الوحل

 

قصة نضال حمد

 



فتحت دفترها الصغير الذي دونت فيه بعض مذكراتها فوجدت نفسها في الصفحة العاشرة .. حيث مقاطع من رسالة لصديق مضى.. قرأت : قلبان نحن في قلب واحد وجسدان في تابوت .. حلفتك بحبك أن لا تموت .. لا تمت ايها الخارج من دائرة الضجيج الى السكوت .. لا تمضي وتتركنا هنا ".

أحست بدمعة سالت على خذها الأيمن ، مسحتها بكم قميصها وتابعت القراءة :
" اوصله واقع حال البلد الى بلادٍ نائية وبعيدة. لم يكن يسمع باسمها...
حصل ذلك بعدما في يوم ما سالت دموع البشر في كل ارجاء بلدته.
ففي اليوم المذكور رأى الأشباح الحقيقية وهي تتلذذ بتعذيب البشر :
كل شبح فعل الذي لم يفعله الشبح الآخر.
رأى جراحاً كثيرة ، نازفة.. بدون مسعفين وبدون منقذين. أنوا ألماً وصرخوا وكفروا وأستغفروا ، ورغم ذلك لم يأتهم معين ...
وقف عاجزاً عن تقديم العون ، كأن شيئاً كبل يديه وثبت قدميه في الوحل.
وحل غريب اجتاح كل المنطقة..
وحل فوق الأرض ثابت وآخر متحرك..
الأول لاحق باشباحه الفراشات الملونة والعصافير الصغيرة التي كانت تغادر اعشاشها هرباً من نار جهنم.
والآخر غرقت فيه الجموع التي داهمتها العتمة...

في البلد الجديد رأى فراشات ملونة تشبه كثيراً تلك التي دفنت في الوحل .. كما رأى عصافير الجنة تحلق حاملة اوراقاً بيضاء ومتنقلة بين الشجيرات بحرية تامة.".

سالت على خذها دمعة أخرى فمسحتها بكم قميصها. وتذكرت قوله : " إن عشنا هذا اليوم سوف نترك معاً هذا البلد، لم يعد لنا مكان في هذا الوحل .. وإن مات أحدنا فليسافر الآخر حاملاً أمانة الذكرى وناقلاً الفكرة الى عالم لا وحل فيه ...

قالت له لا تكن متشائماً ..
قال : لن نبكي لأن الدرب لن يكن دوننا .. فنحن لسنا سوى مشروع حياة لمستقبل أفضل وأجمل ، مستقبل تشع من طاقاته بوارق الأمل و من ابوابه يأتي النجاح ومن نوافذه العودة الى الاصل... سنسافر معاً الى حيث يمكننا رسم مراكب صغيرة تحملنا الى شاطئ الطفولة .. سنمضي من الوحل الى المدرسة حيث سنكتب في كراساتنا المدرسية : لا وحل بعد اليوم .. لا سفر .. فالبقاء للوطن ".

وضعت كراستها فوق ركبتها ونظرت الى الأعلى فرأت طائراً أبيض يحلق ماضياً الى حيث لا تدري ... قالت له لما رأته : كيف مضت رحلتك من الوحل الى حيث أنت الآن ؟