الشاعر الدنماركي بيتر لاوكسن: الجانب الميتافيزيقي في الشعر يجب أن يترجم بلغة التفاصيل الملموسة!

أنور بدر يحاورالشاعر الدنماركي بيتر لاوكسن


12/12/2008




دمشق ـ 'القدس العربي' من أنور بدر ولد الشاعر الدنماركي 'بيتر لاوكسن' عام 1944 في العاصمة كوبنهاغن، ودرس فن الطباعة، وتابع في دراسة الانتروبولوجيا لكنه لم يكمل، إذ لم يشعر بميل للحياة الأكاديمية، فهجر الدراسة كي يتفرغ للكتابة والشعر.


بدأ بالكتابة الإبداعية بشكل جدي أواخر الخمسينيات، وأول ديوان شعر أصدره بعنوان 'مشاهد طبيعية'، وكتابه الثاني كان بعنوان 'طباعة'، وله الآن خمسون كتاباً أغلبها في الشعر. كما جمع مقالاته الصحافية التي كتبها في أواخر السبعينات كناقد تشكيلي في كتاب نشره بعنوان 'تواريخ الفن'. وكتب كذلك مسرحيات جرى تقديمها في المسارح الدنماركية. أما آخر ديوان صدر له فكان بعنوان 'تقارير عن الطقس' وله ديوان شعر جديد سيصدر في الربيع القادم بعنوان 'صالة السينما القديمة'.


ربما يكون لاوكسن من أنشط الشعراء الدنماركيين المعاصرين في حقل الثقافة، وله مواقف عديدة مؤيدة للحوار بين الثقافات، والتفاعل الإيجابي بين الشعوب، وقد كتب دراسة هامة عن رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وهو الآن في إقامة لمدة شهر كامل في سورية ضمن نشاطات المعهد الدنماركي، وسيقيم خلالها أمسيتين شعريتين برفقة ثلاثة موسيقيين.


'القدس العربي' التقت الشاعر بيتر لاوكسن بمناسبة وجوده في دمشق، وحاورته حول تجربته الغنية، وحول الشعر الدنمركي، والموقف من الآخر:


في البداية نريد أن تعطينا فكرة عن الشعر الدنمركي، مدارسه واتجاهاته الراهنة؟

 
الاتجاه الحالي في الشعر الدنماركي هو امتداد للشعر الحداثي الأوروبي السائد عموماً، فنحن لا نزال تحت تأثيرات : تي. إس. إليوت، والشاعر الأمريكي كارلوس وليامز وباقي شعراء العشرينات من القرن الماضي، الذين افتتحوا أفق الحداثة الشعرية، والتي تنتعش حالياً في الدنمرك، مع أنها كتيار تأسست في بداية الخمسينات.


وفي الستينات حين بدأت في الكتابة كنا متأثرين بشكل خاص بالشعر الأمريكي :آلان غينسبرغ وشعراء 'البِيتْ'، وهم امتداد لموسيقى الجاز الحرة من حيث الشكل، والتي أثرت أيضاً على تجربة هؤلاء الشعراء. فبدأنا نكتب الشعر المباشر كما يتحدث الناس، وهذا ما كان يجري باعتقادي منذ ذلك الوقت وحتى الآن.


بالطبع لا ننسى تأثير الحركات الطليعية في أوروبا مرحلة الستينات التي ساهمت في تشكيل المشهد الثقافي لعموم القارة، ومنها الحركة الدادائية التي أفرزت امتدادات سياسية كنت منخرطاً في إطارها ذلك الوقت.
في هذه المرحلة كان يوجد نوع من الاحترام للشعراء في الدنمارك، ولكنّ ذلك الوقت توقف الآن ولم يعد موجوداً، فلجأنا إلى المقاهي والشوارع والأمكنة العامة لنقيم فيها أمسيات شعرية، وغالباً ما نمزج الشعر مع الموسيقى في أمسياتنا كمحاولة لشد الأجيال الشابة، فهم الوحيدون المهتمون بالشعر الآن، لذلك علينا تعميق التواصل معهم.


يبدو انحسار الاهتمام بالشعر كظاهرة عالمية الآن؟


بالنسبة للوضع في أوروبا والدنمارك أعتقد أنّ التطوّر الإعلامي الهائل لعبَ دوراً كبيراً في الحد من العلاقة بين الجمهور والشعر، ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد الآن مهتمون حقيقيون بالشعر داخل الدنمارك، ما أريد قوله أنّ التلفزيون والانترنيت أصبحا محور اهتمام البشر عموماً، لذلك أصبحت تجربة الجلوس وفتح كتاب الشعر للبحث عن تقاطعات المعاني وتأثير الكلمات في الذهن غير مُجدية، أو غير قادرة على المنافسة مع المتع الأخرى التي تقدمها الميديا عموماً.


ولكن رغم تأثيرات الميديا، ما زالت الرواية مثلاً تلقى اهتماماً ومتابعة أكثر من الشعر؟


لأنّ الرواية بشكل عام كانت وما تزال أكثر شعبية من الشعر في أوروبا، فمثلاً يمكن أن يقرأ رواية جيدة مليون شخص على مستوى القارة، بينما لن يتجاوز قرّاء ديوان شعر مهم في أوروبا وأمريكا خمسون ألف شخص.


هناك نوع من الانحسار للفن والثقافة عموماً وللشعر بدرجة أعلى بالنسبة للأجيال الجديدة، فالفن والأدب لم يعودا مرشدين إلى طريق الحياة، أو أنهما ليسا مفيدين على هذا الصعيد.


بالمقابل، نجد في العقد الأخير مثلاً عودة إلى الشعر في أوروبا، وخاصة لدى الأجيال الجديدة، لكنها عودة عبر الانترنيت، فلم يعد مُهماً أن تطبع ديواناً من الشعر، أصبحت القصائد تنتشر عبر الانترنيت، ويتم تداولها والاطلاع عليها، وهناك كتاب موهوبون ومهمون يعملون الآن عبر الانترنيت، وهي طريقة للتحايل على المؤسسات الثقافية العملاقة، فأنت تنشر ما تريد، وهذا مهم في اعتقادي.


كم نسخة طبعت من ديوانك الأخير مثلاً؟


600 نسخة فقط.


في تجربتك الشخصية ما هي المؤثرات الأوضح في الشعر والثقافة عموماً؟


'ديلان توماس' كان من أهم الشعراء الذين ألهموني في البداية، وخاصة طريقته في إلقاء الشعر، والبعد الإيقاعي في قصائده. كل ذلك ولّد نوعاً من السحر لديّ، ثم مدرسة 'البِيتْ' الأمريكية، 'جاك كروال' و'آلان غينسبرغ'.


كما تأثرّت بالحركات السُريالية والدادائية أدبياً وسياسياً، وتأثرت بالشعراء الألمان من أمثال 'برتولد بريخت' و'هولدرلن'. أمّا في الرواية فأكثر من تأثرت بهم 'وليم فوكنر' و'جيمس جويس'، وأنا أعمل منذ سنوات على ترجمة رواية جويس 'يقظة فنيغان' إلى اللغة الدنماركية.


أمّا الآن، فأنا أعود إلى قراءة النصوص الكلاسيكية اليونانية، وهذا نوع من إعادة اكتشاف النصوص القديمة، كما ترجمت بعضاً من أعمال شكسبير إلى اللغة الدنماركية.


رغم أنك ترغب في الكتابة عن الأشياء الصغيرة، كما تقول في إحدى قصائدك، إلا أنك تثير من خلالها أسئلة عميقة ووجودية، كيف صالحت هذين الاتجاهين في قصائدك؟


مزج هذين الاتجاهين يُصعّب الحديث عنه، لكنه تطوّر مع التجربة ومضي الأعوام، فأنا أكتب ما يُسمى 'القصيدة المفتوحة' التي يمكن أن يدخل فيها أي تفصيل، أما الجانب الآخر الميتافيزيقي الذي له علاقة بالوجود فيأتي من خلال التجربة والثقافة والاحتكاك مع النصوص الأخرى. ودعني أقول أنّ السمة الميتافيزيقية هي إحدى متلازمات الشعر باعتقادي، ولكنني نظرياً أريد لهذا الجانب الميتافيزيقي أن يترجم بلغة التفاصيل الملموسة والمعاشة، فما هو أعلى يجب أن يكون متضمناً فيما هو أدنى.


يبدو أنك مطلع بما فيه الكفاية على الشعر الصوفي؟


أنا أعرف النصوص الصوفية بعدة لغات، الإنكليزية، الدنماركية، الألمانية، وبين كل ترجمة وأخرى تكتشف اختلافاً في الصياغة والمعنى. لكنّ اطلاعي على الشعر الصوفي ساعدني عموماً على اكتشاف ما هو سامٍ في تجربة الحياة اليومية، فهناك مظهر ديني في الأشياء، لكنّ هذا المظهر لا يجوز أن يُسحب كامتداد لعقيدة أو مذهب، لأنه تجلٍّ في الأشياء العابرة.


وأعتقد بوجود تقاطع بين الصوفية والرمزية اليابانية، أن تكون موجوداً الآن وهنا، لكن ما يحدث أحياناً إذا ولدتَ في سياق ديني، أن تتحوّل إلى مُهرطق كبعض الصوفيين. فالعبارة 'أنا الله' مثلاً، لا تعني ذلك بالتأكيد.


وما يجمع الشعراء الصوفيين من القرون الوسطى في أوروبا أو الصين أنهم شعراء لا منتمون، ونقطة التقاطع هذه كان لها بعض التأثير على شعر الحداثة في أوروبا.


ما هي حدود معرفتك بالأدب العربي الحديث؟


أكثر ما ترجمَ لدينا هو 'أدونيس' و'محمود درويش'، كما قرأت بعض الترجمات
لـ 'فدوى طوقان'، و'مريد البرغوثي'، وقصائد متفرقة لشعراء آخرين لا أذكرهم الآن، وقد كتبت دراسة هامة في رحيل 'محمود درويش'.


أما في الرواية فلا نكاد نعرف من الروائيين العرب سوى نجيب محفوظ، وغياب ترجمات دنمركية للشعر العربي قائم بسبب ضعف الاهتمام بالشعر عموماً، حتى بالشعر الدنماركي أو الأوروبي، وهناك مترجمون صغار يهتمون بترجمة هذه الأعمال.


من خلال تلك الترجمات التي اطلعت عليها، هل تستطيع أن تقرأ الفرق مثلاً بين تجربتي 'أدونيس' و'محمود درويش'؟


أنا كقارىء لتلك الترجمات أرى من منظور أوروبي أن الشاعرين على معرفة كافية بتجربة الحداثة في الشعر الأوروبي المعاصر، وبشكل خاص الشعر الحديث الفرنسي.


لكنني أرى في أدونيس تجلي السريالية الأوروبية والميل إلى الجانب الميتافيزيقي، حيث يتقاطع مع أندريه بروتون مثلاً، لذلك نجد أن شعره ليس موجهاً إلى الجمهور العريض، بل هو يحتاج إلى قارىء مثقف، بينما شعر محمود درويش كان مرتبطاً بالمحسوس وبالقضية الفلسطينية، دون أن أقصد أنه شاعر سياسي بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن الموضوعات السياسية تبدو محسوسة في أغلب نصوصه.


أنا اعتقد أن الشاعرين عظيمان، لكننا إذا وضعناهما في السياق الأوروبي نكتشف أن أدونيس أقرب إلى ريلكه بينما درويش أقرب إلى برتولد بريخت، وبالقياس إلى الرسالة الشعرية يكون أدونيس أقرب إلى أندريه بروتون بينما يكون محمود درويش أقرب إلى جاك بريفير، وهذه المقاربات أوردها الآن فقط من أجل التوضيح وليس التقييم.


ولكن، هل تعتقد أن الشعر ما زال حامل رسالة؟

 
لستُ متأكداً أن الشعر مرتبط برسالة، لكنه طريقة قوية للإيصال، والشعر لا يُحدث تأثيرات مباشرة وفورية، وإنما يكون تأثيره على المدى البعيد، بالنسبة لقراء الشعر سيبقى التأثير في أذهانهم وسيغير على المدى الطويل، فإذا كان للشعر رسالة فرسالته هي القدرة على ذلك التغيير، ولكن على المدى البعيد.


واللحظات الشعرية منذ القدم مترابطة ومتقاطعة عبر إحداثها لهذا التغيير، وهذا ما أشعر به الآن، وإذا رجعنا بالزمن إلى الوراء، نلاحظ أنّ الشعر لا يحمل فروقات أو حواجز ثقافية، بل كان يسعى باستمرار لتجاوزها واختراقها أينما وجدت بين الشعوب والثقافات، وهذا الشيء قيل بطرق مختلفة، وفيه يكمن سحر الشعر وقوته.


لكنّ الكثير من الحواجز توجد الآن في مواجهة الثقافة العربية، لماذا لا يُترجم الأدب العربي إلى الدنمركية مثلاً؟


الموقف من الأدب العربي بالنسبة للدنماركيين مرتبط بقضية الهجرة واللجوء، هناك نوع من العداء أدى إلى خلق صورة نمطية، وهذا ما يُهيمن على المؤسسات الرسمية لدينا، حيث تهيمن النزعة اليمينية في السياسة، وهي تشبه سياسة 'بوش' الأمريكية، وأنا لا أرغب في الحديث عنها، فقط ما أرغب فيه أن يخرجوا من المشهد الدنماركي سريعاً.


الاهتمام بالآخر لدينا يتجسّر من خلال الأجيال الشابة في الدنمارك، وهذا الاتجاه ينمو رغم كل شيء، وأستطيع مع ذلك القول أنّ التنميط المشار إليه بداية لا علاقة له بالمشهد الفكري والثقافي في الدنمارك، وإنما هو مهيمن على الخط السياسي العام.


وما نقوم به الآن هو محاولة لاختراق هذه الظاهرة عبر دعوات متبادلة، ونحن نعمل الآن على دعوة خمسة كتاب سوريين لتقديم صورة الآخر في بلادنا، وهذا يحتاج إلى فترة طويلة، لكنه سينجح في تغيير الصورة النمطية لدينا.


سنبدأ في الخريف القادم بدعوة خمسة شعراء عرب إلى الدنمارك، ونضعهم مع خمسة شعراء دنمركيين، وسنترك الحوار مفتوحاً بينهم للمعايشة والكتابة، لنستمع إلى أشعارهم في النهاية، وأعتقد أنّ هذا سيؤثر في الدنماركيين عموماً، إذ يحضر كل أمسية لدينا ما يقارب 500 شخص، أغلبهم من المثقفين والمهتمين، لذلك ستكون تجربة القراءة مهمة لنا، وهذا ما نخطط لإنجازه.


في قصيدتك 'لواء' تبدو متشائماً مما يجري في هذا العالم حدود العبث أو اليأس: لا تكتب شيئاً آخر أنت لا تتذكر شيئاً إنهم أموات.


نعم هذه القصيدة من ديواني 'بذور وسيقان' الصادر عام 1988 وأعترف أن فيها يأسا يبلغ حدود غياب الأمل، لكنه ليس يأساً كلياً، فآخر مقطع من القصيدة أقول فيه: 'تتبع الصوتَ في الظلمة' وهو قول يترك النهاية مفتوحة بعض الشيء.


هل ترغب في إضافة أي شيء؟


ما أرغب في التأكيد عليه: أننا نملك قدرا من التشابه والتقاطع رغم اختلافنا، وهذا يظهر كلما نظرنا عميقا في الأمر، والشعر بالنسبة لي هو أفضل طريقة لاكتشاف هذا التشابه وذلك التقاطع بيننا.

قصيدتان للشاعر بيتر لاوكسن


'أشياء صغيرة'

ما أود الكتابة عنهُ
هو إلى حدٍ ما أشياءٌ صغيرةٌ
حتى أنها ليست لها كلمات
الكلمات
للأشياء الكبرى ليس إلا
حتى أنها لا تحمل معنى
ومنها بالمقابل ما يكفي
ولكنْ هذه الأشياء الصغيرة، ما اسمها؟
وكيف بإمكاني قولها؟
ليست الطبيعة ما أعني
ولكن حياتنا
كما هي
الطبيعة الكتابة عينها
يمكن قراءتها
الطقس يمكن أن يُقرأ
مثل شعر منظوم
ليس نثراً، بل إيقاعاً
التقويمُ يشي
أنه شعر
ولكن ليس هذا ما أود الكتابة عنهُ
إنها الأشياء الصغيرة
التي ليست لها كلمات
أو كل الكلمات لها
لأنّ كل الكلمات تأتي
من أشياء صغيرة تأتي
من كونها كانت يوماً كبيرةً
كون كلُّ شيء ينقلب
كوننا بكبرنا نصغر
الخطة هي وللمرّة الألف
كتابةُ كلٍّ ذلك ليصيرَ
قصيدةً شعريةً واحدة
لأنه هو على العموم ما هو.

''''''

'لواء'

المسؤولية طفل يبكي/ سحرته الجنية الشريرة إلى شركة تأمين/ مقاتلات تطارد في السماء/ من يقف ساكناً تماماً ويحدّق بعينيه بالماء المتجمّد سيرى صورة ً لعلبة ألونٍ مائية ودراجة بثلاثِ عجلات على خلفية من أرض حمراء وأشجار زيتون/ كل المباني هُشمت بالرصاص والريح تلعب بكتاب نوطةٍ مهلهل قديم/ حدث ذلك منذ زمن بعيد/ يحدث غداً/ لا تكتبْ شيئاً/ أنت لا تتذكر شيئاً/ إنهم أموات/ إنها لهم/ إنها حروف على الجدران/ تتبع الصوتَ في الظلمة.
 

 

القدس العربي