ذاكرة زعفران... لكرتيا فقط....

 

 

كتبت : فاطمة مصالحة - غزة

 

ابتسمت لي عندما اقتربتُ منها، عجوز تمشي الهوينة، على مهلها متكأة على صبي في العقد الأول من عمره ، كانت ليرات العثملي الفضية، التي تزين وقاتها تبدوا بارزة لكبر حجمها ولكثرتها من تحت غطاء رأسها، التي نادرا ما تجد امرأة خاصة عجوز، تحتفظ بها فما بالك بتزين بها...!

كنت حينها أهّمُ لقطع الشارع، وإذ بها بثوبها، الذي طرزته بكل خيوط آذار الذي قابلتها حينها به العام الماضي.

 بادرتها بتحية

- كيف حالك يا جدة....

ردت عليّ وكأنها تتدارك معرفة أحد

- بخير كيف عَرَبِك..... ، وأهلك عساهم بخير...

حينها أحرجتُ وقلتُ متداركة، لا يا جدة أنا صحفية، وعرّفتها على نفسي، وسألتها عن بلدها

 و أين تسكن...؟

وأخذ حينها الطفل بتعريفي على جدته، التي أدركت أنها غشيمة في معرفة الناس...! ولكن ابتسامتها لم تفارق محياها، ولا الهدوء الجسد الذي كان يؤكد على قوة، أضعفتها عقود من الزمن، مرت على تلك العجوز....0

أخذت أكتب اسمها، وعنوان سكانها، وكيف ممكن الوصول أليها، حينها كنت اخطط لكتابة قصص اللجوء، داخل مخيم تعلمت فيه أبجدية الانتماء، ورفض قهر اللجوء....،  وعرفانا بالجميل لأزقة شاركتني وأبنائها، همة العمل وأحلام العودة...0

 

 وفي خضم أحيائنا لمرور 59 عاما للنكبة، في زحمة الاقتتال والصراع بين قطبي الحركة السياسية الفلسطينية، هربت من سوء وكذب الشعار وسقوطه، من بين ثلاثين خيمة، نصبناها أنا وأصدقاء من المخيمات الوسطي، إحياءً لذكرى نكبة تلك العجوز ومأساة أجيال تتوالد نكباتهم كل يوم لتضيف لاسوداد عام 1948 اسوداد عام 2007....!

 

وفي أيار عندما أخذت بنادق، من رفعوا العودة والحرية شعار بالماضي تسقط بين أزقة المخيم قتلى بطلقاتها التي انحرفت بوصلتها عن اتجاه العودة ليافا وحيفا....!!

تركتُ قيادات المخيمات في غزة، التي كانت يومها مشغولة عن إحياء ذكرى النكبة لمتابعة مجريات الاقتتال الداخلي، و صوت الرصاص الذي ينطلق من وعلى أبراج المدينة وثكناتها العسكرية، المشيدة بعد اوسلو لتكون لسلطة، أعطت شرعية للاحتلال، واستبدلت العودة بالدولة مكانا على أراضي 67...، ولكي تستبدل ديمقراطية صندوق الانتخابات، ألوان الراية الفلسطينية بألوان مختلفة، تعتلي أسطح بناياتها، ويشوه ويقتل الوطن في صدور أبنائه، الذين أخذوا يراقبون ويتابعون مجريات الحدث،  بشكل هستيري ومؤلم، والبعض كان يهم ويسعى لمغادرة غزة للخارج، طلبا  للهجرة، وليس للعودة لأرض البرتقال الحزين...!!

اتخذتُ موقف بأن أغادر مكان الفعالية، واتجّه إلى تلك العجوز، عندما حاولت قيادات الفصائل المشاركة في الفعالية، وأزلامهم يديرون صراع البنادق، في ساحات وشوارع القطاع الفقير بنا والمجروح منا.....!

 

طرقتُ أحد الأبواب، وسألت عن أسمها، وحينها، أطلّت علي صبية في مقتبل العمر لتقول لى:  ليس بيتها ..هي جارتنا، بعد بيتين باب البيت الذي تسكنه، وأبدت الصبية من استغرابها من أن  تأتى صحفية، تترك أخباراً أذهلت العالم ،صراع الإخوة الأعداء على سلطة تحت الاحتلال وفى ذكرى 59 لنكبتهم....، لتبحث عن عجوز لا تعلم من أمر الصراع شيئا...!

 

طرقتُ باباً كانت تتدلى من أعلاه أغصان شجرة صمغ, وأخذتُ انتظر وأراقب حباتاً صفراء، ساقطة على أرضية زقاق داخل المخيم, كنت أفكر متسائلة، حين أطلت امرأة في الخمسين من عمرها (هل ستلتصق هذه الأحداث في ذاكرة المخيم، لتكون صفحة سوداء في تاريخه, أم أنها مرحلة يستوجبها التاريخ الفلسطيني وعدالة قضية يتلّهون بها الكبار...!

-أهلا يا بنتي... شو بدك؟

عّرفتها على نفسي، وحينها أدخلتني لساحة البيت, لكي أقابل شجرة الصمغ التي ُزرعت مع بداية عمر المخيم، قبل 60 عاما تقريبا. .وحينها وأنا أجلس على كرسي بالقرب من جذع الشجرة ..أدركتُ أنّ للحياة قوتها، وللمخيم تاريخه وصموده كتلك الشجرة، التي أكدت على خوفٍ داخل صدري من أحداث أسبوع النكبة، وفى نفس الوقت حفّزت بداخلي، مثابرةً لملاحقة ذاكرة أم العبد وغيرها من جيل، بدأ ينقرض وحكايات البلد و النكبة تدفن معه، في مقابر المخيمات،

ولكي يكون لفتيان وأطفال المخيم ذاكرة وإن تم إرباكها، إلا إنها وصية الأجداد لأحفادهم...

 

أطّلت متقدمة وهى تستعين بعكازها بأتجاهى, حينها نهضت لأقترب من ابتسامة دافئة بحب جدتي، التي ركلتها المأساة داخل مخيم، تعتاش أزقته على مأساة اللجوء والنكبة....!؟

رفعت يديها لتحتضني وتطبع بقوه شفتاها قبلتان على وجنتي، أحسست حينها بصدق أنها تعرفني ، وأن أشياء تربطني بها، وإن لم أجالسها سابقا ...... 

 

- كيفك يا جدة، إن شاء الله بخير....وأخذت أقترب بها إلى أحد المقاعد، تحت شجرة الصمغ 

- كيف حالك وكيف عربك.... إن شاء الله بخير

وحينها أدركت أن العجوز أم العبد أوراق الذاكرة مختلطة عندها، وأن القبلات وحرارة اللقاء الأول كان يجب  أن يكون لفتاه غيري  طال غيابها عن أم العبد .......

 

-    أنا يا جدة صحفية وجاي أكتب عنك، بتذكري قبل شهرين  تقابلنا في الشارع، وأخذت اسمك من الصبي، ولكي أطمئن هواجس أم العبد قلت لها:

-     يمكن يا جده تعرفي جدتي، أن بنت فلان الفلاني وجدتي ويقولوا لها فلانة.... ،  وأهل المخيم  يعرفوها، يمكن انتي بتعرفينى.. بس أنا أول مرة التقى  فيكى ...

 

وتدخلتَْ حينها زوجة ابنها لتوضح لي، أن الحاجة ما بتذّكر حدا،  وما بتعرف عن المخيم شي وأن كل الناس إلى بتقابلهم تتعامل معهم بهذا الشكل، لأنها تعانى من ضعف في الذاكرة منذ أكثر من خمسين عاما وكل ما تذكره أخبار البلد. (عندها صدمة بعد النكبة مباشرة .........  )

لا أعرف لماذا فرحت وقلت بان الحياة وكرمها، باقية داخل قلب هذه العجوز وذاكرتها .....

 لا ذل اللجوء وقهره..

"يا إلهي  كم تكون  المأساة للبعض كرمًا منك للآخرين ، أن احتفظت  هذه العجوز بأحداث وأخبار بلدها  لتسردها لي في هذا اللقاء".

 

أخذت تسرد حكايتها، ولجوءها وأخباراً .. مر عليها 60 عاماً.

 

( سماني أبوي زعفران ..كان أبوي في العسكرية....،  بقت أمي والديتني إلها تنعشر يوم لما روح أبوي من العسكرية ،وحينها  كانوا أهلي في أرض حدا  البلد ..حدا بلدنا كرتيا .. ويقولوا إلها أهل البلد .... زعفران ، كانت الدنيا ربيع، واهلى بدهم حلالهم يرّبع.. عشان هيك كانوا في ارض زعفران الهم عشرين يوم ، وبعدين ولدتني أََمي ، كانت بدها ولد تتمناه من الله، بس الله أعطاها بنت .... وسألت ابوى شو بدك تسمى هالبنت .....

قال ابوى ( بعد صبحية ، وعزيزة ، وخيزران حسميها زعفران...... على خير ارض  زعفران . على الله يكون وجها وجه خير)....   

-         كان ابوى قد حاله وبعمل بالعسكرية وإلو هيبته  في البلد ...

قرأت اسمها في بطاقة هويتها التي كانت تأكد على مولد الحاجة زعفران أحمد حسن عثمان الخالدى عام 1912 فقط،  دون ذكر اليوم أو الشهر ......

-    (أبوى راح بعد ما سماني على العسكرية وكان في  "عوجا عافيل " لما جابوه خبر موتوا ، قالوا لأمي أنا  كنت في حضنها أنه جوزك مات , كان ماكل حنظل  ، مثقل وفى الحنظل ، لأنو مرض في العسكرية وجابوا يوميتها لأمي كر شتوا .....)

تتابع وأن أصغى إليها بألم، وكلى هدوء تأثرا بقصة وحكاية مأساة زعفران

- (أنا ذوقت اليتم من صغرى ولا عمري قلت ياما, ولا يابا , ولا يخوى.... كان إلى أختين ظلن عايشات الكبيرة والصغيرة والباقي ماتن , امى ماتت من الكبد على ابوى...جابو لها شيخ كان فى البلد  اسمه حافظ الخطيب., كان أحسن من دكتور..توفت ما فادها...., رباني عمى وعمتي, وزوجوني وأنا عمري ثماني سنين, تزوجت في كرتيا لابن عمى إبراهيم نصار الخالدى .....، كان عمره 17-18 أن كنت صغيره وجاهلة .....

كان تسرد لى ليلة دخلتها ومأساتها

-  ( أنا انجرحت أبعيد عنك اليتم عاطل :الله لا يتم حدا .... جابولى مرة كبيرة عالجت جروحي بالمر بطارخ, ثلاث أيام المرة تيجى، تغسل جرحى بالمر , بقيت اشرد من ابن عمى الى جاوزني اله)....

-         والله شفت فى البلد الأمرين..... القطيعة عاطلة.... الله لا يقطع واحد من أهله ...

كانت تسرد آلام ذاكرتها التي حسدتها، فى البداية عليها، إلا واقع المجتمع والحياة التي عاشت الحاجة زعفران في كرتيا لا يمكن أن يحسد عاقل عليها...., لأنها ألم ويتم وقطيعة وجرح ..على حد تعبير زعفران.

وعن اللجوء وما حدث في عام النكبة عام 48 تحدثت زعفران قائلة:

-  (كنت مخّلفة لمن طلعنا من البلد ومعي كوم عيال.... في الليل إحنا وأهل البلد نجرى..... ، كانت الدنيا ليلتها قمره , ( أي القمر يضئ سماء الليل)، ورحنا تجاه وادي القرابيس فى كرنيا ...., كنا نلّقط منه حطب وأهل البلد من طينته يعملو طوابين...

وبعدين كنا بدنا نروح على الفالوجا نلجأ إليها ...وقابلني واحد من الخوالدة اسمه رمضان الخالدى تقابلنا فى الوادي قال: - انو اليهود اخذوا أنور كان أنور من دار عراف الخوالدة ...، وبعدين عرفنا أنهم قتلوه..، وراح عشان يدور على جثته ويدفنه، ورحت معه أنا وولادى ودفنا أنور  فى برية كرتيا (مقبرة كرتيا) وبعدين هجينا على قرية الفالوجا , وصلنا الفالوجا نص الليل .... ,وقابلنا وحدة من الجيش المصري التي كانت بتقاتل  اليهود دفاعا عن الفالوجا وكرتيا ..... ،  ويومها  الجيش المصري، قتل عبد الفتاح حسن سعد المغارى ، خسموه  يهودى ... كان شارد للفا لوجا ..انا وولادى خشينا في دار لعبد المجيد الحصان من أهل الفالوجا ....

 

وتكمل وهى تحاول  مسح عينيها بطرف  غطاء رأسها التراثي الذي مازالت محتفظة   به مع ملابس أهل كرتيا، لتنظف عينيها من دموعٍ أذابت كحل العين ليتسخ خديها به ....

 

-    (كل أهل كرتيا طلعوا من البلد  ، زوجي جاني في عز الليل وكانت بارودة في ظهره وكنت مع أولادي حينها، موسى ويوسف والعبد ومريم وصبحية وجميلة.....، وكنت حامل بزكية ثلاث شهور ..... , يوم ما هجينا على الفالوجا قالوا أن الجيش المصري رد اليهود عن كرتيا ومرق أحداها...

وحكت لي أنها عندما وصلت داخل الفالوجا خافت على ذهبها  قائلة:

-    (أن خفت على فضاي وذهبي , ظبيته مع ذيبه زوجة أخو جوزي ...... خفت بعدين تضيعه أو تسرقه...، أخذته منها وحطيته على راسي ولبسته ...

 

وعندما سألتها عمّا  فعلوه في الفالوجا، قالت لي:

- ( لجأنا إلى الفالوجا وذقنا الجوع ..ما كان أهل البلد قدورا يوصلوا كرتيا يجيبوا قمح؛ دبابات اليهود مطوقة  البلد كلها......

الجيش المصري جاع في الفالوجا، كان محاصر، و هجم على الخوابى إلى في البلد ووزع على الناس قمح وسلقناه وأكلناه بليله .... ، وكانت الخبيرة فى أرض عندهم   في الفالوجا ويقولوا إلها مفخرة ..طولها هيك "وأشارت بيدها على ارتفاع متر من الأرض" وقمنا بطبخها إلنا وللجيش المصري وكلناها من دون ملح وخبز  .....

يوسف ابنى تصاوب فى الفالوجا، الطيارة ضربت علينا غارة وكان عمرة 15-16 سنة ونهار عيد الأضحى

اللي عيدناه فى الفالوجا، وزّع الناس من أهل الفالوجا لحمة  أضاحي. زوجي كان جاهل حينها رمى اللحم من إيد ابنه حين قال انو مو بشان  لحمة أهل الفالوجا ....  بقى زوجي ما يحب عطايا من حدا ..... عزة نفسه رغم الجوع منعته من أخد اللحم .....

 

وعن الخروج من الفالوجا قالت:

( حمّلونا في شاحنات الجيش المصري. إبراهيم هوّ اللي حملني ..أنا و ولادي وجابتنا الشاحنات ،إحنا وكل أهل الفالوجا على البريج وظلينا في المخيم زى باقي الناس  عايشين وربيت هالولاد..... بس هذي مش عيشة .... رغم القطيعة والمر واليتم إلّى ذقته في كرتيا باريت نعود إلها ....)

-         وتساءلت موجه حديثها لي..  بالك يا جده بنرجع ....؟

قلت لها:

-         هنرجع يا جدة في يوم من الأيام ..- للتأكيد على حقنا في العودة لديارنا..-

-    أكتب قصتها وأنا أعرف أن الأمرّين إلّي  ذاقته الحاجة زعفران صار بطعم الحنظل، الذي قتل أبوها في ظل الصراع الداخلي ما بين حكومتان وسلطتان في الضفة وغزة، وستون عاماً مرّ على زعفران وغيرها، من لاجئ مخيمات البؤس والقهر واللجوء دون أن يخطو خطوة على درب العودة لبيسان وصفد وحيفا ...!!