المركزي يتنازل عن القرار 194..!

 

 شاكر الجوهري

 

  

 

لا تكتمل قراءة مقال كتبه حسن عصفور، دون قراءة البيان الصادر عن دورة الإجتماع الأخير للمجلس المركزي الفلسطيني في القاهرة..

عصفور إعتبر أن أخطر ما في الإعلان الصادر عن الملتقى العربي والدولي لحق العودة الذي انعقد في دمشق يومي 23، 24 الجاري، بالتزامن مع عقد دورة المجلس المركزي الفلسطيني هو اسقاط الإعلان أية إشارة للقرار 194 الصادر عن الأمم المتحدة..معتبرا إياه في ذات الفقرة مجرد "بوابة للإنصاف السياسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين".

"بوابة" تعني مدخلا لحل، حدده عصفور بوضوح لا يقلل منه استخدام لغة التفافية، بتحقيق "إنصاف سياسي للاجئين الفلسطينيين"..

ماذا يعني "الإنصاف السياسي"..؟

الأصل أنه لا اجتهاد في معرض النص..!

والنص الذي تم ابتداعه أثناء العمل على صياغة المبادرة العربية، وخارطة الطريق، وتم تضمينه في المبادرة، والإشارة للمبادرة في الخارطة باعتبارها من بين مرجعيات "عملية السلام"، كما يقول الدكتور مروان المعشر، وزير خارجية الأردن الأسبق في كتابه "نهج الإعتدال العربي"، الذي ضمنه ذكرياته السياسية، هو التأكيد على حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وفقا لحل متفق عليه على قاعدة القرار 194، وقد كان عباس شريكا في كل ذلك (نهج الإعتدال العربي/مروان المعشر/دار النهار/من ص 128 إلى ص 130).

ولا يتردد المعشر في التوضيح أن ما قصد بهذا التعريف هو "عودة رمزية"، كما أنه لا يتردد في توجيه النقد القاسي للرئيس الراحل ياسر عرفات، وكيل المديح لرفيق دربه محمود عباس، على امتداد صفحات الكتاب الـ 305..!

ومع ذلك، يخيل لمن يقرأ مقالة عصفور، وهو شيوعي، أنه يعول على القرار 194 تحقيق، ليس فقط عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين، وإنما كذلك إزالة اسرائيل، بالضد من اتفاق اوسلو..!

حسنا..كيف تعامل البيان الصادر عن دورة انعقاد المجلس المركزي الفلسطيني الأخيرة في رام الله..؟

لقد أسقطه هو الآخر من نصه بالكامل، تماما كما فعل إعلان دمشق، وإن لسببين شديدي الإختلاف..!

إعلان دمشق، لأن حركة "حماس" المكون الأساس للملتقى العربي والدولي لحق العودة تعتبر أن القرار 194 يمثل اعترافا ضمنيا بإسرائيل؛

وبيان المجلس المركزي، لأن عباس ملتزم بوثيقة جنيف التي فرطت وتنازلت علنا عن حق العودة. والمقربين من عباس ينقلون عنه القول أن من يريد دولة فلسطينية عليه أن ينسى حق العودة..!

كل ما جاء في بيان المركزي هو توجيه تحية إلى "جماهيرنا في المخيمات والشتات"، و"دعوة اللجنة التنفيذية إلى بذل المزيد من الجهود والخدمات لأبنائنا وأهلنا في المخيمات في لبنان، ويدعو إلى الإسراع في إعادة بناء مخيم النهر البارد".

وقد اكتفى البيان بالإشارة إلى تأكيد عباس في كلمته أمام المجلس على "التمسك الكامل بحق العودة للاجئين الفلسطينيين على أساس القرار الدولي 194"، وتجاهل اللازمة التي أوردها عباس حول حل متوافق عليه لقضية اللاجئين..!

وبعد هذا الإسقاط، يأتي البيان ليؤكد على التمسك بكل الثوابت الوطنية الفلسطينية..

ويخصص البيان فقرات مطولة لإدانة حركة "حماس" والتنديد بها وبإنقلابها "الأسود"، في معرض تأكيده على ضرورة استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية. وهي الكلمة (الأسود) التي بخل البيان بها، ولم يستخدمها في وصف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني..معتبرا عباس أن "حماس" قاطعت الحوار الفلسطيني الشامل القاهرة لأسباب واهية "لا صلة لها بقضايا وموضوعات الحوار الوطني".

خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" كان أورد عددا من الأسباب الجوهرية لرفض "حماس" المشاركة في جلسة الحوار الشامل أهمها أن القاهرة أرادت التوقيع على الإتفاق، ومن ثم التحاور على تفاصيله، فيما أصرت "حماس" على التحاور والإتفاق على التفاصيل، ومن ثم التوقيع، حتى لا تكرر حكاية التوقيع والتراجع، أو عدم الإلتزام، كما حدث لإتفاق القاهرة 2005، وإتفاق مكة 2007، وإعلان صنعاء 2008..!

بعد هذه الحفلة من الهجوم على "حماس" بلغت حد قول عباس أنه يريد أن يجلس خالد مشعل "على حضني"، تم تجاوز ما كان متفقا عليه بين سليم الزعنون رئيس المجلس الوطني الفلسطيني وفاروق القدومي أمين سر حركة "فتح"، بإعلان انتخاب محمود عباس رئيسا لدولة فلسطين..!

لقد قدم اقتراح انتخاب عباس رئيسا لدولة فلسطين من قبل 74 عضوا، فهل كان الزعنون غافلا عن وجود مثل هذه "العراضة"، حين دق على صدره أمام القدومي بوجود آخرين، متعهدا بعدم السماح بحدوث ذلك..؟!

الذين استمعوا لحكاية الدق على صدر الزعنون خيل لهم أنه قرر إحياء، وتبديل إسم مشروعه "رجال حول الرئيس" الذي صاغه حين قرر الرئيس الراحل ياسر عرفات عقد المؤتمر العام السادس لحركة "فتح"، إلى "رجال يواجهون الرئيس"..! لكنه أعاد في الواقع صياغة مشروعه ليحمل إسم "رجال خلف الرئيس"..!!

لقد تمت الدعوة إلى عقد دورة المجلس المركزي الفلسطيني ليبحث بندا واحدا هو "ما يستجد من أعمال"، وهو البند الذي مرر من خلاله الرئيس الراحل ياسر عرفات انتخابه رئيسا لدولة فلسطين من قبل المجلس المركزي في تونس دون أن يكون مطروحا بشكل واضح مستقل على جدول الأعمال، ما أدى في حينه إلى اعتراض صلاح خلف، وتوجيهه شتائم مقذعة لعرفات، معتبرا إياه أنه يعبث بالقيادة الفلسطينية، ورفضه حضور الجلسة التي تم فيها انتخاب عرفات رئيسا للدولة.

انتخاب عباس تم بذات الآلية التي انتخب بها عرفات..اقتراح، يتبعه تصفيق حاد، وإعلان الفوز بالإنتخاب، عبر صوت رخيم لا يقلل من حجم الخرق الدستوري والقانوني، لعدم إجراء أي تصويت أو فرز للأصوات..!

ثم يحدثونك عن الإنتخابات النسبية النزيهة..!

فيقرر المجلس المركزي تطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة انتخابات نسبية كاملة لتشكيل مجلسها الوطني، ومجلسها المركزي، متجاهلا ما يلي:

أولا: عدم شرعية دورة المجلس المركزي ذاتها لجملة أسباب:

1.                              انتهاء ولاية المجلسين الوطني والمركزي منذ شباط/فبراير 1990.

2.                              عدم توفر النصاب القانوني لدورة المجلس المركزي حيث شارك فيها فقط نحو اربعين عضوا من أصل 120 عضوا.

3.                              وهذا ما حتم إجراء التصويت عبر التصفيق، اعفاءا من حرج ذكر عدد الأصوات التي حصل عليها الرئيس العتيد.

4.                              وهذا هو الأهم، عدم صدور قرار حتى اللحظة بإعلان تجسيد قيام دولة فلسطين.

للتذكير، اعتزم الرئيس الراحل إعلان تجسيد قيام دولة فلسطين مع انتهاء المرحلة الإنتقالية لاتفاق اوسلو سنة 1999، في معرض اعتراضه على عدم التزام شريكه اسحاق رابين في "سلام الشجعان"، ومن بعده شيمون بيرس، ثم بنيامين نتنياهو بنصوص الإتفاق، والجدول الزمني الذي نص عليه، فكان أن طلبت منه دول الإتحاد الأوروبي تأجيل ذلك حتى نهاية السنة، واعدة اياه بالإعتراف بالدولة العتيدة في حال انتهاء سنة 1999 دون التزام اسرائيل باتفاق اوسلو.

وقد قتل عرفات دون أن يعلن تجسيد قيام الدولة الفلسطينية، ودون أن تعلن دول الإتحاد الأوروبي اعترافها بها..

الأهم من كل هذا وذاك، هو أن "انتخاب" عباس رئيسا لدولة فلسطين يحاكي "دولة اسرائيل"، وذلك لجهة عدم تحديد حدود الدولتين حتى الآن..اسرائيل لأنها تواصل عملية قضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. وعباس ودولته، لأنه يواصل التنازل عن اراض متتالية من الأرض التي يريد اقامة الدولة عليها عبر تبادل الأراضي مع الدولة المغتصبة.

هل هذا ما قصده مشعل بوصفه دولة عباس بأنها "دولة في الهواء"..؟!

أصوات في "حماس" تتساءل، ومن حقها فعل ذلك، كيف يمكن لنا الثقة بأن انتخابات رئاسية وتشريعية نزيهة يمكن أن تجرى في ظل سلطة عباس..؟

السؤال التساؤل يأخذ في اعتباره:

1.                              عدم الإعتراف والتعامل بجدية مع نتائج الإنتخابات التشريعية لسنة 2006.

2.               تواصل عمليات التزوير في الإنتخابات الفتحاوية الداخلية (آخرها حدث في نابلس). هل يعقل أن تزور "فتح" انتخاباتها الداخلية، وتكون نزيهة في الإنتخابات العامة..؟!

ثانيا: الدعوة إلى تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية بموجب اتفاق القاهرة، دون ذكر إعادة بنائها الذي نص عليه ذات الإتفاق.

ثالثا: دعوة اللجنة التنفيذية لإقرار نظام الإنتخابات للمجلس الوطني على أساس التمثيل النسبي الكامل، وذلك من أجل اجراء انتخابات المجلسين التشريعي والوطني بموجبه، وذلك بتجاوز اختصاصات المجلس الوطني (بالنسبة لانتخابات منظمة التحرير)، والمجلس التشريعي (بالنسبة لانتخابات السلطة التشريعية في السلطة).

بذات اللغة المنبتة عن الواقع، يقرر المجلس المركزي، وبعد أن تحولت منظمة التحرير الفلسطينية على يدي حكومة محمود عباس، في عهد الرئيس عرفات، التي فرضت (بضم الفاء) عليه تحت وطأة الضغوط الإسرائيلية والأميركية والأوروبية، إلى مجرد بند في موازنة حكومة السلطة، متراجعة عن كونها مرجعية السلطة، دعوة "اللجنة التنفيذية إلى تقديم كل أشكال الدعم والمساندة لتعزيز صمود جماهيرنا في وطننا وأرضنا وبوجه خاص في القدس الشريف وفي الأغوار وفي الخليل وفي نعلين وبلعين والمعصرة وقرى شمال غرب القدس وسائر المناطق التي تقف صامدة في مواجهة جدار الضم والفصل العنصري وقطعان المستوطنين الذين يلقون الدعم من قوات الاحتلال الإسرائيلي وهي تعتدي على شعبنا وأرضنا ومزارعنا وبيوتنا".

إنها دعوة موجهة لعبد المعين الذي يبحث عمن يعين..!!

وبعد،

فإن بيان المجلس المركزي، الذي يسجل مشاركة سلام فياض في أعمال دورته، التي حملت ـ ويا للمفارقة الكبرى ـ إسم الدكتور جورج حبش، مقرنة اياه بإسم محمود درويش، ووثيقة الإستقلال التي صاغها، متجاهلا (البيان) أن فياض ليس عضوا في منظمة التحرير، أو في حركة "فتح"، التي تقدم وياسر عبد ربه بطلب انتساب لها، يوفر فرصة تاريخية لفياض ليس فقط لشرح كيف أقرت حكومته تنفيذ ألف ومائة مشروع، بكلفة 273 مليون دولار، تكشف هزالة حجم هذه المشاريع، والمتاجرة بها، لكنه (البيان) يتبنى مطلب "إعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية غير فصائلية" دون تمييز بين الضفة والقطاع.

هل تبنى المجلس المركزي هنا مطلب حركة "حماس"، أم تراه تبنى مصلحة سلام فياض الذي يريد أن يتخلص من خلال البنية غير الفصائلية، من سيطرة كل من حركتي "فتح"، و"حماس" على الأجهزة الأمنية التي تلحق مرجعيتها الآن بحكومته بموجب خطة دايتون الجديدة..؟!!

المصالحة الوطنية بين الحركتين هي فقط خشبة الخلاص من مخططات دايتون لإحلال فياض محل الجميع.