زيت و زعتر

 

قصة نضال حمد



جلس القرفصاء ، أخذ يحملق في الصحن و لم يكن فيه سوى قليل من الزعتر والزيت وكسرة خبز لم تفقدها الأيام لونها. هم بالقبض على الكسرة لكن صوتاً من خلف النافذة المشرعة ناداه :

ابراهيم يا ابراهيم !
قفز مسرعاً نحو الصوت ، ألقى نظرة فرأى عجوزاً يجلس تحت شجرة الزيتون.

ماذا تريد ايها الشيخ؟

أريد أن أتقاسم طعامي معك .. تعال لنتناول الطعام..

لم يفكر طويلاً ، خرج بعد أن أخذ صحنه وكسرة الخبز.

جلس امام الشيخ وأخذ يحملق في وجهه..كان وجه الشيخ مجبولاً بالزعتر والزيت .. اعتقد ابراهيم انه يهذي ...

قال له الشيخ : انا شيخ الزعتر والزيت ولدت هنا في زمن سيدنا نوح. وهذه الأرض الطيبة منذ ذاك الزمن وهي تعطينا الزعتر والزيت. لا يوجد مكان آخر في الدنيا يضاهي بجماله هذه الأرض. فماذا فعلتم كي تستردوها من الذين اغتصبوها ؟

وجد ابرهيم نفسه في موضع المستجوب فرد بسرعة : نحاول يا شيخنا ما استطعنا .. لكن كل الدنيا تقف ضدنا .. فالذين سرقوا الأرض يسرقون الآن الأطعمة والأكلات الشعبية واللباس والأغاني والآثار ..

يسرقون منفانا بعدما سرقوا الوطن... حطوا خلف الظهر روم ، وجعلوا من اولياء الأمور عبيداً لهم.

قال الشيخ : عليكم الحفاظ على الزعتر فهو رمز ديمومتكم وعلى الزيت لأنه توأم الزعتر في هذه البلاد.

ولا تنسى أن تعلم اطفالك تاريخ زعتركم وزيتكم . فهؤلاء أمانة في صدرك.

لكني لازلت عازباً وأقسمت أن لا أتزوج حتى استعيد أرض اجدادي.

لا يا بني تزوج فالأرض تحتاج للصغار وللكبار ، يموت الكبار فيحمل الصغار الشعلة ويمضون بها الى حياة لا تسر الأعداء.

سأروي لك يا ابراهيم حكايتي مع الزعتر والزيت :

عندما حاصر الأعداء مدينتنا قاومناهم لكننا خسرنا المعركة فاستباحوا كل شيء ، ولأنني عجزت عن تحمل الموقف ، دخلت بيت الله وبعدما توضأت وصليت، طلبت من الله ان يحولني الى اي شيء آخر غير بني البشر. فقبل ربنا الدعاء واظهرني على هذا الشكل، انسان من زعتر وزيت ، يدخل كل بيت. كنت ارى في البيوت حياة الناس واسمع مشاكلهم واشاهد طرق حياتهم. ولكنني لم اكن استطيع التدخل لحل ايٍ منها. أما الآن فقد حصلت على إذن يخولني أن احث الناس على مقاومة الواقع وتغييره لأن أهل بلدك يا ابراهيم هم شعب الحياة المختار وهم شهداء الموت المختارون. لهم الحياة الآن ولهم البقاء بعد الموت.
تفضل يا بني وغمس من صحني المبارك ، تذوق زعتري وزيتي لتستمد من قوتي. وبعد الانتهاء أحمد ربك القدير ، السميع والمجيب. واطلب منه الغفران ونصرة أهلك.

مد ابراهيم يده وغمس كسرة الخبز بالزيت ووضعها فوق الزعتر فغاب الصحن من امامه واختفى الشيخ ووجد نفسه يمسك بكتاب عنوانه " شعب كنعان".