كتاب لوزير خارجيّة النروج يثير الصهاينة - نضال حمد

نضال حمد مع نسحة من كتاب الوزير ستوره


صدر منذ فترة عن دار النشر النروجية المعروفة كابيلين دام كتاب لوزير الخارجية النروجي يانوس غاهر ستوره بعنوان أن تقوم بشيء مختلف مع عنوان إضافي تحت العنوان الرئيسي. يتألف الكتاب من 352 صفحة. قدّم الوزير كتابه في لقاء مع الصحافة والمهتمين. هذه هي المرة الأولى التي يؤلّف فيها وزير خارجية نرويجي كتاباً وينشره، يتحدث عن قضايا تهم النروج ومصالحها وسياستها والمهمات التي تقوم بها وزارة الخارجية، وعن اللقاءات التي جمعت الوزير مع شخصيات عالمية، سياسية وغير سياسية. وعالج الوزير في كتابه قضايا مثل حقوق الإنسان والقمع والديكتاتورية، والفقر والحروب. كما تطرق إلى مسائل داخلية نرويجية مثل الاقتصاد والضرائب وأمور أخرى.


بالنسبة للقارئ العربي، فإن القسم الذي خصصه الوزير ستوره للكتابة عن المستوطنين الصهاينة في فلسطين المحتلة يُعدّ أهم شيء. يقول الوزير إنه في سنة 2006 زار البلدة القديمة في مدينة الخليل الفلسطينية، وشاهد بأم عينه كيف يحيا الفلسطينيون هناك. وكيف يعامل المستوطنون 26 ألف فلسطيني في المدينة.


أضاف ستوره أن الفلسطينيين يتعرضون للتنكيل والتحقير، مثل رمي النفايات عليهم يومياً، ولإغلاق متاجرهم، والضرب والإهانة. وجاء في كتابه أيضاً هناك شعارات عدائية كتبها المستوطنون على واجهات المحال العربية باللغة الإنكليزية، مثل الغاز للعرب. في ردة فعلها على ما جاء في الكتاب، أعربت مصادر إسرائيلية عن غضبها وانزعاجها الشديدين مما ضمّه الكتاب عن زيارة الوزير النروجي للبلدة القديمة في مدينة الخليل سنة 2006. انزعجت من ملاحظات الوزير التي دوّنها عن حياة السكان الفلسطينيين الـ26 ألفاً وطريقة تعامل المستوطنين معهم، والإرهاب الممارس ضدهم منذ سنوات من جانب المستوطنين المتطرفين. وكذلك حرمانهم من الحياة العادية والطبيعية، والاعتداءات المتكررة عليهم.


كتب ستوره في كتابه: إن المحال التجارية الفلسطينية مغلقة، ومصدر دخل السكان الفلسطينيين مقطوع، وإنهم يتنقلون في البلدة وهمهم حماية أنفسهم من الاعتداءات والتنكيل والنفايات التي يرميها عليهم المستوطنون المتطرفون. قال إنه قرأ بنفسه شعارات بالإنكليزية كتبها المستوطنون على محال فلسطينية مغلقة مثل: الغاز للعرب، في إشارة إلى أفران الغاز النازية التي يتحدث عنها اليهود منذ الحرب العالمية الثانية. أكثر ما أثار الإعلام الإسرائيلي تشبيه الوزير ستوره في كتابه تعامل المستوطنين الإسرائيليين في الخليل مع السكان الفلسطينيين بالمعاملة التي كان يتلقاها اليهود في أوروبا خلال سنوات الثلاثينيات من القرن الفائت. هذه النقطة بالذات هي التي أثارت غضب الكيان الصهيوني. لأن في التعبير تشبيهاً بين أعمال النازية ضد اليهود في أوروبا وأعمال المستوطنين ضد الفلسطينيين في فلسطين. ومع أن التشبيه صحيح، والمعاملة الصهيونية للفلسطينيين أبشع من معاملة النازية لليهود، وتظهر ذلك الصور والأفلام والوقائع اليومية، إلا أن الصهاينة يرفضون الاعتراف بذلك.


في معرض رده على سؤال عن تلك المقارنة، قال ستوره: أنا سجلت ما شاهدته بأم عيني في الخليل، أما كيف يفسر القراء ما جاء في كتابي، فهذا شيء آخر.هذا وأعلن متحدث إسرائيلي أن سفارة كيانه في أوسلو ستدرس وتجمع المعلومات عن كتاب الوزير وتقييمه قبل أن تعقب عليه. وأضاف أنه لا أحد يمكن أن يصدق أن وزير الخارجية النروجي قد كتب مثل هذا الكلام. أما صحيفة يديعوت أحرونوت فقد اتهمت ستوره بأنه اعتبر المستوطنين مثل النازيين. ستوره نرويجي من العاصمة أوسلو ومن قادة حزب العمل الحاكم، ووزير الخارجية النروجي الحالي، سبق له أن عمل رئيساً لمنظمة الصليب الأحمر النروجي وكانت آنذاك مواقفه أكثر صلابة ضد الإرهاب الإسرائيلي في فلسطين المحتلة. وكان يُعدّ من التيار المؤيد للفلسطينيين داخل قيادة الحزب. أذكر أنه قبل الإعلان عن اختياره وزيراً للخارجية، أبلغتني صديقة وهي عضو في قيادة الحزب وفي البرلمان النروجي، أن صديقكم سوف يصبح وزيراً للخارجية.


لكن صديقنا بحسب تعبير صديقتنا لم يكن في الوزارة صاحب مواقف جريئة وثابتة مثلما كان في جمعية الصليب الأحمر. بل عمل كمن سبقه في هذه الوزارة. هذا وسبق للسيد ستوره عندما كان لا يزال رئيساً للصليب الأحمر النروجي، أن قام بزيارة إلى القدس ورام الله خلال الانتفاضة الثانية، حيث شاهد بأم عينيه الإرهاب الإسرائيلي والحواجز والإغلاقات والحصارات والاعتقالات والسياسة الدموية المتبعة ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، وكذلك في قطاع غزة.


ويُعدّ الطاقم المقرب من ستوره في وزارة الخارجية من المقربين أو المناصرين للحقوق الفلسطينية المشروعة. ونعني بالذات وجود ريمون يوهانسن وغري لارسن إلى جانبه، الأول نائبه ومسؤول ملف الشرق الأوسط، والثانية مستشارته للسياسات الخارجية. وسبق ليوهانسن عندما كان مديراً لوزراة الخارجية أيام الوزير ثور بيرون ياغلند (حالياً رئيس البرلمان النروجي)، أن تعرض لحملة صهيونية على خلفية تصريح قال فيه إنه من حق الفلسطينيين الدفاع عن أنفسهم واستخدام الكفاح المسلح كما نصّت عليه القوانين الدولية لتحرير أرضهم المحتلة. أما غري لارسن فقد أعادها الاحتلال مرتين أو أكثر من معبر رفح ومطار بن غوريون خلال الانتفاضة الثانية. وعندما كانت رئيسة لمنظمة الشبيبة التابعة لحزب العمل النروجي، أُعيدت بسبب مواقفها القوية المؤيدة للفلسطينيين والمعارضة للاحتلال الإسرائيلي وممارساته. وكانت غري لارسن تنوي تقديم شارون لمحكمة نرويجية بسبب ارتكابه جرائم حرب. على كل حال، ومهما كانت مواقف هؤلاء أضعف مما يجب في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للحكومة النروجية، المتعلقة بقضية فلسطين، إلا أنهم يبقون في الخط الذي لا يعادي الفلسطينيين ويتفهم قضيتهم. ويكفي ستوره أنه ملك من الجرأة ما جعله يتحدث في كتابه الهام عن المستوطنين وعنصريتهم ونازيتهم.


 

عدد الاثنين ٢٤ تشرين ثاني ٢٠٠٨

***************

 

في وداع الرفيق الراحل أبو حسن جبر

 

نضال حمد


عرفته في مربّع الفاكهاني الثوري سنة 1980، وتحديداً في حي السبيل بالطريق الجديدة، حيث عملنا معاً ومع رفاق آخرين في مكان واحد. وكان الرجل مسؤولاً عن مجموعة من رفاق الدرب، وكنت واحداً من تلك المجموعة. عملنا في مكتب الأمانة العامة لجبهة التحرير الفلسطينية تحت رعاية القائد الشهيد طلعت يعقوب، الأمين العام للتنظيم. لا بدّ من الشهادة بأن هذا الفصيل أنجب رموزاً ثورية ومناضلين مميزين. أيضاً خرج منه وللأسف، أفراد لو كان بإمكاني نسيانهم وشطبهم من تاريخ المسيرة لفعلت ذلك. لكن تلك هي سنّة الحياة ولا بدّ للحقيقة من أن تدوّن كما هي وبدون تحريف.


كان أبو حسن جبر بكل فخر وكبرياء واحداً من الفلسطينيين المميزين بعطائهم لفلسطين. وقلائل هم الذين يعرفون سيرة الرجل الحقيقية، فقد آمن منذ بداياته الأولى في مخيم برج الشمالي بالعنف الثوري طريقاً لاستعادة الحق السليب ولتحرير فلسطين كل فلسطين. وآمن أيضاً بما آمن به في تلك المرحلة كثيرون من أبناء شعب فلسطين، وهو أن الطائرة للجميع، وأن كل الطرق تؤدي إلى فلسطين. فمارس قناعاته وركب الطائرة وحلّق عالياً قبل أن يعتقل في سجون الأنظمة العربية، ليخرج في ما بعد من السجن أكثر عنفواناً وانتماءً لكامل تراب فلسطين.


في جمهورية الثورة المنفوشة بالفاكهاني، وفور لقائي به للوهلة الأولى، تولّد لديّ شعور غير مريح اتجاهه، ظنّاً مني أن الرجل عنجهي ومغرور ولا يضحك للرغيف الساخن كما يقول أهل مخيماتنا الفلسطينية في لبنان.


بنيت حكمي عليه من دون سابق معرفة به، ومن النظرة الأولى واللقاء الأول. لكنني بعد أيام من معرفته اعترفت بأن حكمي كان خاطئاً وفي غير محله، إلا بالنقطة الأخيرة منه. فأبو حسن رفيق وصديق وإنسان متواضع وطيب وابن مخيم وثورة.


أما أنه لا يضحك للرغيف الساخن فهذه حقيقة، لأنه كان من الصعب على أي كان أن ينتزع منه البسمة. لكن بالرغم من ذلك كان لضحكته ميزة خاصة مثل سيرته النضالية المميزة.


أثناء حصار بيروت 1982، تميز أبو حسن جبر بالشجاعة والجرأة وحسن القيادة والتنظيم. بقي ملازماً ومرافقاً لرفاقه طوال فترة الحصار. بندقيته على كتفه وجعبته على صدره. يقود سيارته وسط القذائف والصواريخ وغارات الطائرات التي كانت لا تنقطع ولا تتوقف عن بيروت المحاصرة. يتقاسم الطعام الشحيح والماء مع رفاقه المقاتلين. ولا ينسى زوجته وأطفاله في شقته في إحدى عمارات الفاكهاني بالقرب من المدينة الرياضية. كان يصعد السلالم كل يوم ليوصل الطعام والماء لزوجته وأطفاله. عندما غادرت قوات منظمة التحرير الفلسطينية بيروت المحاصرة على متن السفن باتجاه التيه الجديد، توجه أبو حسن جبر بصحبة رفيق عمره ودربه أبو جمعة مع الرفيق القائد طلعت يعقوب إلى سوريا. توادعنا وتعاهدنا على اللقاء من جديد في بيروت، وإن عزت بيروت ففي فلسطين.


لكن، بعد ذلك بأسابيع قليلة، حصلت مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول 1982. كنت مع رفاقي ورفاق أبو حسن جبر نقاتل الصهاينة على مقربة من شقته التي كانت خالية من سكانها. هناك استشهد بعض رفاقه (محمد أبو الفداء) وأصبت أنا إصابة خطيرة جداً. لكن كتبت لي الحياة من جديد فغادرت بعد أشهر بيروت للعلاج وعدت بعدها إلى سوريا عبر مطار دمشق الدولي.


عرفت يومها أنّ حريقاً كان اندلع في منزل أبو حسن جبر أدى إلى وفاة زوجته، وأنه حاول إنقاذها وإطفاء النار بيديه مما أدى إلى إصابته بحروق أودع على أثرها المستشفى. قمت في اليوم التالي برفقة الرفيق أبو صالح هشام بزيارته في المستشفى. وكان رفيقنا أبو صالح منزعجاً جداً لأن مجموعة من خيرة رفاقه كانت ترقد في المستشفيات. أبو حسن جبر، أبو الفهود العراقي (استشهد إثر تلك الجراح)، أبو رفيق التونسي، وطارق (نسر الليل) أحد أقربائي وصديقي ورفيق عمري. وأنا بدوري كنت بالكاد أستطيع التقدم بضع خطوات. هذا كله جعل أبو صالح هشام يخرج من طوره ويقول: إن القدر يخطف منا ويصيب أنجب رفاقنا.


بعد فترة، أي تحديداً سنة 1983، حصل الانقسام والانشقاق في فتح ومنظمة التحرير وانعكس ذلك على جبهة التحرير التي غادرها نائب أمينها العام الراحل أبو العباس ملتحقاً بالراحل ياسر عرفات، ومعلناً انشقاقه عن التنظيم مع احتفاظه بالاسم.


خرج معه بعض الكوادر من الصفين الأول والثاني والثالث. لكنهم كانوا أقلية في الجبهة، وهذه حقيقة نسجلها للتاريخ. لعب دعم القيادة المتنفذة في المنظمة وبعض الأنظمة العربية دوراً أساسياً في تقوية نفوذ جناح الراحل أبو العباس.


في المقابل، رفض تنظيم الجبهة بقيادة أمينه العام المبدئي والنظيف، الراحل طلعت يعقوب، تطويع موقفه السياسي للأنظمة ولقيادة المنظمة. فحورب مادياً وسياسياً وجُوّع وطال حصاره لسنوات، حيث أدى ذلك في ما بعد، وخاصة بعد استشهاد طلعت يعقوب (17/11/1988 ) إلى زعزعة أوضاعه ولجوء بعض الرفاق الذين لا أشك بحسن سيرة بعضهم إلى الطرف الآخر. ومنهم أبو حسن جبر. لكنه، بعد تجربة محدودة معهم، رفض أن يعيش تحت ضغط بعض الأشخاص الذين أوجدتهم الصدفة في مقعد القيادة وتأثيرهم، فتوجه للعمل المدني كسائق تاكسي. ولمّا تعسرت أموره، عاد للعمل الوطني في صفوف منظمة التحرير كقائد لقوات الكفاح المسلح في مخيم برج الشمالي.


وداعاً يا رفيق بيروت الحصار... وداعاً يا ابن مخيم برج الشمالي. لن نسمح للمتنازلين بشطب حق العودة، عودة الشهداء والأحياء إلى قراهم ومدنهم وبلداتهم في كل فلسطين.


 

عدد الاثنين ١٣ تشرين أول ٢٠٠٨

****

 

صبرا وشاتيلا: 26 سنة بعد المجزرة

 

نضال حمد


ما زال الوفاء لذكرى صبرا وشاتيلا وشهداء المجزرة من الضحايا الأبرياء موجوداً لدى مجموعة من الأصدقاء الدوليين، وفي المقدمة منهم الأصدقاء الإيطاليون، هؤلاء الذين حرصوا دوماً على المشاركة في مكان حدوث الجريمة الرهيبة للتذكير بالضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، وبأهالي المفقودين من أبناء المخيمين الذين ما زالوا ينتظرون ويريدون معرفة مصير أبنائهم المفقودين منذ المجزرة. كذلك للتذكير بالمجرمين الذين قادوا عمليات القتل الجماعي في المخيمين، وخاصة أن هناك الكثيرين منهم ما زالوا طلقاء وأحراراً. ومنهم أيضاً من يتمتع بوضع حزبي وبرلماني وسياسي.


هؤلاء نراهم في الفضائيات يلقون المواعظ والدروس على الشعب اللبناني والأمة العربية، ولا يخفون عداءهم للفلسطينيين ووجودهم في بلاد الأرز. كما أنهم بمناسبة ومن دون مناسبة، يتحدثون محرّضين على الوجود الفلسطيني في لبنان، وعلى سلاح الفلسطينيين في المخيمات. وكأن معركة بيروت الأخيرة بين اللبنانيين أنفسهم لم تظهر أنواع الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة التي كانت وما زالت مخزّنة في بيوت اللبنانيين.


يريدون نزع السلاح ويرفضون بالمقابل مجرد التفكير بفتح ملف المذبحة، أو إعطاء ضمانات لأمن سكان المخيمات وحياتهم. أهل المخيمات الفلسطينية في لبنان لا يريدون أن يلدغوا من الجحر نفسه مرة عاشرة... ويكررون دائماً منذ وصلوا إلى لبنان سنة 1948 جراء نكبتهم، وتشريدهم من فلسطين: لماذا ترفض الدولة ومعها البرلمان اللبناني الذي من المفترض أنه يمثل الشعب اللبناني الشقيق إعطاءهم أبسط الحقوق الإنسانية، المدنية والقانونية؟ فأوضاعهم في لبنان مأساوية بعلم الدولة، وبسبب سياساتها التي لا مثيل لها في العالم الحديث.


في لبنان، يفعلون ذلك بالرغم من عدم وجود رغبة عند الفلسطينيين بالتوطين أو البقاء في لبنان. فحجم الإذلال والإجرام بحقهم كبير وقديم وجديد، ويتجدد كل يوم. من مذابح مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبية سنة 1976ـــ1977 مروراً بمذبحة صبرا وشاتيلا 1982 وحرب المخيمات 1984ـــ1987، إلى السحل والقتل على الهوية في فترة الحرب الأهلية.


وتتالت المجازر بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت سنة 1982، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا التي حدثت في أيلول 1982، أي قبل 26 عاماً، وكنت شخصياً إحدى ضحاياها. وكانوا السبب المباشر في هجرة آلاف الفلسطينيين إلى أوروبا والأميركيتين. فهل من الخطأ أن يحصل الفلسطيني على حقوقه في لبنان مثلما هي الحال في الدول العربية الأخرى؟ وهل توطين بعضهم لأسباب مذهبية وطائفية وسياسية مسموح بالرغم من كل ما يقال عن التوطين في لبنان؟
يصاب الإنسان بالغضب حين يرى قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وهو يتحدث للفضائيات والمحطات المحلية اللبنانية والعربية. فهذا الشخص هو الذي قاد الفاشيين المحليين برفقة الصهاينة ومجرمهم الشهير شارون لينفذوا معاً وبتنسيق متفق عليه مسبقاً، المذبحة بلا شفقة وبدون رحمة وبكل قساوة ووحشية ودموية وحقد وإرهاب وإجرام. وبحجة الوضع الأمني والمشاكل والسلاح داخل المخيمات، يحاصر الجيش اللبناني اللاجئين ويضيّق عليهم ليل نهار. ويمنعهم من إدخال المواد اللازمة للبناء والترميم وغير ذلك.


أما جدارهم العازل الذي يشبه جدار العزل الصهيوني في فلسطين المحتلة، والملتف حول مخيم عين الحلوة، فيُعدّ وصمة عار على جبين كل لبناني، سواء كان من أتباع الغرب والصهاينة أو من أتباع الشرق والعروبة والمقاومة. كما هي وصمة عار حرية سمير جعجع قائد مجزرة صبرا وشاتيلا. وكما هي وصمات العار موجودة في الجانب المذكور، فنحن نجدها أيضاً هذه الأيام داخل مخيم عين الحلوة نفسه حيث يوفر المتقاتلون للجيش ذرائع جديدة لتعزيز سياسته الإذلالية على الحواجز، وتضييق الخناق. إذ ما معنى أن يبقى أكبر مخيم في لبنان رهينة للصراعات المسلحة والقتل والاغتيالات بين بعض المجموعات الخارجية والداخلية.


هؤلاء خارجون حتى عن قانون ارحموا أنفسكم وارحموا أهاليكم وأطفالكم. واحترموا شهر رمضان وصيامكم. فبدلاً من أن يذهب الفلسطينيون مع أصدقاء قضيتهم وأنصارها الذين جاؤوا من كل الدنيا لإحياء ذكرى ضحاياهم في صبرا وشاتيلا، نجدهم يقتتلون ويشتبكون في عين الحلوة. وكذلك في قطاع غزة، حيث من أجل اعتقال شخص واحد مطلوب للعدالة، تحصل اشتباكات تستعمل فيها الصواريخ والرشاشات ويُقتل 12 فلسطينياً ويجرح حوالى مئة.


هؤلاء الذين لا يحسبون الحساب لأرواح الناس من عامة الشعب، كيف نطلب منهم إحياء ذكرى صبرا وشاتيلا والمطالبة بمحاكمة المجرمين المسؤولين عنها؟ وكيف نترجم لأصدقائنا الطليان والنرويجيين والسويديين وغيرهم أسباب القتل المتبادل في عين الحلوة وقطاع غزة...


إن أرواح شهداء صبرا وشاتيلا وكل فلسطين تدين أفعالهم وتطالبهم بالعودة إلى لغة الحوار واستخدام اللسان والعقل لا السلاح والقتل.


 

عدد الاثنين ٢٢ أيلول ٢٠٠٨

*****

 

شيل بيغستاد، قائد نرويجي فلسطيني سيذكره التاريخ

 

نضال حمد


في الرابع من شهر آب الماضي، رحل عن عالمنا بعد صراع مع مرض عضال القائد السياسي والنقابي والتضامني النرويجي شيل بيغستاد. قلائل هم الذين يعرفون عن شيل وما قدمه إلى القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. هذا الرجل هو الذي بدأ وقاد عملية استعادة العقل والوعي النرويجي في ما يخص القضية الفلسطينية. فقد عُرف منذ نهاية الخمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي حيث كان طالباً في جامعة أوسلو، وعضواً في قيادة اتحاد الطلبة، وناشطاً ضد نظام الابارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا.


عرف شيل أن الرواية الصهيونية والأوروبية المتصهينة للمأساة الفلسطينية كانت عارية من الصحة ومليئة بالثقوب والفجوات. وأدرك أنه يصعب على أي عاقل ومدرك للسياسة وصاحب معرفة بتجارب الشعوب أن يقبل تلك الرواية المؤسسة على الخرافات والنفاق وتغييب العقل والضمير. كما عرف شيل أن الجلّاد الصهيوني لبس ثوب الضحية الفلسطينية، وأن المجرم يتمثّل دور الضحية في كل شيء، وفي كل مكان، وأن اللص الذي سرق أرض الفلسطينيين وشردهم في المنافي والشتات واللجوء قد ارتكب المذابح والمجازر والإبادة، ثم بعد سيطرته على الأرض واحتلاله لفلسطين، وبعدما أعلن قيام كيان إسرائيل على تلك الأرض، أخذ يسرق التراث والتقاليد وكل شيء له علاقة بتاريخ فلسطين.


وأكثر من ذلك، أخذت أبواق دعايته وإعلامه تدخل في رؤوس النرويجيين والأوروبيين روايات خرافية عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وعن دفاع الشعب اليهودي عن وجوده ضد الخطر العربي الفلسطيني، كذلك صوّرت الدعاية الصهيونية الفلسطينيين على أنهم المعتدون على اليهود الآمنين في ديارهم. هذا الهراء وذاك النفاق لم يجدا مكاناً لهما عند شيل بيغستاد ورفاقه من النرويجيين الذين عرفوا الحقيقة ولمسوا النفاق الصهيوني، وإن كانت تلك الفترة صعبة ومظلمة في النرويج إذ إن 5% فقط من النرويجيين كانوا يرون أن كيان إسرائيل مسؤول عن القلاقل والحروب في الشرق الأوسط. بينما أكثر من 50% كانوا يضعون اللوم والمسؤولية على الفلسطينيين والدول العربية.


في مثل تلك الظروف باشر شيل ورفاقه نشاطهم لتعريف الشعب النرويجي بالقضية الفلسطينية وحقيقة الأمر. لم يكن الأمر سهلاً ولا كانت طريقهم مفروشة بالورود والأزهار، بل واجهتهم قوى عديدة وكثيرة أكبر وأقوى منهم قوة وعدداً ودعاية وإعلاماً وأموالاً وأحزاباً ومؤسسات، وفوق كل ذلك جوبهوا بموقف الدولة والكنيسة والمجتمع المنحاز للصهاينة. كان للكيان الصهيوني مكانة مميزة في النرويج، لكن شيل بيغستاد الذي شغل منصب السكرتير العام لحزب الحبهة الاشتراكية النرويجي وهو في ريعان الشباب، وفي مرحلة الدراسة الجامعية، أعلن موقفه بصراحة ورفض المساومة على ذلك، وطالب الحزب باتخاذ موقف شبيه ومماثل.


لاحقاً خرج شيل بيغستاد من الحزب ومعه أتباعه من المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، وأسّسوا لجنة فلسطين النرويجية، ثم جبهة فلسطين النرويجية، وكذلك مجموعة فلسطين النرويجية. حصلت خلافات بينه وبين لجنة فلسطين والشيوعيين، وهو الذي رددّ دائماً أنه لم يكن اشتراكياً... لكنه كان أباً حقيقياً للمتضامنين مع الفلسطينيين.


وفي مرحلة متأخرة، اتفق شيل والآخرون في مؤسسات تتضامن مع فلسطين على تأسيس إطار جماعي يضمّهم جميعاً مع آخرين، أطلقوا عليه المنظمة النرويجية الموحدة من أجل فلسطين. وبالمناسبة فإن الجالية الفلسطينية في النرويج عضو في المنظمة.


اتّجه شيل نحو نقابات عمال النرويج، التي كانت أكبر معاقل التوغل الصهيوني في البلاد، كما كانت تعدّ المساند والداعم الأساسي والأول للهستدروت الصهيوني، منها ترسل المساعدات والوفود للتضامن مع الكيان الصهيوني. وأدرك أهمية تغيير موقف النقابات، لأنها أكبر منظمة نرويجية على الإطلاق، تضم الآن في صفوفها أكثر من 800 ألف عضو ومنتسب مع العلم أن تعداد سكان النرويج أقل من 5 ملايين نسمة.


وضع شيل الذي كان يرأس جريدة تابعة لنقابة المستخدمين والموظفين كل طاقته من أجل جلب وتأطير وتنظيم المتعاطفين مع فلسطين. وسوف يسجل التاريخ لهذا الرجل نجاحه الباهر في تغيير موقف النقابات النرويجية رأساً على عقب وتحويلها من مقر للهستدروت إلى مقر لاتحاد عمال فلسطين. وللعلم فإنّ النقابي الفلسطيني موسى الجريس، أبو جورج، أحد قادة عمال فلسطين، يعمل في النقابة منذ سنوات طويلة، حيث جمعته مع شيل بيغستاد صداقة قوية.


ويذكر البعض أن أبا جورج عندما دخل للمرة الأولى إلى أحد مكاتب مجمع النقابات واجهه المسؤول هناك بالقول: إنّ دماء الضحايا اليهود ما زالت على يديك وتحت أنيابك... فرد عليه أبو جورج: إنك ضحية عملية تضليل وتشويه أفكار وقلب حقائق، وتأكد أننا بعد فترة من الزمن سنصبح صديقين. وهذا الذي حصل فعلاً. فبعد فترة أصبح النرويجي المذكور من أشد المناصرين لفلسطين. ولتصبح النقابات برمتها قلعة تضامنية مع الفلسطينيين. قدمت النقابات مساعدات ضخمة وكبيرة إلى الشعب الفلسطيني وعمال فلسطين. ويوم تناقلت وكالات الأنباء خبر الفساد المالي في السلطة الفلسطينية، رد شيل بيغستاد على أسئلة الصحافيين بجرأة وخبرة حيث انتقد الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، لكنه برأ عرفات من الفساد وفي الوقت نفسه أقرّ بوجود فاسدين داخل السلطة أساؤوا استخدام بعض المساعدات.


أذكر في ندوة حصلت نهاية العام المنصرم في مقر المنظمة النرويجية الموحّدة من أجل فلسطين وبدعوة منها، حيث كان المتحدث الرئيسي رايموند يوهانسن مدير وزارة الخارجية النرويجية ومسؤول ملف الشرق الأوسط، كيف كان يوهانسن يخاطب شيل كأنه المعلم. ولم يكن شيل بالفعل سوى المعلم الشجاع والصريح، حيث أسمع مدير الوزارة كلاماً كان يجب أن تسمعه الحكومة مباشرة.


عمل شيل لأجل فلسطين وزار مخيماتها في لبنان وعاين حياة الفلسطينيين في المخيمات عن قرب. وتأثر بحياتهم، لذا وضع إمكاناته في النرويج وعلاقاته من أجل السماح لفرق رياضية فلسطينية بالمشاركة في دورة كأس النرويج بكرة القدم التي تقام كل عام. ونجح في ذلك حيث دأبت الفرق الفلسطينية من مخيمات لبنان ومن فلسطين المحتلة على المشاركة في الدورات بتمويل نرويجي كامل. وساعده في ذلك وأشرف على عملية المشاركة فؤاد تمراز وما زال يشرف عليها حتى يومنا هذا. وبمناسبة ذكر فؤاد الذي تربطه علاقة حميمة بشيل ويسكن بجواره منذ سنوات طويلة.


لم تحصل تظاهرة أو ندوة أو نشاط هام إلا وكان شيل في المقدمة، يحمل اللافتة والعلم والميكرفون. يكتب الشعارات، يلصق الملصقات، يقدم الكلمات ويعطي الحضور دروساً في كيفية التضامن الحقيقي مع شعب فلسطين. نستطيع القول إن شعب فلسطين خسر بغياب شيل بيغستاد أحد أهم أعمدة التضامن معه في النرويج وفي العالم.


 

عدد الجمعة ٥ أيلول ٢٠٠٨

*****