الرقابة موجودة في ثنايا كتابتنا من دون ان ندري ! ..الشاعرة التونسية كوثر خليل: اجرى الحوار : بسام الطعان


23/12/2008



كوثر خليل.. أديبة وشاعرة وناقدة تونسية، تكتب باللغتين العربية والفرنسية، وتنشر نتاجها في الصحف والمجلات العربية ولوموند الفرنسية. حاصلة على شهادة المرحلة الأولى من التعليم العالي شعبة الآداب الفرنسية. صدر لها:

1ـ إشارات نارية. مجموعة شعرية 2006

2ـ خرافة بربرية. مجموعة قصصية 2007

3ـ LA VILLE MAUDITE/TEXTES POETIQUES
المدينة الملعونة .شعر بالفرنسية

4ـ ظل العائد. مجموعة شعرية 2008

5ـ مقام البيداء. رواية 2008

حاصلة على عدة جوائز في القصة والنقد والشعر في تونس

إنّ اهتمامك يتوزع بين السردي والنقدي، وهذه فرصة لنحاورك حول السرد والنقد.. هناك بعض الأصوات في المشرق العربي تقول أنّ الحركة النقدية في المغرب العربي تتفوق على الحركة الإبداعية، كيف تفسرين ذلك؟


إنّ تفوّق الحركة الفكرية بصفة عامة على الحركة الإبداعية قديم في بلاد المغرب العربي وهذا يعود للمناخ الجغرافي والسياسي الذي تتسم به المنطقة وهذا نلاحظه أيضا بالنسبة للجزء الغربي والجزء الشرقي من أوروبا، فللمناخ الجغرافي أثر كبير في تشكيل الحياة الفكرية والنفسية للأشخاص كما أنّ الأساس الثقافي الشفوي للمنطقة هو الذي لم يمكّن من حفظ النصوص الإبداعية للانطلاق منها و تطويرها ولكن هذا لا ينفي أن هنالك حركة حديثة تهدف إلى استنطاق الذات والبحث في مكنوناتها من خلال العمل الإبداعي، خاصة منه المكتوب باللسان الفرنسي فهذه التجربة لا يمكن إنكارها في بلاد المغرب العربي وقد مكّنت في حدّ ذاتها من تطوير النص العربي من خلال تلاقح وجهات النظر وخلق منطقة تداخل أسلوبية وفكرية بين اللغتين.

كناقدة، كيف تقرئين النص الأدبي؟ هل لك أن تحدثينا عن استراتيجيتك في القراءة النقدية؟

قراءتي للنص الأدبي تنبع من داخل النص في بداية الأمر فالنص هو حجّة ذاته وهو البداية والمنتهى لكن فيما بعد أرصد تقاطعات هذا النص مع موروثه المحلّي والإنساني وأنا متأثرة بمدرسة رولان بارت وإن كنت لا أنفي أيّا من المدارس الأخرى فكلّها تهدف إلى إثراء القراءات وإعطاء النص بُعد الجمع لا المفرد وربّما فرض عليك نصّ ما قراءة نقدية دون غيرها فالنقد عملية تفاعل بالأساس وأرفض أن تكون إسقاطا بأي شكل من الأشكال.

الحركة النقدية العربية، في المشرق وفي المغرب، كيف تقيمينها في المرحلة الحالية، هل يمكن الحديث عنها بعين الرضى والتقدير، أم العكس؟

الحركة النقدية العربية في المشرق وفي المغرب تخطو خطوات هامة منبعها التأثر بالمناهج النقدية الروسية والغربية ولكنها تبقى مبتورة عن واقعها الإبداعي لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات النص العربي الألسنية والأسلوبية ولا ترصد خصوصيات العلاقة بين المبنى والمعنى وتطورها في النص العربي الحديث فالنقد العربي يكتفي باستهلاك المناهج الحديثة ولا يصنع آلياته الخاصة وهذا يجعله فريسة العلاقات الشخصية التي تحتفي بالنصوص الأقل قيمة وتوجّه أصابع الاتهام للنصوص التي يمكن أن يكون فيها بحث وابتكار ولكنّ هذا الحكم ليس عامّا ونحن بحاجة إلى إعادة النظر في مَوْروثنا الإبداعي والنقدي ومعرفة أسباب الخلل فيه.

هل يمكن أن يقول النقد الكلمة الأخيرة، أو يصدر الحكم النهائي على الرواية، أو القصة القصيرة أو القصيدة، أو أي جنس أدبي آخر، وكيف يجب أن تكون العلاقة بين النقد والأدب، وهل كلّ النقاد صادقون، حياديون؟

لا يمكن أن يكون للنقد الكلمة الأخيرة على النص الأدبي لأنّ الإبداع الحقيقي يسبق النقد ولا يأتي بعده فالشاعر المتنبي يقول ' أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم'، وهذه هي العلاقة الحقيقية بين الأدب والنقد ولكن متى يكون الناقد سابقا للعمل الفني؟ عندما يستبطن الظاهرة الفنية ويقدّم آليات حديثة تعين الكاتب على رؤية مساره الصحيح وتعديله لأنّ العمل الفني خلطة سحرية وحالة خاصة من الدهشة والتفاعل مع الكون ولكن بإمكان المبدع الحقيقي عقلنة هذه العملية وتسليط رؤية فكرية على الرؤية الفنية وهذا التكامل بين النقد والأدب هو الذي يجعل من الجوّ الإبداعي جوّا صِحيا لفائدة الإبداع ولفائدة المجتمع.

أي جنس أدبي من الأجناس الأدبية التالية : الرواية، القصة، القصيدة، قادر في وقتنا الراهن أكثر من غيره على أن يفرض سلطته على المتلقي وأن يثير فيه الفضول والإحساس بالجمال، ولماذا؟

مسألة اختيار جنس أدبي بعينه ليعبّر عن المجتمع فيه الكثير من التعسّف كما أنّ إسقاط رؤية نقدية ما بأحقية جنس على الأجناس الأخرى فيه تأثر بالاستهلاك الثقافي العالمي فأنا أكتب القصة والرواية والقصيدة وأعرف أنّ هذه المسألة ذوقية بالأساس، فإذا كانت الرواية قادرة على استبطان تفاعلات المجتمع ونقلها بخصائصها المركّبة واقترابها من البحث الاجتماعي في كثير من الأحوال فإنّ القصة قادرة على رصد لحظة بعينها بكافة تفاعلاتــــها ونقل ذلك الوعي الفكري والاجتماعي إلى القـــارئ في عدد محدود من الصفحات إضافة إلى أنّ القصيدة بعدد قليل من الكلمات يمكن أن تهديك عالما بأكمله وتنقل إليك شبكة من المفاهيم الجمالية والفكرية والاجتماعية (نص محمد الماغوط) وهذه الكثرة لا تفسد للودّ قضية بقدر ما تشكل مَوشورا يمكن بفضله رؤية كلّ جوانب الظاهرة الإبداعية في عصر بعينه وفي بلد بعينه.

يقول البعض- و القول برأيي تعسف- إن القصة القصيرة هي تدريب كتابي يسبق الرواية، وان الرواية هي البيت بينما القصة عتبته، هل هذا القول صحيح؟ وهل يوجد جنس أدبي يعتبر تدريبا لجنس آخر؟

من يقول هذا الكلام لا يشتغل بالإبداع لان اللحظة الإبداعية منفصلة تماما عن أي 'تدريب' فالكتابة ليست فرضا مدرسيا له شروط سكولاستيكية لصياغة الأفكار والمشاعر يبدأ بنص اصغر حجما للوصول إلى نص أكبر حجما، فالنص هو الذي يملي شكله و لغته إن كان الكاتب متعدد اللغات وهو كائن قائم بذاته و ليس تجربة علمية تضيف إليها عناصر معينّة فيتغيّر شكلها النهائي فالنص إما أن يكون او لا يكون.

ما هي المقوّمات والأساليب التي يجب أن يستخدمها القاص لتحقق قصته النجاح ومن ثمّ الاستيلاء على القارئ والظفر به ؟

يجب أن يكون القاص واعيا في البداية بمقومات القصة القصيرة كجنس أدبي قائم بذاته. فليست كلّ حكاية قصة قصيرة لتكون كتابته نابعـــة من معرفة بالآليات ووعي بإمكانيات القصة القصيرة كما أنّ المقــــوّم الأساســي لتحقيق أي نجاح أدبي هو احترام عقل القارئ وهذا يفرض إتقان العمل والبحث عن الجديد والتعمق في الذات الإنسانية.

مع أنّ القصة القصيرة دائما منشورة على صفحات أيّ جريدة أو مجلّة سواء كانت أدبية أو اجتماعية أو سياسية، إلاّ أنّ هناك من ( يفوّل) على القصّة على أنّها تعيش أيامها الأخيرة، وأنّ فن القصة القصيرة بات مهدّدا بالانقراض، ما رأيك في ذلك؟

في رأيي يجب أن يترفّع الأدب بصفة عامة عن صرعات الموضة التي تتعرّض لها البضائع الاستهلاكية الأخرى لأنّ الأدب يمس الروح والعقل ويتطلّب وقتا طويلا لتغيير العقليات باتجاه ما والقول بموت الشعر وموت القصّة سيعقبه قول بموت الرواية وربما بموت الأدب. أظنّ أنّ هذه التصريحات حول موت جنس من الأجناس خطير جدّا وهذا يصنّف في الدور السلبي للنقد لأنّه يضر بالأدباء الناشئين ويجعلهم ضائعين لا يعرفون أي منقلب ينقلبون كما انّه في بلادنا العربية لم يأخذ ايّ من هذه الأجناس حظه حتى نحكم عليه بالموت فالقصيدة النثرية تشهد صعودا ولديها الكثير من الصعوبات في التعبير عن واقعها وما زال أمامها الكثير من المواضيع لطرقه والكثير من الأساليب لتتطوّر من خلالها وكذلك القصة القصيرة، وإذا عدنا للموروث العربي القديم نجد أنّ هذه الأساليب لم يقع تطويرها ودراستها بالقدر الكافي ولهذا أرى أننا نسير بسرعة جنونية للحاق بالنموذج الغربي في الثقافة دون أن يكون لنا نفس التاريخ ولا نفس المقومات وعلينا إعادة النظر في كلّ الأحوال في كثير من المسائل.

القصة القصيرة التونسية، كيف تقيّمينها في المرحلة الحالية، وهل تقف عند أسماء معيّنة، أو أنّ هناك أسماء أخرى تؤثر في المشهد القصصي التونسي، ومن هو رائد القصة القصيرة في تونس حاليا؟

المشهد القصصي في تونس ثري وينقسم إلى قديم وحديث ولكنّه يفتقر إلى الدراسة، في تونس أسماء كثيرة تكتب القصة القصيرة ولكنّ الاهتمام الأساسي بالشعر في تونس وزحف الاستعمار الثقافي للرواية يجعل من القصة القصيرة قطاعا مهمّشا نسبيا وإن كنّا لا ننكر وجود أسماء تكتب القصة القصيرة مثل عبد القادر بن الحاج نصر/ صلاح الدين بوجاه / سمير العيادي / مسعودة بوبكر / فوزية العلوي / محمد عيسى المؤدّب / بسمة البوعبيدي ولا يمكن أن نقول بوجود أسماء رائدة فلكلّ مذهبه ولكلّ تجربته.

كلّ كاتب يحسّ أنّ روحه الأدبية مكوّنة لجنس أدبي أو لنقل أنّه يجود في كتاباته. في أيّ جنس أدبي تجدين روحك الأدبية أكثر، أو الدرجة الأولى ؟

أظن أن الشعر هو الأقرب إلى قلبي فلي ثلاثة دواوين شعرية اثنان منها بالعربية (إشارات نارية/ظل العائد) و لي ديوان باللسان الفرنسي عنوانه (المدينة الملعونة). وإذا كنت أضع كل ذاتي في لحظة الكتابة سواء كتبت الشعر أو القصة أو الرواية أو النقد و سواء كان ذلك بالعربية أو بالفرنسية و لكن الشعر ديوان العرب في كل زمن مهما اغترب فلا بدّ أن يعود إلى دياره.

بما أنّك تشتغلين في المجال الأدبي وفي المجال النقدي، لو طلبنا منك أن تشتغلي في مجال واحد فقط وتتركي الآخر، أيّ مجال تفضلين، الأدب أم النقد، ولماذا؟

أحبّ النقد لأنّه يمكنني من مناصرة مواقف أدبية أو فكرية لا أستطيع الإفصاح عنها أحيانا عند الكتابة ولكن إذا خيّرت بين الأدب والنقد أختار الأدب ولا يعني ذلك أنّ الفصل وارد أو نهائي ولكن الإبداع يبقى الأقرب إلى الكاتب.

ما جدوى الكتابة في عالمنا العربي المنهار قيما جمالية وإنسانية؟ وهل الأدب العربي قادر على وضع إصبعه على الجرح الذي يعاني منه المواطن العربي المغلوب على أمره، جرح القضايا العربية المعقدة من المحيط إلى الخليج، وجرح القضايا المعيشية اليومية؟


لا تكتسب الكتابة جدواها وقوّتها إلاّ عند الأزمات لأنّها صرخة في وجه العدم والموت والإهانة ولكن متى يكتسب الفن فعاليته؟ عندما يتبناه المجتمع ويرى فيه غذاء لا يقلّ أهمية عن الخبز عندما يكف عن أن يرى فيه ترفا وعملية مسقطة على الواقع عندما يرى فيه فكرا لأنّ الفن مهما تنوّعت أشكاله هو تجلّ للفكر الإنساني.

الحركة الثقافية العربية في المرحلة الراهنة، هل تجدينها تسير في الاتجاه الصحيح، أم تراوح في مكانها، أم تتراجع إلى الوراء؟

الحركة الثقافية العربية تشهد تراجعا من جهة الكيف وإن كان هناك ازدياد في كم الإنتاج الروائي في المشرق والمغرب لأنّ الخطاب في حدّ ذاته متذبذب. هنالك من يفضل ركوب الموجة على الاضطلاع بدور الأدب الحقيقي بتعلة أنّ الاستهلاك يتجه إلى أسلوب دون آخر أو فكرة دون أخرى، وليس هناك اشتغال على المدى البعيد وبحث في خصائص اللغة لتطوير الخطاب الفكري والجمالي بصفة عامة.

بيئة الكاتب هي الخلية الأولى التي تمدّه بالحدث الملائم، ما مدى تأثير البيئة التونسية عليك ككاتبة، هل دائما تأخذين مواضيع إبداعاتك من هذه البيئة، أم تستعيرين بيئة أخرى؟

لا يمكن أن ينفصل النص عن بيئته فالاتصال شعوري ولا شعوري واع وغير واع وكل انفصال للحظة الكتابة لا يمكن أن يكون إلاّ إعلاء للبيئة الفكرية والجغرافية التي تنطلق منها. كما أنّ التعدّد الجغرافي والتاريخي في البيئة التونسية يجعل منها بيئة خامّا في كلّ مرّة لأنّه لم يقع التطرّق إليها اجتماعيا وتاريخيا وجماليا بالقدر الكافي.

حين تشرعين بالكتابة، هل تفكرين بالرقيب؟ هل هو موجود بقوة في تونس وإذا كان موجودا هل هو ظالم أم عادل؟

الرقيب يختلط بمقوّماتنا الثقافية وبخطابنا دون أن نشعر وسواء كان الكاتب تونسيا أو عربيا فإنّ الرقيب يفيدك من جهة أنّه يفعّل الأساليب الأدبية التي تصنع خطابا ما ورائيا، بَعديا، فنطازيا وتنوّع من التجربة الإبداعية ولا تقتلها كما أنّها تفعّل أساليب التورية والتقنية في الأدب وهذا يصنع جماليته.