'المر والرمان' يكشف معاناة زوجات الأسرى الفلسطينيين

 
السينما الفلسطينية تطرح فيلما روائيا بدبي يتناول لأول مرة وضع المرأة التي تضطر للبقاء وحيدة بعد اعتقال زوجها.

ميدل ايست اونلاين


دبي من هدى ابراهيم

 

لاول مرة في تاريخها تطرح السينما الروائية الفلسطينية وضع المرأة التي تضطر للبقاء وحيدة حين يسجن الاسرائيليون زوجها لفترة طويلة، وذلك في فيلم روائي اول لنجوى نجار بعنوان "المر والرمان" عرض السبت في مهرجان دبي السينمائي.

وافتتح هذا الفيلم عروض "الليالي العربية" التي تقدم افلاما عربية خارج المسابقة "تشترك بلمس جوانب من الحياة العربية المعاصرة" كما ورد في تعريف هذه الليالي من قبل منظمي المهرجان.

والفيلم، الذي يذكر بشكل غير مباشر بآلاف السجناء الفلسطينيين المعتقلين من دون محاكمة في السجون الاسرائيلية، تتوقف فيه العدسة عند الوضع الانساني والعاطفي لزوجة المعتقل الفلسطيني، ويعرض لحالها كضحية غير مباشرة لهذا الغياب القسري المفروض عليها من قبل الاحتلال، كما المصادرات المتكررة للاراضي الفلسطينية بسبب او من دونه.

وعرض "المر والرمان"، الذي قدم السبت في عرض عالمي اول في الدورة الخامسة لمهرجان دبي السينمائي التي تختتم في 18 كانون الاول/ديسمبر، جانبا آخر من جوانب الوجع الفلسطيني بجرأة امتاز بها ايضا الفيلم الروائي الفلسطيني الاول الذي انجز قبل اشهر وكان من اخراج امرأة ايضا.

وتوقفت السينما الفلسطينية عند قضية الحق الفلسطيني وضرورة الاعتراف به في فيلم "ملح هذا البحر" للمخرجة آن- ماري جاسر، الذي يعرض في دبي ضمن مسابقة المهر للافلام العربية.

ويأتي "ملح هذا البحر" بعد ان قدم رشيد مشهراوي في شريطه الاخير "عيد ميلاد ليلى" عنف الحصار اليومي والاحتلال الذي لا ينجح في افساد الحياة تحت السقف العائلي بل على العكس يعززها.

وحصد فيلم مشهراوي جوائز عدة في مهرجانات ابو ظبي وقرطاج ودمشق والقاهرة.

وتدور احداث فيلم "المر والرمان" في رام الله، ومحور زمانها هو السنوات الاخيرة التي شهدت تصاعد الهجمة الاستيطانية على الضفة الغربية وتضاعف وتيرة مصادرة الاراضي باوامر عسكرية اسرائيلية.

وجاء سيناريو قصة هذه المراة، التي تجد نفسها فجأة ومباشرة بعد زواجها وحيدة حين يعتقل الجيش الاسرائيلي زوجها، محكما لا يشكو من زيادات او ترهلات كثيرا ما تطرأ على السينما العربية.

وبدا الفيلم في مضمونه جريئا وفي طرحه متقدما، يكاد يوازي تحولات المجتمع وما يدور فيه، ف "قمر" الشابة الحالمة التي تهوى الرقص وتتدرب عليه في فرقة في رام الله المقفلة، تبدو كالفرس الباحث عن مساحة للانطلاق الى رحاب الحياة.

وتؤدي الدور على نحو مقنع الممثلة ياسمين المصري التي سبق لها وان شاركت في فيلم "سكر بنات" للبنانية نادين لبكي.

ونجح "المر والرمان" في رسم اطر العلاقات بين الزوجة الشابة المحرومة جنسيا وبين الزوج الذي يحس بزوجته لكنه يرفض توقيع اعترافات غير صحيحة مقابل افراج الاسرائيليين عنه، وان تمردت عليه الزوجة وطالبته بالتوقيع كي يعود اليها.

لكن الفيلم يترك هذه الزوايا مثل هذا الجزء من القصة غامضا، اذ سريعا ما يخرج الزوج ولا نعرف ان كان استمع الى رأي الزوجة واقتنع به او ان السجانين قرروا فجأة اطلاق سراحه بعد سجنه الاداري الذي كان يمدد في كل مرة.

ولفت ان الزوج، اشرف فرح، بدا في اول دور سينمائي له عادي الاداء واقل قدرة على مس المشاهد رغم جمال حضوره على الشاشة، اما الممثل الآخر علي سليمان فبدا حضوره طاغيا وحقيقيا ومقنعا في دور استاذ الرقص القادم من لبنان لتدريب الفرقة المعزولة في رام الله.

من ناحيتها، ادت هيام عباس، المشاركة في فيلمين في دبي عراقي وفلسطيني، دور سيدة خمسينية متصابية وصاحبة قهوة متفتحة وجريئة لا يفوتها شيء، تعجب بالشاب الجميل الوافد لكنها تدرك من البداية حدود اللعبة وتلاحظ انشداده ل"قمر".

وهي وان كانت تعارض في البداية كون قمر متزوجة فهي تتغاضى بل تكاد تبارك العلاقة الناشئة بين الشابين المشدودين عاطفيا. ويضفي دورها وعباراتها حسا كوميديا خفيفا على المواقف، كان الشريط ليكون افضل لو انها انسحبت على الفيلم بطوله.

واذا كان المجتمع الفلسطيني في رام الله، الاقل انغلاقا من غزة، يفرض هو الآخر قيوده على المراة وعلى حريتها، فهناك في مواجهته ارادة المراة القادرة دوما على التملص من القيود وعلى تحقيق ذاتها ورغباتها ضمن ذلك المجتمع.

ونجحت المخرجة في تصوير مشاهد الرقص التي ينطوي عليها الفيلم بحيوية معبرة تفيض بروح التمرد الكامن في جسد كل فلسطيني، وتحديدا جسد "قمر" الفتي. هذا التمرد الذي يقودها في ظل الغياب الطويل للزوج لممارسة نوع من "خيانة مشروعة" تتغلب فيها على حرمانها العاطفي والجسدي متجاوزة حدود القيود المجتمعية والعائلية.

ويشترك هذا الفيلم في كثير من الصفات مع اعمال فلسطينية اخرى لجهة تحبيذه الحياة التي تستمر مهما كان وبكافة وجوهها. فحين تذهب عائلة العريس في بداية الفيلم الى عرس "قمر" في القدس وهي تغني وداعا للعزوبية، وخاصة الاب والابن العريس، تتوقف الاغنية زمنا على الحاجز لكنها تستأنف مباشرة بعد العبور.

وتلعب المحامية ليا تسيميل دورها الفعلي في الفيلم كما في الحياة حيث تدافع كمحامية عن السجين السياسي او الاداري الفلسطيني، لكنها تجد، كما السجين الشاب، ان من الاولى الدفاع عن الارض. اذ سريعا ما تتبدى لها حدود وهوامش تحركها، بل هي تعترف بعجزها في معظم الاحيان عن فعل شيء امام القضاء الاسرائيلي.

وحققت نجوى نجار في فيلمها الناطق بالانكليزية والعبرية فضلا عن العربية، والذي جاء انتاجه في جزء كبير منه فلسطينيا بمساعدة اوروبية وفرنسية، قصة حب فيها مقدار من الحرية يتفوق على غياب الحرية العامة التي يصادرها الاحتلال الاسرائيلي كما يصادر الارض، لكنه كاي احتلال لا يمكنه مصادرة الحب ولا الاغنية.

واستغرق ايجاد المال لانتاج الفيلم شهورا كما استغرق تصويره في الاراضي الفلسطينية شهورا ايضا في مناطق صعبة.

وكان سيناريو هذا الفيلم حاز جائزة افضل سيناريو في مهرجان مدينة اميان الفرنسية الذي يدعم سينما الجنوب، كما شارك في ورشة الكتابة في مهرجان "ساندنس" الاميركي وايضا في ورشة عمل الافلام الشرق اوسطية العابرة للحدود في مهرجان كان.

اما مخرجته نجوى نجار فسبق لها وان انجزت عددا من الافلام الوثائقية والقصيرة في الاعوام الماضية.