نضال الأشقر: امرأة الزمن الجميل مازالت تصنع الحياة!

تصوير: زينب حمود   

 حاورتها فاديا أبو زيد

2008-12-22


تاريخ مملوء بالعطاء والصمود في وجه التراجع والخيبات التي عصفت بلبنان خاصة وبالعالم العربي بشكل عام. لكنها استطاعت وبجدارة أن تكون سفيرة الإبداع والإنسان العربي إلى العالم، معزَّزة بما تحمله من ثقافة أكاديمية وتجربة في المسرح، وبمعرفتها وعلاقتها الوثيقة بكل المبدعين العرب الذين كان لبنان في الستينيات مقصدهم ونقطة انطلاقتهم الإبداعية إلى العالم العربي والعالم ومن سيليق بالاحتفاء بمجلة شعر أكثر من نضال الأشقر في الأمسية التي نظمتها الأمانة العامة لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية لنستمتع بصوتها الذي أضاف للقصيدة بعدها الجمالي الآخر.

الاحتفاء بمجلة شعر هل هو حنين إلى الماضي الأدبي الشعري الذي نفتقده اليوم؟


لا أبدا. الألق الأدبي موجود دائماً ولكن في حالات أخرى ومجلة شعر كانت حالة لا تكرر بسبب الشعراء الذين كانوا مواهب متفجرة، من العراق كان الجواهري وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وكان أدونيس، وأنسي الحاج ويوسف الخال، اجتمعوا كلهم في فترة معينة وأكسبوا تلك الفترة غنى كبيراً واستمروا لأكثر من عشر سنين.. وبالتأكيد أدونيس مازال يكتب وكذلك أنسي الحاج ولكن كان الناس ينتظرون هذه المجلة الشعرية مجلة شعر حتى يقرؤوا كل هؤلاء معا في مجلة واحدة.

ألا تعتقدين أنها كانت تعبيراً عن حالة صحية أو عن حالة وطنية جامحة نحو التغيير؟


في لبنان كان هناك حالة تبشر بالخير لكنها لم تستمر ولم يتح لها المجال لتكبر.. فعلا كانت تحمل البشائر في الشعر والأدب والرواية والمسرح لكنها كانت تعيش فوق جمر الحروب التي كانت تفبرك ونجحت في الانفجار لتنحسر بعدها كل المشاريع ليس بسبب تراجع الشعر أو الأدب ولكن بسبب الحروب.

تستغربين عدم وجود قانون مدني في البلاد العربية لغاية الآن هل تعتقدين أن هذا قد يكون سببا مباشراً لتراجع دور الأدب أو النهضة بشكل عام؟


ستون سنة من الاستقلالات العربية التي أعتقد أنها لم تكن استقلالات مضبوطة عندما قدمها لنا الفرنسيون والإنكليز على طبق من فضة.. ستون سنة لم نستطع أن نقيم دولة مدنية واحدة أو نوجد قانوناً مدنياً في أي دولة عربية. هل هذا معقول؟ هذا الكلام غير معقول ولا يصدق. وهذه الستون سنة أعادتنا إلى العشائرية والقبلية والتعصب والطائفية. من يصدق أن المرأة في بداية القرن كانت متحررة أكثر من اليوم؟ أين التعليم؟ أين الحملة التعليمية وأين حملات محو الأمية؟.. بمراجعة بسيطة لتقارير اليونيسكو واليونيسيف سنرى حجم المصيبة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية خاصة على صعيد النساء الأميات في العالم العربي والرجال أيضا! كل هذا بسبب الجهل والفقر والتعصب والتخلف الذي يعيدنا إلى الوراء دائما..

يعتقد الكثيرون أن اللغة العربية الفصحى تعيش تحديا أمام سيطرة الإعلام الاستهلاكي ما يشكل عائقاً أمام وصول الأدب والثقافة الحقيقية إلى جيل الشباب؟


هذا كلام غير صحيح أبدا لأننا بالضرورة سنكتب بلغتنا ولن يكون مجديا بالنسبة للإبداع الكتابة باللهجات العامية التي قد تكون مقبولة في المسرح لأنها حية أكثر.. ولكن أعتقد أن المسألة مرتبطة بالشاعر نفسه الذي يختار من اللغة العربية الفصحى القريب منها إلى المعاصرة.. لا يجب أن نخلط بين السهل الممتنع واللغة الركيكة. كل الشعراء الكبار أصبحوا كبارا لأن لغتهم مقتصدة فلا أحد يستطيع أن يقلد أنسي الحاج أو نزار قباني. في المسرح استخدمنا فصحى سعدالله ونوس لأن شجرة الدر كانت الفصحى جزءاً من شخصيتها ولم تتكلم بلهجة صيدا أو صور أو حلب ولكن نحن اليوم نحاول أن نجدد اللغة والمسرح يجدد اللغة لكن ولسوء الحظ يلعب التلفزيون اليوم دوراً سلبياً جداً على اللغة، لأن ما يكتب ركيك وما نسمعه ركيك فلنأخذ أي أغنية لأم كلثوم من التي كانت تشتغل عليها سنة ونقارن بينها وبين ما نسمعه اليوم على الشاشات.. لم يعد هناك أحد يكتب الأغنية الجميلة المشغولة باحترام للغة.

أكبرنا دعوتك للمثقفين العرب في كل البلدان العربية أن يقيموا احتفالا سنويا لسعدالله ونوس في بلادهم؟


طبعا.. سعدالله ونوس مفكر وكاتب وفيلسوف سوري عربي كبير ومهم ولن يتكرر وقدم الكثير وأنا اشتغلت من مسرحياته طقوس الإشارات والتحولات ومنمنمات تاريخية وسنحيي ذكراه في بيروت هذه السنة باحتفالية صغيرة سندعو إليها الأعمال المسرحية التي شغلت لسعد الله ونوس ومنها العمل الذي قدمته السيدة نائلة الأطرش ولا شك في أنه من الواجب أن نحتفل به في كل البلدان العربية.

في عملك الجديد الذي اشتغلت فيه مع شباب هناك الكثير من الرسائل حول الالتفات إلى الطاقة الكامنة المهدورة عند الشباب العربي من قبل المؤسسة الحكومية إلى أي درجة تعتقدين أن إهمال الشباب يؤثر على الأمة؟


كارثة.. كارثة حقيقية عندما يحضرون في اهتمام المؤسسة الحكومية فقط في المهرجانات وينسونهم لبقية العام! هذه المناسبات ليست كافية لتعزيز طاقة الشباب واحتضانهم.. أين المسارح في المدن والقرى والمدرسة؟ عندي إيمان كبير بهذا الفن المهمل الذي يؤثر في الأجيال ويطورها إذا ما اعتني به بالشكل الصحيح، عندما يجدد المعرفة والثقافة ويفتح لهم الخلق والإبداع ويتيح لهم حرية التعبير. وعندما أرى كل يوم أربعمئة شخص يصفقون لعرض مسرحي أؤمن بأن الناس تحب المسرح وتريده لأنه حالة جمالية إنسانية اجتماعية عميقة وأتساءل عن تقصير المؤسسات الحكومية التي لا تتيح هذا الفن ولا تدعمه في الوطن العربي.. دائماً عندي إيمان بالشباب وخلال مسيرة حياتي وعملي في المسرح درّست المئات، وأعتقد أن أي صاحب مشروع ثقافي يجب أن يحتضن الشباب.. ومؤخرا كونت فرقة مسرحية بعد اختبار لمئة شاب وفتاة سأبدأ بتدريسهم من السنة القادمة، والاختبار ليس طريقة تقليدية بتأدية مشهد أو بالوقوف على الخشبة ولكن بالحديث ومناقشتهم لأحاول معرفتهم ومن هم ومن ثم اختارهم للتدريب..

ا
لارتجال ركن من أسلوبك المميز في التعامل مع الممثل ومع العملية المسرحية أكدت عليه في عملك الأخير قدام باب السفارة؟


خلال الأربعين سنة التي عملت بها في المسرح كونت أسلوبا لتدريب الممثل وأنا أعتبر بكل تواضع أن أهم شيء في المسرح هو أسلوب تدريب الممثل والارتجال وقلة هم الذين يستطيعون التعامل به لأن الفرصة سنحت لي بالتدرب في أكبر أكاديمية بالعالم ومع السيدة جون ليتلوود التي تعتبر أم المسرح الحديث بأوروبا ومع اختباري وكل الشغل الذي عملته في حياتي اعتمدت هذا الأسلوب الذي أعطيه للشباب ليستفيدوا من هذه المعرفة ويطوروها ويضيفوا عليها لتكون أفضل لأنها ليست جامدة..

تكلمت بحميمية مؤثرة عن الماغوط الذي جاب العالم فقيرا إلى أي درجة عاش قصيدة النثر فنا وحياة؟


يا الله ما أجمل هذا الإنسان.. رائع محمد الماغوط.. عاش فقيرا ومات فقيرا متحررا من الدنيوية التي لم تكن تعني له شيئا.. وهذا لا يعني أنني مع أن يعيش الشاعر أو المبدع فقيرا أبدا.. أنا ضد هذه الفكرة الرومانسية عن الشاعر على العكس يجب أن يكون الشاعر محترما لكن الماغوط حالة خاصة جميلة، ومازلت أستذكر ذلك الشاب الجميل بعيونه الخضراء وقامته وكيف كان الناس ينتظرون مقالته لأن قلمه كان مثل حد السيف.. لم يكن سيفا واحدا كان عشرة سيوف كانوا يخافونه كثيراً ليس فقط من شعره ولكن من شخصيته القوية وصراحته.

لماذا انحسر دور المبدع إلى هذه الدرجة بعد أن كنتم أسياد الإبداع والشارع معا؟


مضبوط! الأمر بحاجة إلى دراسات عميقة هناك عدة أسباب سياسية اجتماعية نفسية هناك تحولات في مجتمعنا كبيرة ولا يتحمل الذنب المثقف والمبدع لأنه مازال واقفا رغم كل شيء لا أحد يساعده وأتمنى ألا يصابوا بالإحباط وأن يحتفظوا بطاقتهم وإيمانهم وبقدرتهم على التغيير..

من أين تأتين بكل هذه الطاقة للتحمل والاستمرار بتقديم الجمال رغم كل البشاعة؟


لا أدري حقيقة وهناك أشياء كثيرة تجعلني أحياناً متشائمة ولكن الإنسان يستطيع أن يستمر بالأمل والإيمان بشبابنا وطاقتهم وقدرتهم على التغيير..

سنستمتع اليوم بصوتك وأنت تقرئين الشعر. كيف ترين هذه المناسبة ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية؟


سعيدة جداً بقراءة الشعر اليوم.. سنون وأنا اقرأ الشعر لكن هذه المناسبة لها خصوصيتها لأنها في الاحتفالية ولأنني سأقرأ لرواد مجلة شعر الذين لن يتكرروا..



فاديا أبو زيد - صحيفة الوطن السورية