جسد تكوم .... في أطار صورته ....

 

 

غزة

 كتبت / فاطمة مصالحة

 

حتى كتابة هذه السطور لم أستوعب الحدث سواء على المستوى النفسي أو الذهني، فهذا الجسد الرخوي المتكوم على السرير، لا يعقل أن يكون لأم الأسير محمد الحشاش...!المعتقل منذ سبعة عشر عاما،في سجون الاحتلال...

 

اقتربت والتوجس المؤلم ، القاتل يصفعني من الداخل ...،لا يمكن أن تكون هذه أم محمد لا يعقل....حدقت في عينها ،وأنا أقترب تعرفت علي وبإمائه من عينيها رحبت بي...،لتشجعني على الاقتراب أكثر،العينين العسليتين رغم هالات اللون الأسود الذي يحيط عينيها بقتامه مزعجه ،حسمتا الأمر وأكدتا خبر المرض الذي نقلته لي أم جبر وشاح، رفيقة أم محمد في نضالها للإفراج عن أبنائهن.عندما طلبت مني كتابة قصة الفاجعة التي ألمت بأم محمد على أثر زيارتها لأبنها داخل سجون الاحتلال،لتلومنا نحن الصحفيين على تقصيرنا وتخاذلنا في نقل معاناة شعبنا خاصة أمهات الأسرى...

 

حينها وخجلا من مرآة الصدر التي هربت من أن أحدق بها، لكي لا تعكس لي تشوهات غلفتني في زمن التبرير والعجز والتكاسل في الانتماء....،توجهت مباشرة لتفقد أم محمد...تلك المرأة التي لم ألبي دعواتها وتوسلاتها بمشاركتها فنجان قهوة عندما كانت تصادفني وأنا أمر بطلبتي من أمام بيتها .

 

كانت دائما منتصبة بقامتها الطويلة كنخلة على ضفاف الفرات...النشاط والحيوية وهي تكنس بمكنستها ذات العصا الطويلة...الشارع من أمام البيت...

- تفضلي يا فاطمة ..تفضلي نشرب فنجان قهوة...

أعتذر دائما  بابتسامة  خجلة من دعوة امرأة، شاركت الرجال في تربية الرجال...متحججة بضيق الوقت .

- معلش أنشاء الله بزورك زيارة خاصة ...

أذكر حينها ردها :

-  بتيجي و عشان أغديك ودوقي أكلة يافاوية ...ولا ما بتحبي تاكلي عند المدن

حينها أربكتني بإحراج الدعوة التي وعدتها أن ألبي دعوتها..

- بس مرة ثانية....

 

أنحنيت على جبينها لأطبع قبلة اعتذار..، مغمسة بألم القلب الذي يملوه الندم ،على هروبي من تلبية دعوتها

لا أعرف أهو القدر الذي جعل خطوات قدمي لزيارتها الأولى، أن تكون في هذه الظروف ...،.الموجعة لكلانا...، أم أنها الحياة التي لا تكيل لنا ألا بمكيال الألم والقسوة....،لتكيل لأم محمد المرض وألمه...، والإعاقة و عجزها...، و الهم و صبره....

 

 ولتكيل لي حزن يقتل الروح في الصدر...،و يغتصب الأبتسامه من الثغر...، وتملئ بمكيالها القلب الموجوع بزيت، لتشعل نيران تحت المرجل الذي يغلي داخلي، منذ وعينا على ذل اللجوء وبؤسه...،لتزيد من فورانه ولكي أشارك أم محمد...،حالتها عندما لم تتحمل ارتفاع حرارة غليان المرجل، الذي أشعلته حياة نضالها في تربية أبنائها الذين يفتخر المخيم برجولتهم ،هي التي ترملت في مقتبل العمر، ليترك زوجها لها خمسة أبناء ولم تكمل العقد الثالث من عمرها عام 1976 ، كدت من أجل تربيتهم.

 

 و واجهت مكيال الحياة وقسوة القدر بالندية، التي تليق بامرأة آثرت البقاء على أطفالها لتكون مدرسة في صنع الرجال ...،وأعطت من مكيال الصبر حياتها طعم، من أجبرها الزمن على النضال من أجل أن يصلب عود أبنائها ويشتدوا لمواجهة الاحتلال...، هي التي كانت مثال من بين نساء المخيم في وعيها الوطني الصادق، ودورها النضالي في الصمود، مع أهله خلال الانتفاضة الأولى، التي قبل أن تنتهي بتوقيع أتفاق أوسلو، لقمت سجون الاحتلال أبنها محمد الذي أعتقل عام 1989، لكي تكمل أم محمد مع كثير من أمهات المعتقلين، الدرب الذي يأملن أن يؤدي للإفراج عن أبنائهن ونيل حريتهم...

 

لكن يبدو أن الدرب قصرت بأم محمد...، درب العثرات التي تخطتهن بكل قوة ...،لم تعطيها الحياة العافية الكافية لتحمل عثرة الصدمة، التي أكالتها لها أدارة سجن نفحة الصحراوي ..، عندما فاجأتها بعد منعها من الزيارة لمدة ثلاث سنوات، بحجج أمنية اعتادت سلطات الاحتلال التذرع بها، لمعاقبة أمهات الأسرى العجائز على تربيتهن لأبناء عاندوا الاحتلال، و رفضوا العيش في كنفه وآثروا مقاومته على الاستسلام له...

 

 محمد الذي يبلغ 40 عاما الآن...، نصف العمر قضاه بين جدران زنازين المعتقل دون أن يلامس بكفيه وجه أمه...، الذي أطل عليه من خلف حاجز زجاجي يفصل الأم عن وليدها، بعد أن حرمته من رؤيته لأكثر من ثلاث سنوات....

 

عجزت أم محمد عند زيارتي، عن رواية ما ألم بها، بسبب عجزها عن النطق...، فتكفلت الصبية ليلى التي ترعرعت وكبرت منذ ولادتها أمام شباك السجن التي فصلت عمها عنها ، لكي تمنع عندما بلغت الثلاثة عشرة عاما قبل ستة أعوام...،في سرد فاجعة جدتها ....

 

-          كل العائلة ممنوعة من زيارة عمي، أنا محرومة من رؤية عمي منذ كنت في الإعدادية، و الآن أنا في الجامعة...سنة ثانية..،.وكل أعمامي ممنوعين من زيارته، منذ اعتقاله لم يروه أبدا ستي الوحيدة التي سمحوا لها بزيارته، وكمان منعوها لأكثر من ثلاث سنوات، ولما سمحوا لها بالزيارة..آخر مرة...،كان في شهر أيار العام الماضي ...، أذكر التاريخ كان 11/5/20005 يوم خميس...، سمحوا لها بالزيارة مع أهالي المعتقلين ...، وعندما انتهت الربع ساعة التي يسمح لأهالي المعتقلين بالتحدث مع أبنائهم عبر الهاتف، ومن خلف حاجز زجاجي تراه من بعد..، وبعد أن قاموا بإخراج ستي من على شباك الزيارة ...، وهي تهم لمغادرة سياج المعتقل الخارجي، سمعت جندي ينادي أسمها، ويطلب من أم المعتقل أم محمد الحشاش التوجه لهم...، ذكرت ليلى ما نقلته لها أحدي زوجات المعتقل، التي رافقت أم محمد حينها في الزيارة...

 

-          ستي كانت مبسوطة أنوا سمحوا لها بزيارة، بعد منعها ثلاث سنوات وكانت فرحانة، من رؤية عمي حتى لو كان  خلف حاجز، ومن بعيد، وسمعت صوته عبر التيلفون...، بس لما سمعت استدعاء الجنود لها عبر مكبر صوت ...، أبلغتني زوجة أحد المعتقلين من المخيم كانت برفقة ستي...، أنها ارتبكت وخافت يكون ساير لعمي شي أو بدهم يحققوا معها...، خصوصا أنوا ما كان في مقدمات للاستدعاء المفاجئ، من قبل أدارة المعتقل وجنوده...، وعندما توجهت باتجاه الجنود، أدخلوها دون أن يبلغوها بسبب الاستدعاء، وبشكل مباشر أدخلت لمردوان (ممر) داخل المعتقل ...، ليدخلوا عليها أبنها عمي محمد ....، الاثنين تفاجئا بالموقف ....

 

كانت أم محمد تراقب ليلى وهي تسرد الموقف، و الحركة الوحيدة التي تصدر من جسدها، كانت لدموع عينيها اللتان شاركن ليلى، سرد ألم الحدث و وجعه...

أخذت أراقب ليلى وهي بالمناديل الورقية تمسح دموع جدتها ...، كل الأحاسيس داخلي أخذت بالانطفاء..، لتترك  كلمات ليلى تتخبط بظلمة المشهد الذي أخذ يرتسم داخلي ...

لا أعرف من أين أتيت بالقسوة...، لحبس دموعي داخل محاجر عيناي، وأترك القلب يبكي دون أن أشارك أم محمد دموعها ...، يبدوا أنني سجانه حتى لأحاسيس الألم...، داخل الصدر الذي تحول لسجن نعتقل أرواحنا داخله...!

 

-          مش صحيح يا ستي....

 

وجهت ليلى سؤالها لكي تؤكد أم محمد بإمائه خفيفة ما روته ليلى لمجريات الحدث....

 

-          عندما رآها عمي أمامه مباشرة دون أن يعلم..،.ركع عند قدميها هذا ما أبلغه لأبي عندما زاره قبل ثلاث أشهر تقريبا، عندما سمحوا له بالزيارة بعد أن تعذر على ستي المقدرة على الحركة...، عمي ما كان بعرف أنوا ممكن يشوف أمه ...، ما كان بعرف ...، لو بعرف لأعد ستي لاستيعاب الحدث عندما زارته...، هو تفاجئ أكثر منها، بس هو قدر يتجاوز الصدمة لكن ستي لا...، لأسف كانت أقوى من أنوا تتحملها ستي ...، طلب الجندي من ستي بسرعة تقف جنب عمي، لأنوا بدوا يلتقط لها صورة معوا ...

 

-          يبدوا أنوا هناك قرار أتخذ مؤخرا بالسماح لأمهات المعتقلين كبيرات السن ،بألتقاط صوره لهن مع أبنائهن ...عشان هيك ادخلوها عليه...، بيقولوا  أن الجندي بكى مع ستي، حتى السجان لم يتحمل الموقف المؤلم، لستي مع عمي حينها وبكى معهم....!

 

وعن الوقت قالت ليلى وأكدت ستها بامائات من رأسها أنها دقيقة واحدة فقط لا غير، بس ألتقط الجندي الصورة بكى معهم، هزه الموقف لكن سلوكه كان سلوك سجان، رغم بكائه لهول الموقف ومشهد ستي وهي تحتضن عمي...،أخرجها لتقابل أسئلة أهالي المعتقلين وقلقهم ... ، بإجابة واحدة نطقت بها...دون أن تستطيع أن توضح...

 

- (شفت محمد )

 

-          من سجن نفحة حتى أيرز ساعتين  وستي بتبكي، دون أن تستطيع الكلام ....، وصلت البيت الساعة 11 بالليل ، رفضت تتناول عشاها يومها...، حكت لنا أنها شافت عمي... وتصورت معوا...

 

-          يومها في الليل وأنا نائمه بجوارها قالت لي أنها حاسة بدوخة...و الصبح أستفرغت ...، أضطرينا لنقلها  للمستشفى ..، قال الطبيب أنها أصيبت بجلطة...،وطلب أن تترك تحت الملاحظة الطبية...، أصيبت رجلها وأيدها في البداية ...، وبعد ثلاث أيام في العناية المركزة، يوم السبت كانت في وضع صحي سيئ جدا كلنا تأثرنا عليها في البيت...

 

-          ستي إنسانة نشيطة،  بتشارك في المهرجانات والفعاليات الوطنية، وكمان بتحضر الندوات السياسية، ولها رأيها في كل المواضيع التي تطرح...

 

-          بعد ذالك خفنا لما مرضت ستي، وتأثرت بشكل الذي شل عندها كل حركتها وأعاق حتى النطق ...على عمي محمد...داخل السجن...

 

عندها جاءت لي أحدى نساء أبنائها بصورتين ألتقطهما الجندي لها مع أبنها محمد ..أشاحت بوجهها وأخذ لو وجها الشاحب من المرض يطغوا عليه الكدر بلون قاتم ...

أوضحت لي ليلى أنها لا تحب ستها أن ترى الصور....

 

أعرف أن الألم الذي بداخلها لا أحد منا يستطيع تحمله، لذلك رؤية صور كان الهدف منهما ، جمعهما في أطار لتعلقه أم محمد على حائط بيتها...،لتكحل كل صباح عينيها برؤية أبنها، وعند المساء تدعوا له ولرفاقه في المعتقل بالإفراج العاجل ...، لكن أم محمد هدفت أدارة المعتقل من مفاجئتها بوضعها في أطار سرير الإعاقة، التي كبلتها الصدمة بالعجز عن الحركة فيه بقية العمر، لتنتظر الإفراج، أن كتب لها القدر من العيش ..،مع ألم المرض الجسدي، والعيش على المسكنات، وتحمل حالات التشنج والبكاء الذي  يغلفه الصمت والبرود، الساكن في روح وجسد أم محمد الحشاش....

 

قصة أم محمد قبل شهرين سردت لي عند زيارتها الأولى ...،منذ ذالك الوقت وأنا لم أجرأ على كتابة ما سردته ليلى لي ...،لأني لم أهضم الصدمة لمشهد تلك المرأة التي كنت أتوقع مشاركتها في يوم من الأيام فنجان قهوة وأكلة يافاوية...، ولتشاركني كما تعودت أحياء يوم الأسير الفلسطيني ....

 

عامان فصلن الدعوة عن الزيارة ...،لا أعرف ألا أن أعتذر، واترك الندم و الألم يتناولني كوجبة يافوية...، لم تعدها لي ولن تتمكن من أعدادها أم محمد...،.ياه كم نحن لؤما وقساه...ياه

 

 

هنا كذلك

ذاكرة زعفران... لكرتيا فقط  ... -  فاطمة مصالحة