| تاريخ النشر:يوم الأحد ,21 ديسمبر 2008 1:07 أ.م.
 صحيفة الشرق
 

 


 

لا استقرار في الشرق الأوسط دون حل القضية الفلسطينية
حالة العداء والكراهية أفقدت أمريكا مصداقيتها
ليس بإمكان الولايات المتحدة تحقيق نصر
على الإرهاب دون كسب ثقة العالم
التفاوض مع إيران ضرورة .. والحفاظ على باكستان يحقق المصالح الأمريكية
الانسحاب من العراق وفق جدول زمني وبالتنسيق مع دول الجوار


واشنطن أحمد محسن :


الاسمان اللذان يلمعان الآن أكثر من غيرهما في سماء واشنطن -حين يأتي حديث الأمن القومي والسياسة الخارجية -هما اسما مستشاري الأمن القومي السابقين برنت سكاوكروفت وزبيجنيو برجنسكي. فالأول على اتصال دائم بالرئيس المنتخب باراك أوباما حتى قيل إن تعيينات الإدارة الجديدة في ذلك المجال - أي مجال الأمن القومي والسياسة الخارجية - لا تحدث إلا بالتشاور معه. أما الثاني فإنه عضو في الفريق الاستشاري لأوباما بصفة رسمية أي أنه يجلس مع الرئيس المنتخب ليشرح له قضايا العالم بين فينة وأخرى.


وقبل انتخاب أوباما بأيام أصدر الاثنان كتابا مشتركا مع ما يعنيه ذلك من مفارقة. فسكاوكروفت جمهوري دائما وقد عمل في إدارات جمهورية وحمل راية الجمهوريين طوال حياته. بل إنه هو الذي رشح كوندوليسا رايس لشغل موقع مستشارة الأمن القومي في إدارة جورج بوش الثانية.


وكانت رايس قد وصفته بأنه معلمها ومثلها الأعلى إلا أنه اتخذ موقفا اتسم بالبرود بعد أن تحولت رايس إلى صوت باهت في خلفية جوقة المحافظين الجدد الذين هيمنوا على الإدارة تماما بعد ذلك. وهكذا فإن المتابع لتصريحات سكاوكروفت خلال إدارة بوش الأولى سيلاحظ أنه آثر دائما أن يحتفظ بمسافة بينه وبين "تلميذته" التي تنكرت فيما يبدو لدروسه إذ أن سكاوكروفت لم يكن يخفي عداءه الشديد للمحافظين الجدد طوال السنوات الأخيرة.


أما برجنسكي فقد كان مستشارا لشؤون الأمن القومي للرئيس الأسبق جيمي كارتر. وقد تعرض برجنسكي لحملة تشهير بالغة العداء أيام الرئيس رونالد ريجان الذي ألحق الهزيمة بكارتر في انتخابات عام 1980 إذ قال البعض إن برجنسكي مسؤول عن انهيار حكم الشاه بل وذهب البعض إلى حد اتهامه بالتواطؤ للإطاحة بالشاه. وهكذا فإن الرجل كان دوما خصما تقليديا للرؤية الجمهورية لقضايا الأمن القومي التي تشكل تخصصه ومجال عمله سواء في الإدارة خلال السبعينيات أو في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بعد ذلك.


إلا أن أخطاء إدارة الرئيس جورج بوش جعلت من النقيضين يلتقيان. فقد أصدرا معا كتابهما الجديد بعنوان "أمريكا والعالم : مناقشات حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية". والكتاب عبارة عن حوارات مطولة أجراها معهما ديفيد آجنتيوس وهو صحفي بارز في صحيفة "واشنطن بوست" عرف بتعقبه لأخطاء الإدارة الحالية على امتداد عمرها منذ أن تولت السلطة عام 2000.


وتكمن أهمية آراء سكاوكروفت وبرجنسكي في الحجم الهائل لخبرتهما في شؤون السياسة الخارجية والأمن القومي. إلا أن الأهم من ذلك هو تأثيرهما الكبير في تشكيل وصياغة سياسة الإدارة المقبلة تجاه العالم وتجاه الشرق الأوسط بصفة خاصة. ولعل كتابهما الأخير جاء في هذا السياق على وجه التحديد أي سياق نشر أجنحتهما فوق واشنطن لحظة انتقال السلطة فيها بين إدارتين أي من إدارة أخفقت في كل مشروعات السياسة الخارجية التي تبنتها وسببت وهي تفعل ذلك آلاما كبيرة للآخرين في العالم وللأمريكيين أيضا وبين إدارة مقبلة يخدمها أنها الآن بلا سجل ولا سوابق أي أن العالم يتطلع إليها بأعين من ينتظرون وليس بأعين من يقاضون ويحكمون.


وعلى الرغم من التباين الإيديولوجي المفترض بين الرجلين فإنهما اتفقا في أغلب الأمور التي عرضا آرائهما بشأنها. ولم يكن ذلك مفاجئا في شيء. فقد كتب الاثنان معا عدة مرات قبيل نشوب الحرب العراقية ليحذرا بلهجة حادة وشديدة الوضوح من ضرب العراق. وفي فبراير 2003 نشر سكاوكروفت مقالا في "وول ستريت جورنال" بعنوان "لا تضربوا صدام" قال فيه إن شن الحرب سيكلف الولايات المتحدة كثيرا على الصعيدين الدولي والاقتصادي وإنه سيفتح كهفا يصعب إغلاقه بعد ذلك".


وكان ذلك صعبا بالنسبة لسكاوكروفت إذ أنه مقرب من جورج بوش الأب فقد شغل موقع مستشاره للأمن القومي وهو مدين له بالكثير على المسرح السياسي. إلا أن الرجل وكما قال صراحة في مقاله أوضح أن من الصعب ترك أمر مثل شن الحرب على العراق يحدث دون أن يحاول أحد إيقافه. وأضاف في ذلك المقال الشهير "إن من يقولون إن الحرب ستكون نزهة يخطئون خطأ جسيما ولكنهم لن يكونوا هم الذين سيدفعون ثمن هذا الخطأ بل الأمريكيون والمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة وتحالفاتها الدولية والإقليمية".


أما برجنسكي فقد كتب أيضا عدة مرات قبل شن الحرب معارضا لشنها. بيد أنه كان أقل تأثيرا من سكاوكروفت آنذاك فقد كانت الإدارة جمهورية فيما هو ديمقراطي ثم أنه كان مستشارا للأمن القومي في عهد رئيس -هو جيمي كارتر -يسخر منه المحافظون الجدد في كل مناسبة. أما سكاوكروفت فقد كان ممثلا لسياسة بوش الأب ولتيار الواقعيين داخل الحزب الجمهوري أي حزب الإدارة التي كانت تعد وقتها لشن هذه الحرب التي أعلن سكاوكروفت جهرا عن معارضتها.


وحين عاد الاثنان في كتابهما لموضوع العراق فإنهما عمقا أكثر من موقفهما المشترك وصاغاه على نحو يلائم مرحلة ما بعد وقوع الكارثة ففي هذه الحالة قال بريجنسكي إن الرئيس المنتخب باراك أوباما وعد خلال الحملة الانتخابية بأن يبدأ سحب القوات (أربع كتائب) فور توليه السلطة وأنه سيتابع بعد ذلك عمليات الانسحاب خلال 16 شهرا. وأضاف برجنسكي "إنني أفترض أنه سيحاول تنفيذ ذلك إلا أن عليه أن يتحدث مع العراقيين أولا عن موعد محدد للانسحاب وإلى أي مدى يلائم ذلك الاحتياجات الأمنية لبلدهم وما إذا كان لديهم آراء قوية في هذا الشأن. وأعني بالعراقيين هنا العراقيين داخل الحكومة وخارجها أيضا إلا أن عليه أيضا أن يتحدث مع جيران العراق".


وقال برجنسكي في سياق تعرضه للانتقادات الموجهة لمبدأ إعلان برنامج زمني للانسحاب صراحة إنه يعتقد أن على الرئيس المقبل أن ينفذ اقتراحه بالانسحاب خلال 16 شهرا وأضاف "إن علينا أن ننسحب من العراق. وآمل أن يتم هذا بأكبر قدر ممكن من التنسيق مع العراقيين ومع دول الإقليم لاسيما الدول المجاورة للعراق ولكن علينا أن نخرج من العراق في كل الأحوال خلال 16 شهرا من تنصيب الرئيس الجديد كما وعد خلال حملته الانتخابية".


إلا أن سكاوكروفت اختلف مع زميله الديمقراطي في ذلك إذ قال إن من الضروري الربط بين عملية الانسحاب وبين تطور الأمور على الأرض. وقال المستشار الأسبق "إن القضية الجوهرية في كل الحوارات التي تدور حول العراق هي أن يتحول ذلك البلد إلى عنصر للاستقرار في الشرق الأوسط وليس العكس. وعلينا أن نتحقق تماما من ذلك قبل مغادرة الأراضي العراقية. إنني لا أعتقد أن أحدا هنا يريد البقاء في العراق ليوم واحد أكثر مما ينبغي. ولكن لا يمكن لنا مغادرة العراق دون ربط ذلك بوصوله إلى مرحلة من الاستقرار المتماسك والقابل للاستمرار".


وأضاف "ولا أرى في هذا السياق أن فكرة طرح برنامج زمني هي فكرة صائبة. إن البرنامج الزمني سيوضع على أسس عشوائية تتصل بالضغوط الداخلية في الولايات المتحدة وليس بأوضاع العراق لذا فإنني أختلف مع هذا المنطق. إن علينا أن نتناقش مع العراقيين ومع الدول الإقليمية وأن نوضح بطريقة لا تقبل أي شك من قبل العراقيين أو من قبل غيرهم أننا لا نريد البقاء في العراق ونحن بالفعل لا نريد البقاء في العراق. ولكننا رغم ذلك لا يجب أن نعلن برنامجا زمنيا للانسحاب على أي أساس غير أساس استقرار العراق. إن قضية استقرار العراق هي قضية جوهرية لضمان استقرار الشرق الأوسط".


وحول الحرب ضد الإرهاب قال برجنسكي إنه سمع الرئيس يتحدث عن تلك الحرب باعتبارها نقطة زمنية أدت إلى تعريف التحديات التي سنواجهها خلال القرن الحادي والعشرين. وأضاف "قلت لنفسي حين سمعت ذلك :أليس هذا من قبيل الغطرسة؟. إننا في عام 2008 وهناك من يقول لنا إن تعريف التحدي الذي سنواجهه في القرن بأكمله يأتي من لحظة إعلان الرئيس بدء الحرب ضد الإرهاب. فهل لو كان الناس قد سئلوا عام 1908 عن التحدي الذي سيواجهونه خلال القرن الماضي ترى هل كانوا سيقولون إنه الشمولية الحمراء والنازية".


ويتابع برجنسكي "إن الحرب ضد الإرهاب ليست تعريفا للتحدي الذي سنواجهه خلال هذا القرن. إن هذا التحدي سيكون أكثر غموضا والتباسا ولكنه سيتمحور حول ثلاثة أمور. الأمر الأول هو اليقظة السياسية التي تعم المجتمعات جميعا. فللمرة الأولى نرى الإنسانية كلها وقد دخلت مرحلة من الحراك السياسي. إنه أمر درامي جدا جدا. والأمر الثاني هو أن هناك انتقالا في مركز الثقل العالمي من الأطلسي إلى شرق آسيا. وأنا لا أعني بذلك انهيار الأطلسي (أي أوروبا وأمريكا) ولكن انتهاء هيمنة ذلك الإقليم التي دامت 500 عام على شؤون العالم. والأمر الثالث هو ظهور مشكلات مشتركة تعني كل المجتمعات وأعني بها مشكلات المناخ والبيئة فضلا عن الفقر وانعدام العدالة".


وقال برجنسكي إنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تشن الحرب على الإرهاب في هذا المناخ من التخويف الدائم الذي أشاعته إدارة بوش. وأوضح أن انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة جاء كثمرة لوامل مختلفة أهمها إحساس الأمريكيين بعدالة موقفهم وبالثقة في الانتصار. إلا أن مشاعر الأمريكيين في الحرب ضد الإرهاب حسب قوله هي مشاعر من الخوف والكراهية. ويرى برجنسكي أنه ليس بوسع أي أمة أن تنتصر في حرب تخوضها دون شعور بالثقة بدلا من شعورها بالخوف والكراهية. وأوضح المستشار الأسبق أن ذلك قد هو ردة فعل لأحداث 11 سبتمبر وأضاف "ويبدو أن حقيقة إن الأمريكيين شاهدوا كل ما يحدث على شاشات التلفزيون قد هزت ثقتهم قليلا".


وإذا كانت رؤية جورج بوش لتعريف هذا القرن هي الحرب ضد الإرهاب فإن سكاوكروفت يختلف معه أيضا إذ يقول في هذا السياق"إن الحرب الباردة كانت تكثيفا مركزا لمشكلة واحدة. وقد أدت إلى حشدنا جميعا حول نقطة واحدة وضد كتلة واحدة ولا أذكر أي قوت آخر كنا مركزين فيه حول نقطة واحدة كما كنا خلال الحرب الباردة وقد أثر ذلك على طريقة تفكيرنا وطريقة عملنا".


وتابع "وفجأة وفي غمضة عين من الناحية التاريخية انهارت تلك الكتلة وانتهى التهديد الوجودي الذي كنا نواجهه والذي كان يمكن أن يؤدي إلى تدمير العالم لو ارتكب أي منا خطأ صغيرا. وبدلا من ذلك وجدنا بناء العالم الذي يتكون من مائة حجر لكل منها مشاكله وخصوصياته. لم نعد نواجه إذن مشكلة واحدة مكثفة نفكر فيها ليلا نهارا ولكن نواجه مائة مشكلة أصغر حجما. وكانت مشكلتنا نحن أن ذلك حدث بصورة مباغتة ودون أن نألف النظر إلى العالم بطريقة جديدة تناسب ما حدث من تحول هائل".


وحول أفغانستان قال برجنسكي إن الخطأ الأساسي الذي حدث في أعقاب حرب 2001 تلخص في تحويل الأنظار إلى حرب العراق بدلا من العمل على توطيد الانتصار في أفغانستان على نحو يحول دون وقوعها مرة أخرى في أيدي المتطرفين. وأضاف "كان يتعين علينا الانشغال ببناء اقتصاد حيوي في ذلك البلد لاسيما في المناطق المرشحة لأن تستقبل المتطرفين مرة أخرى. وما حدث بعد ذلك ومع الإصرار على أن حربنا ذات طابع عسكري فحسب فإن قواتنا كانت تذهب لمنطقة معينة فتهزم المتطرفين فيها ولكنهم يعودون مرة أخرى فور انسحابنا منها".


وتابع "والصحيح هو أن ننظر إلى وجودنا في أفغانستان ليس باعتباره وجودا عسكريا فقط وإنما باعتباره وجودا يهدف إلى تطوير البلد بصورة شاملة. وبالإمكان انظر إلى بعض الفرق التي تدعم طالبان بل وبعض المجموعات الإقليمية المنضوية تحت لوائها باعتبارها جماعات يمكننا التباحث معها وتحملها إذا ما تعهدت بأن تطرد القاعدة من مناطقها أو أن تقتل أفرادها. وإذا ما وصلنا إلى صيغة مثل هذه مع تلك المجموعات فإن بوسعنا أن نغادر مناطقها وأن نواصل مراقبة الوضع للتحقق مما إذا كانت تفي بتعهداتها. بعبارة أخرى أعتقد أن ما أريد أن أقوله هو أن علينا التركيز على العملية السياسية بدلا من التركيز على الجانب العسكري وحده".


وقال كاوكروفت إن من الحزن أن ننظر إلى أفغانستان بنفس الطريقة التي ننظر بها إلى العراق. وأضاف "إن البلدين مختلفان تماما إذ أن أفغانستان ليست العراق فلها تاريخ مختلف وتكوين مختلف من الوجهة الاجتماعية والثقافية ومن حيث دور الدولة المركزية بصورة تاريخية. ولا أعتقد أن هناك حلا عسكريا خالصا في أفغانستان. إن علينا أن نبحث عن الدرب السياسي الذي يمهد لتحقيق الهدف الحقيقي من الحرب أي طرد القاعدة وحرمانها من العودة".


وحول باكستان قال سكاوكروفت إن الموقف في باكستان بالغ الحساسية وإنه يشعر بالأسف لأن كثيرين يتحدثون عن هذه المسألة بخفة شديدة. وأضاف "من الوجهة العملية باكستان هي الدولة الأهم بالنسبة لنا في تلك المنطقة. فهي حليف منذ زمن طويل كما أنها بلد نووي وهي بلد كبير كما أن موقعها مركزي ونحن نطلب من الباكستانيين أن يفعلوا أشياء كثيرة من أجلنا دون مراعاة أوضاعهم الداخلية".


وتابع "منذ إنشاء الجيش الباكستاني عام 1947 وهو يركز على المواجهة مع الهند في الشرق. ونحن نطلب منهم أن ينسوا ذلك وأن يديروا وجوههم للناحية الأخرى من الحدود وأن يشنوا حرب عصابات وهم الذين لم يفعلوا ذلك أبدا وغير مهيئين لعمله على أي حال إذ أن تدريبات القوات المسلحة الباكستانية تتركز على الحرب التقليدية. إنها عملية كفيلة بوضع ضغوط هائلة على الباكستانيين".


وحول إيران دافع برجنسكي باستفاضة عن منطقه الداعي للتفاوض مع الإيرانيين قائلا إنه لا يجد مناصا من ذلك وإن التفاوض ليس علامة ضعف ولكنه على العكس من ذلك علامة ثقة. وأضاف " إن إيران بلد مؤثر وجاد وله ثقله وإذا كان يلعب الآن دورا سلبيا فإن علينا أن نبحث هذا الدور مع اللاعبين أنفسهم وأن نوضح لهم تبعات ما يفعلون ونتائج تعديل هذا الذي يفعلونه. إن علينا أن نتحاور مع إيران بصورة جادة ودون إبطاء".


وشرح ذلك بقوله "علينا أن نبحث معهم عن أرضية مشتركة من أجل أن يتحولوا إلى أحد عناصر الاستقرار في المنطقة. وفي تقديري إن تلك المفاوضات يجب أن تركز على عنصرين. الأول هو الاستقرار الإقليمي حيث إن لنا مصلحة كبيرة في ذلك وللإيرانيين أيضا مصلحة كبيرة في ذلك. أما الأمر الثاني فإنه البرنامج النووي بطبيعة الحال".


وتابع "لقد فعلنا ذلك بنجاح مع الكوريين الشماليين إذا كان لنا أن نستخلص بعض العبر من السنوات المؤلمة لإدارة بوش فقد كنا في البداية نرفض التفاوض وبعد ذلك قبلنا بمشاركة دول إقليمية عديدة لمحاولة الوصول إلى الحل وقد حققنا بعض التقدم رغم أن الكوريين يقولون منذ اللحظة الأولى إنهم يسعون نحو امتلاك أسلحة نووية بل إنهم قالوا في لحظة أخرى إن لديهم بالفعل سلاحا نوويا. ورغم ذلك فقد تفاوضنا معهم. أما الإيرانيون فإنهم يقولون أمرا مختلفا. إنهم يقولون إنهم لا يسعون إلى بناء قنبلة نووية بل إلى امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية. وليس من المفهوم لماذا نتفاوض مع من يقولون إنهم يريدون سلاحا نوويا أو إنهم يمتلكون سلاحا نوويا ولا نتفاوض مع ينفون ذلك بصرف النظر عن النوايا الحقيقة. ومن المحتمل أن يكون الإيرانيون يكذبون ولكن المفاوضات ستعطيني القدرة على مخاطبتهم بدون شروط مسبقة ولكن بمنطق من يطلب ممن يؤكد شيئا أن يثبت أنه لا يكذب فيما يقول أي أن يثبت أنه لا يريد سلاحا نوويا".


وقال سكاوكروفت أنه يعتقد أن السماح لإيران بتخصيب اليورانيوم يجعل من صنع القنبلة في نهاية المطاف مسألة وقت بل ووقت قصير. وأضاف "رغم ذلك فلابد من التفاوض الحذر والمدروس. والمشكلة أن حصول إيران على القنبلة سيحدث شرخا لا سبيل إلى إصلاحه في جدار معاهدة منع الانتشار. فدول المنطقة قادرة أيضا على صنع سلاح نووي وليس بوسعنا أن نرى انهيار معاهدة حظر الانتشار وأن نقبل بذلك لأن تلك المعاهدة لا تزال حجرا أساسيا من أحجار السلم الدولي. إن انهيارها في الشرق الأوسط سيكون التطور الأسوأ بالمرة, ويتعين أن نتفاوض مع الإيرانيين بمشاركة من الحلفاء الأوروبيين وأن نشرك الروس والصينيين لكي نعالج الأمر كجبهة دولية موحدة لاسيما وأن كل البلدان الأخرى لا تريد أن ترى إيران مسلحة بقنبلة نووية".


غير أن القضية التي وصفها كل من سكاوكروفت وبرجنسكي بأنها الأكثر إلحاحا على الساحة الدولية في الوقت الحاضر كانت باتفاقهما معا هي القضية الفلسطينية. وقال الاثنان إنه لابد أن تمنح الإدارة الأمريكية المقبلة أولوية مطلقة للمسألة الفلسطينية "لأنه لا وجود لشرق أوسط مستقر دون حل هذه القضية".


وقال سكاوكروفت إن الأساس المقبول الوحيد للحل هو إقامة دولة فلسطينية داخل حدود أراضي 1967 مع تعديلات طفيفة متفق عليها وتتم بالتبادل وعلى أن تكون تلك الدولة منزوعة السلاح. وأوضح برجنسكي أنه لابد من أن يقبل الإسرائيليون بالانسحاب إلى خط 67 عبر صيغة متفق عليها ولابد من بدء مفاوضات إقليمية ودولية لدعم الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في التوصل إلى حل مقبول منهما معا.


وقال برجنسكي "هناك صيغة بجعل القدس مدينة موحدة تضم عاصمتين لدولتي متجاورتين يربط بينهما اتفاق سلام وعلاقات حسن جوار وقدر كبير من الشراكة الاقتصادية والتنموية. ولا أعتقد أن هذه الصيغة ستلقى معارضة جادة من أغلبية الفلسطينيين أو أغلبية الإسرائيليين".


وقال سكاوكروفت إنه يتعين مخاطبة قضية اللاجئين على نحو يتعامل مع شعورهم العميق بالغبن والظلم ولكن على أساس تعويضهم ماليا ومساعدتهم على الاستقرار في أماكن أخرى. وأضاف "لا يمكن لسياسة أي إدارة إن تنجح في الشرق الأوسط إذا كانت هذه الإدارة لا تتعامل بجدية مع القضية الفلسطينية في محاولة للبحث عن حلول عملية وعادلة ودائمة. ويمكن البدء بإنعاش عملية السلام بمشاركة مباشرة من الرئيس وبضغوط دولية وإقليمية لتقريب مواقف الطرفين".


وقال برجنسكي إن القضية الفلسطينية هي المصدر الأول لكراهية شعوب المنطقة وعدائها للولايات المتحدة ولانتشار منطق التطرف والعداء للغرب. وأضاف "يتعين على الإدارة المقبلة أن تتجنب أخطاء إدارة بوش التي حاولت عرقلة السلام بدلا من أن تحاول إحلاله. وأتمنى أن نشهد تدخلا من أعلى مستويات الإدارة في العملية منذ اليوم الأول. ولن نتمكن من التأثير إلا إذا أعلن الرئيس موقف الولايات المتحدة وتصورها للتسوية من البداية وعلى الملأ لقطع الطريق على محاولات الضغط لتعديل الموقف الأمريكي".