القدس 2009... عاصمة الفرص الضائعة؟ -  نجوان درويش

 

بين ضيق الرؤية، وتراكم الأخطاء، وتكريس الانقسامات


 

سنتان على إعلان القدس عاصمةً للثقافة العربية ـــ 2009، والمشروع لا يزال عند خطواته الأولى. من جهة لجنة حماس التي يرأسها وزير يحارب الرقص الشرقي والغزو الجنسي... ومن الأخرى لجنة السلطة المكبّلة بسقف وطني منخفض في التعامل مع المدينة الرمز... يتزايد الخوف على التظاهرة بأبعادها السياسيّة والثقافيّة

القدس المحتلة ــــ نجوان درويش


لعلّ الخوض في قضية القدس عاصمة للثقافة العربية ـــ 2009 بات أمراً محرجاً ومؤلماً. فالأخطاء تبدو مثل كرة ثلج تتفاقم منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2006. ما إن اتُّخذ ذلك القرار ارتجالاً ــــ وهو قرار صائب في ذاته وخاطئ في حيثيّات توقيته وقلة الاستعداد له ــــ في اجتماع وزراء الثقافة العرب؛ حتّى اكتسبت القضية فيروسات الضعف العام في الأداء الوطني الفلسطيني وفيروسات الانشقاق، وأيضاً وباء الخطابة الإنشائية الفولكلورية العربية. تلك الخطابة التي يستعاض بواسطتها عن المسؤولية التاريخية ومتطلّبات العمل الجاد الذي يتجاوز التضامن اللفظي وتضامن الإحسان إلى المشاركة العضوية، وإدراك أنّ وحدة المصير بالنسبة إلى العرب، حقيقةٌ موضوعية لا شعار من خمسينات القرن الماضي.


ولعل من الضروري التذكير هنا بأنّ القدس ليست ضريحاً مباركاً تُحمل له النذور الموسمية وبقايا الزكاة، ولا هي غرفة تُحتضر فيها جدّةٌ فاضلة نطلب التحويلات المالية من أشقائها بحجة غوثها والإنفاق على علاجها. بل إنّ القدس ـــ بما تمثّله ـــ عصب جميع قضايا التحرر العربية، ويصعب تخيّل كرامة للإنسان العربي أو موقع له في التاريخ من دون تحريرها من الاحتلال. وعليه، فإنّ سؤال التحرّر ومواجهة الكولونيالية الصهيونية ثقافياً هو لبّ مسألة القدس 2009.


بعد انقضاء سنتين على قرار إعلان القدس عاصمةً للثقافة العربية لعام 2009، نجد أنّ المشروع ما زال في خطواته الأولى! وأبرز الإنجازات لجنتان متعارضتان سياسياً، واحدة تابعة لـمكتب الرئاسة في رام الله، ولجنة أخرى تابعة لـسلطة غزة! وإن كانت اللجنتان تشتركان في الخلل البنيوي ذاته، وفي جملة من المثالب، أهمّها ضيق الرؤية وانخفاض مستوى الخطاب وسطحيته... يكفي لكي يتثبّت القارئ من ذلك أن يطلع على ما يصدر عن اللجنتين من إنشائيات بين الحين والآخر.


لكنّ حظوظ لجنة رام الله تبدو أعلى من حظوظ لجنة غزة في معركة السيطرة على القدس 2009، من باب أنّها أقرب جغرافياً إلى القدس، والأهم أنّها أقرب إلى الموارد والتمويل العربي المنتظر... وما تيسّر أيضاً من تمويل غربي مأمول. وفيما أعلنت لجنة غزة رصدها مليون دولار للفعالية، تتحدّث لجنة رام الله عن خمسين مليون دولار تتوقع الحصول عليها. وقد حاولت لجنة غزة أن تفسح مكاناً لأسماء فلسطينية من الشتات ومن الأراضي المحتلة عام 1948، إضافة إلى بعض الأسماء العربية، وهو ما لم تفعله لجنة رام الله ولم تراجع نفسها به، رغم كل النقد الذي وجّه إليها)، كما حرصت على جمع أعضاء لهم سمعة وطنية جيدة... لكن المقاومة والوطنية وحدهما لا تكفيان، بمعزل عن الشروط الموضوعية الأخرى للعمل الثقافي والسياسي، حيث لا غنى عن برامج وأفكار تستطيع الصمود أمام اختبار الواقع وتحدياته... ولا بد أيضاً من إدراك حقيقي للتعددية الفريدة التي تمثلها مدينة القدس. وهي تعددية لا تمنع بأي حال من تسميتها مدينةً عربيةً، كما يرى المتأثرون بالاستشراق الصهيوني!


التشكيلة النهائية للجنة التي عيّنها إسماعيل هنية تصلح لأي شيء إلا لمشروع ثقافي بحجم القدس 2009، (والكلام نفسه ينطبق على لجنة رام الله). كما أنّه كرر خطأً سابقاً حين عيّن عطا الله أبو السبح (وزير الثقافة السابق في حكومة حماس) رئيساً للجنة. وأبو السبح لمن لا يعرفه هو من أقنَع موظفات وزارة الثقافة في غزة بارتداء الحجاب... بالحسنى طبعاً! كما أنه ذائع الصيت في محاربة الرقص الشرقي، والغزو الجنسي، والتصدي لكلّ أشكال الكتب والمطبوعات التي تصوّر مادونا عارية في السرير! فضلاً عنّ تكريس الانشقاق الفلسطيني في قضية القدس، خطأ كبير تتحمّل مسؤوليته سلطة رام الله وسلطة حماس معاً، وتتحمّله أيضاً الدول العربية التي تشجّع الانقسام بالوقوف مع طرف وإقصاء الطرف الآخر.


ولا شك في أنّ عدم إفادة الأطراف الفلسطينية المنسّقة لـالمشروع (المهيمنة عليه بالأحرى)، من النقد الواسع والمخلص الذي قُدِّم من جميع الأطراف، أمر محبط سيعطّل الأهداف المعلنة للقدس 2009 التي لا يمكن تحقيقها من دون حوار حقيقي، يضع جميع الطاقات الفلسطينية والعربية وطاقات أصدقائنا في العالم في خدمة قضية القدس 2009. وقضية هي الكلمة الأدق لوصف هذه الفعالية/ المعركة الثقافية التي ينزل لها العرب من دون استعداد كاف وإدراك ملموس لحجم التحدي. كلمة مشروع التي يجري تداول قضية القدس 2009 من خلالها، تُستعمل في خطاب مؤسسات المجتمع المدني بمعنى طلب منحة مالية... وهي بالتالي تعطي انطباعات خاطئة عما ينبغي أن تكون عليه قضية القدس 2009. ولعل أكثر ما ينقص القائمين على القدس 2009 في فلسطين المحتلة، هو بعض التواضع قبل كل شيء، ومحاولة التعلّم من الأخطاء السابقة، ومن النقد الجذري الذي وجِّه إليهم ومواجهة الذات بأنّ ثمة خللاً لا يجوز السكوت عنه إن أريد لهذه الفعالية أن تنجح.
على سبيل المثال، لم يناقش أحد بجدية مسألة اعتذار الراحل محمود درويش عن رئاسة اللجنة التي كُلّف بها رسمياً.. ولا سبب استقالة حنان عشراوي العام الماضي بعد فترة وجيزة من تعيينها لرئاسة المكتب التنفيذي للفعالية. ولا لماذا استقال أخيراً باسم مصري من المسؤولية ذاتها بعد قرابة تسعة أشهر من توليه رئاسة المكتب التنفيذي للفعالية. لم يصدر بيان صحافي واحد يوضح للرأي العام ماذا يحدث؟ وما هي حيثيات تعيين الطاقم الجديد؟... وهذا أقل واجب نحو الشركاء، فضلاً عن الرأي العام وعن كل الذين يتوقون إلى المشاركة في القدس عاصمة الثقافة العربيّة ــــ 2009. وهنا ينبغي احترام دور للصحافة، والتخلّص من ذهنية التعامل مع الأصوات النقديّة باعتبارهم عناصر مشاغبة ينبغي احتواؤها، فيما النقد صمام أمان للفعل الثقافي... لا خطر ينبغي التصدي له وإقصاء أصحابه!


كما أنّ قضية القدس أكثر خطورة من أن تترك لبعض موظفي ديوان الرئاسة، كأنّ الأمر حفلة خاصة يقيمها أبو مازن... وهي أهم من كونها مناسبة لرحلات بعضهم إلى بيروت ودمشق، والتقاط صور مع ميادة الحناوي!


 

عدد الاربعاء ٣ كانون الأول ٢٠٠٨

******************************************************************************************************************

هكذا سقط نصف العاصمة الأبديّة من خطاب السلطة- نجوان درويش

 

نجوان درويش


لعل أول الأخطاء في مسألة القدس 2009 كان استئثار السلطة الفلسطينية بموضوع القدس 2009، لأسباب عدّة أولها أنّ السلطة التي تمر الآن بأضعف لحظاتها والمقيّدة باتفاقات أوسلو لا يمكنها رفع سقف الخطاب الوطني المتعلق بالقدس. ولهذا، نجد الخطاب الرسمي لـ 2009 يتحدث عن القدس باعتبارها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 فيما وعي الشعب الفلسطيني ومعظم الشعوب العربية يأخذ في الحسبان أيضاً القسم الغربي من المدينة الذي احتُل عام 1948. ولو أنيطت مهمة الإشراف على الفعالية بلجان أهلية لكانت السلطة الفلسطينية قد وفّرت على نفسها الإحراج، وكان يمكنها أن تكون أحد الأطراف المشاركة لا الطرف الرئيسي أو حتى الطرف الوحيد. وما كان عليها أن تجاري الأنظمة العربية في طريقة إداراتها التعيسة لـمدن الثقافة العربية.


وبشأن هذه المسألة يوضح خالد الحروب، وهو أحد الذين قدّموا نقداً رصيناً في الموضوع، بما استطاعه من لغة مهذّبة: هناك واقع لا يمكن إنكاره يقول إنّ كثيراً من الفلسطينيين في الداخل والخارج سيمتنعون عن التعاون مع أي أطر رسمية فلسطينية في هذا الشأن أو غيره، بسبب حالة التلوث والاستقطاب السياسي التي تعيشها الساحة الفلسطينية. ويضاف إلى ذلك كلّه نقطة مهمّة تتعلّق بالشفافية المالية، وحسن إدارة الموارد التي يبدو القلق مشروعاً إزاءها، ولا سيما أنّنا عرفنا في العقد الأخير تجارب مريرة في سوء إدارة الموارد إن لم يحب بعضهم استعمال كلمة فساد. كما أنّه من النقاط الجوهرية المثارة هنا، أنّ جملة من المستفيدين المتوقعين من مشاريع القدس 2009 هم من أعضاء اللجنة التحضيرية من خلال المؤسسات التي يمتلكونها، وهو ما يخالف أبسط قواعد الشفافية بعدم جواز إفادة المانح من المنح التي يقدّمها.


أضف إلى ذلك تغاضي لجنة رام الله عن النقد المتعلق ببعض أعضائها المحسوبين على تيار الأسرلة الثقافية، حيث مجرّد وجود هؤلاء يضع علامات سؤال كبيرة... فضلاً عما يمكن أن يمرّروه في برامج الفعالية وتوجّهاتها. وهو ما يطرحه للنقاش أسامة الأشقر رئيس مؤسسة فلسطين الثقافية: في اللجنة ثلة من كبار الموقّعين على وثيقة جنيف، أبرزهم شخص أشرف على تنظيم الاحتفالات الفنية لتوقيع وثيقة جنيف التي تركل الحقوق الفلسطينية الأساسية بقدم صهيونية... والأشقر يعكس من مكان إقامته في سوريا التخوّفات التي وصلت إلى فلسطينيي الشتات، من وجود أسماء عُرفت بتوجهات لا يقبلها الشارع الفلسطيني، ويمكن أن تحرف مسار القدس 2009 عن أهدافه.


 

عدد الاربعاء ٣ كانون الأول ٢٠٠٨