موطىء للقدم زلة للقدم

 

 شعر : فيصل سليم التلاوي

 

ترفقَ بي صاحبي حين حدثني عن رحيلٍ إلى موطىء للقدمْ

تساءلتُ : - ياصاحبي كم مواطىءَ قد زُلزلت قبلُ من تحت أقدامنا ؟!

وكم من رياحٍ محت ما تجرأ من خطونا أن يقيم دليلا

على أننا ذات يوم مررنا هنا !

ما ادعيت بأنا لبثنا هنا

ρρρρρρρρρρ

وفاجأني صاحبي أن موطئه الآن لا كالمواطىءِ،

موطئه رقعةٌ خلف ظهر الوطن .

تناءت إلى ما وراء أريحا وعمق سدوم ،

وزمجرَ من روعِه :

-  سمّها ما تشاءُ ،

فناءً من الخلف ، محضَ قفا، غير أنك لا تستطيع ادعاءً

سوى أنني حجرٌ، شجرٌ مُشهرٌ عُريهُ إن أردتَ ،

ولكنني فوق أرض الوطن ،

وفي وهج الشمس ، أقسم لي أنه لن يظلله غير فيء العلم.ْ

ρρρρρρρρρρ

وأفزعني عندما زارني بعد عام طويلْ ،

وفي صوته بحَةٌ وألم ْ،

ومن غور عينيه غـيمٌ تدافع َ،

ما نبست شفتاهُ ، ولا اغـرورقت مقلتاهُ

ولكن طيفاً ألمّ ، وغشّى على ناظريهِ ،

فألفيته ذاهلاً يائسًا

حين أفصح لي صاحبي دون همسٍ

عن الهم والأمل المستحيلْ ،

عن الأخطبوط ِ، وألف ذراعٍ تطوق في الغور جيد النخيل ،

وعن قاتلٍ مجهشٍ بالبكاء يغذ الخطا خلف نعش القتيل ،

وألف يهوذا يبيعون بالثمن البخس طفل الجليل .

ρρρρρρρρρρρ

وحين دعاني إليه أجبتُ ،

تجرّعت ذ لَّ " المحاسيم "، (1)

مَسّحتُ بصقة جنديهم عن جبيني،

تبسّمتُ في وجهه رغم أنفي ، وقلت: - " شالوم"

ولاحت على البعد مستوطنهْ ،

على هامة التل ، قرميدها مثل قبعةِ الإنكشاريِّ ،

لم تخفَ يوماً عليَّ

لها مثل لون د مي ونبيذ الكروم .

تعالى سياجٌ يُزِنرُها ، يتمدد للسفح ، للذبح ،

يهوي على ألف زيتونةٍ تتضاءل وسط حصار الهشيم ،

فأنكرتُ بستان جدي القديم

على كتف " اللحف" (2) يمتد مُسترسلا للبياد ر ،

ناديت في لهفة بقرات ٍ ثلاثٍ لجديَ

للتوِّ فارقتها ، منذ خمسين عاماً فقط .

وأجهشت شوقاً " لحَجلة " شوقاً "لعِنابة" ولأم التوائم

"نوارة "، (3) في جنون الربيع يطوف بها طائفٌ ،

ثم يتركها تذرع السهل والوعر،

والطفل يعدو ، يولول ، يعثر ، ينهضُ ،

ينهش ساقيه جيشٌ من الشوك يصطف ، يفغر أفواهههُ

النَهِماتِ على جانب الدربِ، يغرز أنيابه والغاً في دماه ْ.

يهيم على وجهه ، غيّبتهُ تلاليف أقصى الحقول .

يطاردني فزعٌ أن تضيع َ

وأن لا تعود إلى البيتِ .

يخجلني لوم جدّي ، بأنيَ ما كنت يوماً جديراً،

وما كان دوماً يطيرُ بلبّي ،

ويدهش قلبي

سوى أنها سبقتني إلى الدار ، ما ضيّعت دربها أو توانت

على عادة السائرين

ρρρρρρρρρρρ

سلامٌ على بيت جدي القديم ،

حجارته تتناثر تحت سنابك مستوطنهْ ،

على جذع زيتونةٍ يُستباحُ، ولكنه لا يُخلي المكان ،

يظل يزاحم غرقدةً تتطاول فوق ضريحِ ولِيٍّ كريم ،

نذ رنا له في الزمان النذور ، وطفنا بساحته حالمين

على أنه اليوم لا وقت للحُلمِ.

أيقظني من ذهولي انتهاء الزيارة : - غادرعلى الفور.

أبلغني مرغماً صاحبي .

فودعتُ موطئه والقدم ْ

وعدتُ بلا موطىء أو قدم ْ

وكل الذي قد خبرتُ بهذي المفازة ما زاد عن زلةٍ للقدم.ْ 

 

 

(1) المحاسيم: جمع محسوم وهو الحاجز باللغة العبرية

(2)الِلحِف : الأرض الطينية الحمراء في سفح الجبل  بالعامية الفلسطينية

(3)"حَجلة و عِنابة ونُوّارة: أسماء بقرات كانت لجدي أيام زمان