عاصفة منتصف الليل

بقلم نضال حمد

لم ينم طيلة ليلة كاملة،ظل يتقلب في سريره كدجاجة فوق نار حارقة، فقد شرب كمية كبيرة من الخمر ، ظلت تسري في شرايينه ،مما أثقل رأسه وجعله بلسانين... ردد في سريره مرتجفاً: البرد، اللعنة على البرد.. في الخارج بدت سرعة الريح أسرع من الدوار في رأسه.. إنه البرد، آه منه، فالبرد هو الذي جعله يتقلب ذات اليمين وذات الشمال إلى أن نام بدون شعور ودونما خوف أو إحساس بالعاصفة وانعدام السلامة والأمان..

اعتاد شرب الخمر منذ بدأ العمل بحاراً على متن سفينة أجنبية. طافت بلاده، وطاف معها الموانئ و البحار.. تعلم كذلك على متنها معاشرة حوريات البحر وشابات الموانئ.. لم يغب عن باله أول إبحار مع السفينة بالاستينكا،حيث عانى يومها الأمرين من دوار البحر ودوار الخمر ودوار الشمس ودورة العمر على سرير عابر في ليلة عابرة..

قال لها : مارسالينا .. كل شيء في حياتي عابر .. حتى أنت ستكونين كذلك ..

لم ترد مارسلينا التي انتشت روحها به واشتعل جسدها لهيبا معه .. لم تقل شيئا ، اكتفت بهزة من رأسها عنت موافقتها.. تقدمت نحوه ، دنت من أذنه وهمست : لكني لن أنساك يا سرخان (سرحان).. فقد أحببتك لأنك مثلي بلا إنوان (عنوان) ، (خر) حر ، تتقاسم (الخب) الحب و (الخرية)الحرية و (الخياة)الحياة مع من هم مثلك... أجادت مارسلينا بعض الكلمات العربية من خلال معاشرتها للبحارة، لكنها لم تستطع فك طلاسم الحاء والعين في لغة الضاد.

قال لها كل هذه الخاءات ( من حرف الخاء) دليل قاطع على ان حياتنا خراء بخراء ..
قالت له لا لا سرخان .. خياتنا خلوة ..
مارسلينا! قولي بحرة فوقي وبحرة تحتي
ردت : بخرة فوقي وبخرة تختي ..
أرأيت الحياة شيء بخري يا خلوتي و حلوتي ..

تراءت له وهو يهم بصعود سلم السفينة، صورة جده البحار، الشيخ الهارب من مصيره، يحمل أطفاله ومتاعه وزوجته المصابة بشظية..وضعهم على متن زورقه الصغير وترك خلفه كل شيء.. فر هرباً من الغزاة الذين كانوا أكثر قسوة وعدوانية من قراصنة البحر، وأشد فتكاً بالناس من سمك القرش. تذكر سرحان جدته،بسمتها المبللة بدمع تساقط على خديها وهي تقص على مسامعهم حكاية الهرب من الموت. لم يفهم بداية كيف ان جدته تبكي مبتسمة. ومع الزمن عرف أن البسمة تعلو شفاه الأهل بالرغم من الجراح. تذكر أيضا إصرار جده،حين حدثهم عن هبوب الرياح العاتية واشتداد دوار البحر.. كان التيار قويا وعاتيا ، لكن الجد فكر بزوجته المصابة وبطفله الصغير.. ظل يقاوم ويجمع قواه ويرتل ما حفظ من الذكر الحكيم، حتى ابتعد عن الشاطئ، شاقا عباب البحر، متجها نحو عالم جديد. وبعد وصوله بر البلاد المجاورة ، شاهد الملائكة وهي تقوم بإجراء مراسيم دفن ملائكية لقلبه الذي ظل هناك في ساحة بيته المسلوب.

ركب سرحان البحر في طريقه إلى العالم الحديث مثقلا بتلك الذكريات.. تعلم خلال ركوبه البحر أشياء كان يجهلها... أشياء جديدة، من ومع المرأة الشبح كما سما مارسالينا ، بطاقته إلى الحرية. برغم حبه لها وتعلقه بلهيبها ، ظل يقول بداية الأمر أن العفاريت والشياطين والجن ركبته ..فكيف يمكنه وهو لم يطبق العشرين من عمره ركوب كل تلك الأشياء خلال فترة وجيزة..لأول مرة في حياته..اقتنع سرحان ان لمغامراته البحرية علاقة بقوة خارقة، أو أنها بمساعدة الجن، المهيمن على مثلث برمودا.أو بدعم من أرواح الهنود الحمر، التي لجأت الى البحر، للاختباء من سفن الموت القادمة من وراء البحار. فهناك كثير من الصفات المشتركة بينه وبين الهنود الحمر. يكفي شراكته لمارسالينا عواصف الحياة على متن السفينة.

عندما وضع قدمه على سطح السفينة بالستينكا، رفع يداه شاكرا الله على هديته في الثامن من آذار / مارس. قبل ذلك اليوم لم يسمع بيوم للمرأة في بلاده.. لاحظ الفتى سرحان أنهم على متن السفينة احتفلوا بيوم حواءهم. ولم يكن هو أسوأ منهم لأنه بنفس المناسبة احتفل بيوم مارسالينا بشكل يليق بفحل في أول طلعته...كان أيضا يومه،بداية حياته الجديدة. ذكرته الاحتفالية الغريبة معها بحكايات الشابات الشقراوات اللواتي كن يتقربن من الصيادين والفلاحين في بلاده المسلوبة، حيث تنتهي بعض الليالي بقيام بعضهم بتوقيع أوراق بيع ممتلكاتهم للشقراوات، ومن شغلهن في خدمة مشروع الاستيلاء على أرض اللبن والعسل.

لم يشك بصدق مارسالينا السمراء. جارته في الكابينة على متن السفينة.. شابة بعمر الورد، مثل القهوة بالحليب، ممشوقة القد ، مجبولة الجسم ، مجعدة الشعر، ذات بسمة وأسنان بيضاء مثل الثلج. عرف فيما بعد أنها من أم هندية حمراء، من قبيلة تؤمن بالمحبة والحياة. علمته "مارسالينا" بعد عدة ليالي من السفر المشترك بحرا، انه من الصعب على أهل البحر السفر دونما شركاء ورفقاء درب.

عندما حل يوم الفراق وغادرت مارسلينا السفينة في ثالث توقف لها في ميناء بحري كبير لم يعد يذكر اسمه.ودعته بحرارة آلهة الشمس والحب .. شعر عندها انه فقد كل شيء في الميناء المجهول.فكر أن يلحق بها.لكنها ردته بنظرة من عينيها،خوفا عليه من الأيام ومن مهنتها. فهي حرة وتمارس حريتها كما تريد.. لم ترغب الارتباط به بالرغم من شعورها القوي هي أيضا بشيء جذاب وغريب يشدها إلى هذا الفتى المبتدأ.

مضت سيدة لياليه البحرية ، شهرزاده الهندية ، شوكولاتته اللذيذة ، قهوته بالحليب ، خمرته ورفيقة سفره... لوح لها بيده طويلا، ظل يفعل ذلك رغم تواري رصيف الميناء وابتعاد السفينة عن اليابسة. مضت مارسالينا لتمارس حريتها بينما ظل هو على متن السفينة بدون وجهة ،حبيس حريته البحرية ، ورهينة للحظات أعادت له وجه جده الذي عشق البحر وعرف أسراره وخباياه ، حيث كلم الأسماك بلسان تفهمه ، والأمواج بنظرات تعرفها. جده لم يجد الوقت ليودع كل تلك الأشياء التي أحبها ، حين فاجأته عاصفة البشر الغرباء فوق أرضه، وفي حديقة بيته.. لم يكن عندها يفكر سوى بإنقاذ عائلته من الموت. ترك البيت والساحل والبلدة، ولم يتمكن من العودة إليهم. مات غريبا في بلد مجاور ظل يعتبره كذلك حتى بعد موته. صنعوا له تابوتاً من خشب زورقه الذي أوصله إلى منفاه.. وهكذا تم دفنه بطريقة بحرية مبتدعة، كان نفسه أوصى بها قبل مماته. دفنوا جثمانه في البلد الجديد بينما قلبه ظل هناك في بهو المنزل الأول ، تحت حراسة الملائكة.

جرع سرحان شرابه الذي جعل الرأس أخف من الكأس، واللسان أثقل من الإنسان،حاول تخيلها،أمعن النظر في سمارها الخلاب. رآها آلهة مجبولة من التمر والتراب والشوكولاته.. اشتهاها،فصفص حبات فستقها،التهم كل شيء قبل ان يشعر بالدوار يلفه ويرميه.. ارتمى على سطح السفينة.. شاهدها قادمة تمشي فوق الأمواج وعلى سطح البحر.لكنها لم تصل.. ذهبت كما ذهب بيت جده..
حضرته أوقاتهم الليلية الدافئة وحديثه معها عن بلاده التي لم يرها قط.. وكيف انها استغربت منه ، لأنه روى لها تفاصيل دقيقة وصف فيها كل شيء في بلدته، مع انه ولد وعاش وكبر في بلاد أخرى. ولم يتسن له رؤية بلاده ولو مرة واحدة خلال سنوات عمره العشرين. أحيانا كانت تظن انه يبالغ في أحاديثه بسب كمية الكحول التي يشربها.. لكنها اكتشفت مع الأيام ان الأمر أكبر من الكحول. فالشاب العشريني يحفظ أحاديث أجداده بدقة بحيث أن الذي يسمعه يعتقد انه عاش كل تلك التفاصيل الدقيقة. حسدته على تعلقه الشديد بأرض جده ومنزله وزورقه وحكاياته.. بينما حسدها هو على قبولها العيش بلا وطن سوى السفن والموانئ والأسرة العابرة..

ظل سرحان تلك الليلة يشرب الخمر دون توقف، وصلت سفينته عند منتصف الليل إلى منطقة اشتدت فيها العاصفة البحرية. في تلك اللحظة واصل سرحان حديثه للجد،الذي بلغ نهاية رحلة عبور البحر من بلد إلى بلد. رحلة الجد البحرية، وهو يصارع العاصفة بكل ما لديه من قوة وخبرة وإيمان. راقبه سرحان بعيون مشدودة وفاه مشدوه.. رأى براعة جده في تحدي الإعصار..أصر الجد على رفض السماح للإعصار بابتلاع أيا كان من الذين على متن مركبه الصغير.

شرب سرحان نخب جده الإنسان، ولكنه لم يكن يدري بنفس الوقت انه اقرب إلى أن يبتلعه الإعصار من جده الذي وصل بر الأمان.. لم تغرق السفينة لكن سرحانا غرق من شدة الخمر، فقد نام ثملا دون ان يعي انه كذلك..ذهبت سكرته وجاءت فكرته عندما وجد نفسه يعوم بما حملته العاصفة من مياه غطت أجزاء من السفينة.

 

03-01-2007