيرة وعديدة قبل وبعد الأسر

 

جلس سمير مقابلي وكان كثير النظر والتجوال على جدران المكتب حيث علقت صور الشهداء. فسأل عن الذين لا يعرفهم واستفسر عن كيفية وأمكنة استشهادهم. ثم بدأ الحديث عن السنوات الماضية وأخذ يسأل عن رفاق واصدقاء له منهم من استشهد ومنهم من فقد اثره ومنهم من هاجر الى اوروبا. تحدثنا عن اشياء كثيرة وانتقنا الى مواضيع عديدة منوعة. وبقيت السهرة مستمرة من السابعة حتى الحادية عشر ليلاً. بعدها اتفقت وسمير على التلاقي من جديد في دمشق حيث ابلغني بنيته الذهاب الى سوريا تلبية لدعوة من الرئيس والحكومة هناك. سافرنا الى سوريا كل على حدة والتقينا هناك مرتان الأولى في سهرة حاصة بفندق الشيرتون بدمشق والثانية في مهرجان اقامته جبهة التحرير الفلسطينية في مخيم اليرموك لتكريمه، وحضرته حشود فلسطينية وعربية ضخمة. كان المهرجان وساماً جديداً يضاف الى اوسمة سمير القنطار. حيث وبالرغم من حالتهم المادية الصعبة استطاع رفاقه ان يقوموا بما يجب ان يقموا به لاجله. فأقاموا مهرجانا يليق بالبطل العربي الكبير وبرفاقه الشهداء ، شاركت فيه فرقة الكرامة التونسية القومية التي اطربت الحضور باناشيدها المقاومة. وكذلك فعل الفنان الفلسطيني الشعبي الكبير ابوعرب. وقد تم تكريم سمير من قبل الجبهة ومؤسسات أخرى. والافت ايضا قيام الجبهة بتكريم المناضل المقاوم والناشط الدؤوب الواقف دائماً على خط التماس ، بسام القنطار شقيق سمير وحامل لواء قضيته خلال السنوات الماضية. كانت تلك التفاتة موفقة من قبل قادة جبهة التحرير الفلسطينية، حيث سلمه علي عزيز الناطق باسم جبهة التحرير الفلسطينية درعاً فلسطينياً.

في كلمة هامة أكد سمير التزامه خيار المقاومة وشكره لقائدها السيد حسن نصرالله الذي قال انه يعيش في ظروف امنية صعبة لأن الاحتلال يستهدفه. وتساءل عن سر بقاء القيادة الفاسدة والمهادنة في فلسطين ، وأضاف ان الشعب الفلسطيني هو أعظم شعب قدم ومازال يقدم التضحيات ويخرج افواج الاستشهاديين والشهداء والاسرى والمناضلين. فكيف يقبل الشعب بهذه القيادة؟ وقال لا تحاسبونني على ما قمت به في نهاريا فهذا اصبح من التاريخ حاسبوني على ما ساقوم به مستقبلاً. كان الجمهور متجاوباً مع كلمات القنطار. في كلمته حيا ابو نضال الاشقر نائب امين عام جبهة التحرير الفلسطينية سمير ورفاقه الاسرى والشهداء والجرحى والمناضلين والصابرين ، الصامدين من ابناء شعب فلسطين وأمة العرب. وأكد على مواصلة الكفاح والمقاومة لأجل تحرير فلسطين.

 

مع سمير في دمشق

 

لقاءي بسمير القنطار يحتاج لوقفة اخرى مع القلم .. لذا سوف أعود لهذا الموضوع في المستقبل القريب..

يتبع