تلك حكايتي وهذه حكايتك النبيلة

 قصيدة الشاعر د يوسف شحادة


قد نقتربْ
الشوق سنبلة
تزوجها حزيران الحصادْ
والشرق بهرجة
لأغنية بها بانت سعادْ

قد نقتربْ
من ساعة النسيان صيفاً أو خريفين
ونوزع القبلات في رحم الغيوم الماطرهْ
نتزوج الموت المؤدب مثل ديكين
ونفر من فخ الحياة
على ذيول بنات آوى وارتعاش الهاجرهْ

أو نقتربْ
تتوتر الأوراق في جسد الخريف
وتختفي في هدأة منا فنقرب لحظة
ونملّ أسراب القوافل في فضاء الرمل
حين تهب أشباح الظمأْ:
هل من جديد في غروب الشرق
يأخذنا إلى سيف الحقيقة ؟
نسأل الشرق النبأْ !

قد نقتربْ
من ساعة الصمت الخريفي الطويل
فتمتمي في صورك العاجي
عل المؤمنين يؤرقون النهر
ثم يرتلون بما أتى المتوكلون ويعبرونْ

أو نقتربْ
من ساعة الصفر البعيد.. أو الجديد
فلا تنادي الدمع واستمعي إلى البحر الطويل
فإنهم من موجه يتقدمون
قد نقتربْ
لا تعجبي!
الشوق سنبلة تزوجها حزيران الحصادْ
والشرق بهرجة لأغنية بها بانت سعادْ..

يا أنت كيف خدعتني بسفرجلة؟
أم تلك كانت مرحلة
ومضى قطارك صوب أطلال النهاية؟!
يا أنت كيف كشفتني
ورميت قلبي عاريا لكلاب هذا البحر
فانتزع الحمام بريده والسر من خيط البداية!!
يا أنت كيف عرفتني؟!
إني فلقت البحر في وجهي وصمت على الندى
فتلون الخد الذي غسلته مريام البعيدة بالربيع
تلون الخد النظيف بلون عوسجة الخماسين الشقية
واشتعال الشوك في سور المدى
يا أنت كيف شربتني بسذاجتي
وشغلت مهد دمي بفرحة جلنار كاذب
وغرقت في عيني طيف سفرجلهْ؟!
أم تلك كانت مرحلهْ ؟!
ومضت
وما ومضت فوانيس الهزيع الشاحب!!
لا تسبقي البرق الذي يمضي إليك ولا
تضمي الرعد حين يقوض الحلم الأخير
بقبعات الفطر
كي لا يرتوي من شوقه سفر التعبْ
لا تسمعي هذا النباح فإنني سألملم الصيحات
حين تفر في رجع الصدى
يا أنت تلك حكايتي
لا تستري أعرابها بعباءة الليل المكفن بالفلقْ
وتباعدي في الموجة الفجرية
انشطري على رمل البغايا
أو على ظمأ الشبقْ
ذرات نار في الندى
انشطري
مرايا..
أو صبايا ..
أو سبايا
من عجبْ !!!

لا تقطفي شوق السنابل
كي تورثه العصافير اليتيمة للعصافير الشقية
عندما تغفو على حطب يصد عيونها
عن شهوة البحث المغامر عن بلدْ
لا تقطفي ورد الهواء وبعض أشواك السماء
وتمتمي في رمل عاصفتي تراتيلا
لغيث يهزم الجوع الصمدْ
هي سورة لا تقرئين سوى بدايتها
وتختلسين سجعتها وخاتمة النشيدْ ..

يا أنت تلك حكايتي
كنا قطارات وكانت في الهواء الصلب تسبح
فرحة من نبضنا المنسي في صدأ الحديدْ
أرجوحة صلت لأقدام الصغار ولم تطر
يوم الشعانين المطير
ولم يقض حبالها العيد الجديدْ
نمنا على هدب الغيوم ملالة
فتطوع المطر الشجي لينقذ الأحزان منا
واحتمى بفحيح غفوتنا التي لم ترتدي النوم البليدْ !

يا أنت .. يا صمت القوافل والقبائل والقبلْ!!!
أرن الغزال على شقائق سورك الحافي
توارى القلب في عطش السنونو
لحظة من بيعة الأمل السعيدْ
وتوجس الشك الطريد من الرؤى .. فلنمض!!
هذا الكهرمان رقية لخطيئة البحر الموسوس
في صدور الياسمينْ
هذا الزمرد سروة أو ثروة ليست لنا
تلك العصافير الشجية
سقطة لشموعك الحبلى بأحلام اليقينْ
هذا المدى أسطورة تتخاطف الروح المعلق
في النهايات القريبة والأفولْ ..
يا أنت تلك حكايتي .. وبدايتي
شقت طبول الحرب واللغة الرتيبة والفصولْ
لا يستطيع الحب أن يحكي أقاصيص الهوى
هل كان حبك للبنفسج سقطة في المستحيلْ؟؟
لا يستطيع القلب أن ينسى
خفاياك القريبة يا قرنفلة من التعب الجميلْ
هذي حكايتك النبيلة
فاستري الخد الذي فضحت ورود الشام
سر جنونه الأولْ
وجنونه الثاني وعينيك المخبأتين
في صدأ من المخملْ
هذي حكايتك النبيلة
والوداع
نهايتي في خيمة الأسطورة الأخرى
وحكايتي مأساة رمل لم تعاتب وجهه
أشواق نورسة مقيدة بجزر الموجة السكرى.

قد نقتربْ
هذي خيامي ترتقي ظهر الدجى
هذي خيولي تنتظر
تلك الرياح سعارها الوردي يقفز في خطاي
البحر هودج أخطبوط في دمي
الموت أغنية تلقفها الصدأْ
الصمت يقطن في جبيني
غير أني في مزامير السفرْ
أمضي لأعلن خيبتي أو دولتي
أو ما اختفى في شرح آيات النبأْ
أمضي
يطل القمح من جيب الغروب
ومن خياشيم القمرْ
وهناك في الأفق البعيد
أمد ظلي كي
ألامس صورتي وحدود جمهوريتي
و.. لكي
أطاول
جلنااااااااااراااااااات ...
القمرْ !!
 

 


دمشق، شتاء 1991
نشرت في مجلة الجسرة الثقافية - قطر