واشنطن الواقعة في فخ السحر اليهودي  - زينة أبو غيدا

2008-12-22


كتب الكاتب الأميركي المعروف راسل ميد تقريراً بعنوان الدعم الأميركي لليهود: تاريخه وأسبابه، أوضح فيه سبب التبعية الأميركية العمياء لليهود، أو ربما العكس، مستعرضا المحطات التاريخية في هذه العلاقة القوية والمتينة والمستمرة.


يبدأ الكاتب تقريره بالتعريف بالسبب الأساسي وراء سياسة أميركية مؤيدة لإسرائيل، والمتمثل بدعم غير محدود وطويل الأمد للدولة اليهودية ضمن الرأي العام الأميركي.


يستهل ميد التقرير بتاريخ العلاقات اليهودية مع الأميركيين التي تعود إلى الثاني عشر من أيار عام 1948، عندما عرض كلارك كليفورد كبير مستشاري البيت الأبيض على الرئيس الأميركي هاري ترومان قضية إنشاء دولة إسرائيل وضرورة الاعتراف الأميركي بها. كليفورد اعتبر أن الاعتراف بالدولة اليهودية هو عمل من أعمال الإنسانية ويتوافق مع القيم الأميركية التقليدية. وبعد يومين، اعترفت الولايات المتحدة بإسرائيل الجديدة بحكم الأمر الواقع بعد إحدى عشرة دقيقة من إعلان إنشاء دولة إسرائيل، وقد أرجع العديد موافقة ترومان إلى نفوذ المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة.


ويحذر الخبراء في السياسة الخارجية الأميركية واشنطن من الدعم المفرط للدولة العبرية الذي سيؤدي برأيهم إلى أكلاف دولية خطرة. وعندما يتخطى الرؤساء الأميركيون مستشاريهم ويتخذون موقفاً مؤيداً للطرف الصهيوني، يعزو المراقبون هذا الأمر إلى دور اللوبي الصهيوني.


على مر الوقت، زاد التأييد الأميركي لإسرائيل وخصوصاً بين غير اليهود، وقد وصل التأييد الأميركي لإسرائيل إلى أقصاه في عهد الرئيس الحالي جورج بوش. وقد استمرت هذه الزيادة رغم التناقص الديموغرافي في عدد اليهود في الولايات المتحدة، ففي عام 1948 قُدّر عدد اليهود بنحو 3.8% من السكان. وبحلول العام 2007، شكل اليهود 1.8% من إجمالي السكان. وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث حول إذا ما كانت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط عادلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، اعتبر 47% أنها عادلة، على حين رأى ستة بالمئة أنها تفضل الفلسطينيين، في مقابل 27% اعتبروا أنها تسير في مصلحة الإسرائيليين. وقد أُجري الاستطلاع خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان التي أثارت الكثير من الجدل حول الدعم الأميركي لإسرائيل.


وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية اللوبي الصهيوني الذي يعيد هيكلة وصياغة السياسة الأميركية الخارجية.

أبناء دايفيد


تبدأ قصة الدعم الأميركي للدولة اليهودية منذ زمن طويل، فقد عبّر جون ادامز، الرئيس الثاني للولايات المتحدة منذ تأسيسها، عن رغبته في رؤية اليهود ينعمون بدولة يهودية مستقلة. وفي القرن التاسع عشر، آمن البروتستانت الأميركيون بأن اللـه يسّهل أمور اليهود المقموعين حتى يستطيعوا استعادة أرض الميعاد الخاصة بهم من النيل إلى الفرات.


وفي العام 1816، تنبأت صحيفة نايلز ويكلي ريجستر، الصحيفة الرائدة في المجال الإخباري ومقالات الرأي في القرن التاسع عشر، بعودة اليهود إلى دولة عاصمتها القدس. وقد وجد اليهود الصهاينة الموجودون في الولايات المتحدة حلفاء لهم، عندما هاجر عدد كبير من يهود روسيا وأوروبا الشرقية إلى الولايات المتحدة.


وكان الأميركيون قد شجّعوا إنشاء دولة مستقلة لليهود خوفاً من هجرة اليهود المتزايدة إلى أميركا. وفي هذا السياق، قدّم زعيم المثودية ويليام بلاكستون عريضة في العام 1891 إلى الرئيس الأميركي وقتها بنجامين فرانكلين يدعو فيها الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها لعقد مؤتمر أوروبي يضغط على الإمبراطورية العثمانية لتحويل فلسطين إلى دولة يهودية تسمى إسرائيل.

الوصايا المشتركة


ارتبطت المخيلة الأميركية بالمقدّسات اليهودية والتوراة لعدة قرون. وقد ظهر هذا التأثير مع اكتشاف العهد القديم ومع النظرية الكالفينية التي أعادت تأكيد أهمية التواصل والاستمرارية بين العهد القديم والجديد. وبحسب المؤرخين الغربيين، واجه اليهود لأكثر من ألف عام العديد من المآسي والوحشية على أيدي المسيحيين في أوروبا، لذلك حاولت الكنيسة البروتستانتية بعد إحساسها بالذنب التعويض على اليهود، ولم تجد أمامها سوى مساعدتهم على بناء دولتهم الخاصة.


في المقابل، لم يشعر المسيحيون الأميركيون بأي ذنب تجاه الإساءات التي قاموا بها مع المسلمين في العالم. ويرى الكاتب أن العديد من المسلمين ينظرون إلى الصراع المسيحي- الإسلامي على مر ألفي العام التي مضت، على أنه ظاهرة متجانسة نسبياً وثابتة عند كل المسيحيين على مر العصور بعكس نظرة البروتستانت الأميركيين الذين يردّون وحشية الحروب الصليبية إلى الكاثوليك دون غيرهم من المسيحيين، ويعتبرون أنها شكّلت رداً مناسباً على عدائية المسلمين رغم أنها أصبحت من الماضي.


من جهة أخرى، يشير الكاتب إلى دور البعثات التبشيرية الأميركية في الشرق الأوسط وأهميتها من خلال إقامتها لعلاقات وثيقة مع العرب وتأييدها للقومية العربية انطلاقاً من كرهها للاستعمار الأوروبي وأملها في أن تحسّن هذه البعثات موقف المسيحيين العرب.


وبحلول عام 1948، شعر العديد من المسيحيين في الولايات المتحدة الأميركية بعبءٍ ثقيل والتزام تجاه اليهود بإيجاد بلد لهم ولكنهم لم يأبهوا بوضع العرب أو بالمآسي التي عانوها، بل على العكس، اعتبروا أن مسلمي العالم العربي مدينون إلى البعثات التبشيرية الأميركية التي بنت لهم العديد من المستشفيات والجامعات وساعدتهم قبل وبعد الحرب العالمية الثانية على تعزيز استقلالهم من الاستعمار الأوروبي.

شعوب اللـه المختارة


بلورت قراءات التاريخ والفكر العبري هوية ورسالة الولايات المتحدة ونظرتها إلى العالم. وقد عبّر الكاتب هرمان ملفيل عن هذا الأمر بقوله: نحن الأميركيون، شعب اللـه المختار، وإسرائيليو عصرنا. ومنذ عهد المسيحيين المتشددين في القرن السادس عشر حتى يومنا هذا اعتبر العديد من المفكرين والدعاة والسياسيين في الولايات المتحدة أن الأميركيين هم شعب اللـه المختار لأن إرادة اللـه هي التي أرسلتهم إلى أرضٍ جديدة وأغنتهم، وأن استمرارية هذا الازدهار هو رهن وفائهم بالالتزام الذي تعهّدوا به تجاه الله.


ومن هذا المنطلق، يرى الأميركيون أن هذه القرابة بينهم وبين الإسرائيليين، باعتبارهم شعوب اللـه المختارة، تفرض عليهم ضرورة دعم الإسرائيليين حتى لو كان هذا الدعم غير محدود وساهم في خلق مشكلات دولية أو عداوات للولايات المتحدة التي تلعب دور الوكيل الإلهي في سبيل خلاص اليهود. ويرى ميد أن الحماية الأميركية لإسرائيل هي الطريقة التي تعبّر بها الولايات المتحدة عن شرعيتها دولة قامت على دماء آلاف الهنود الحمر.


وفي ضوء ذلك، تتشارك كل من الولايات المتحدة وإسرائيل مفهوم نشوء الدولة الذي جاء بقوة السلاح والصراع مع السكان الأصليين، إضافة إلى أن كلا الشعبين يرجع موقفه إلى توراة العهد القديم الذي يحكي قصة الصراع بين اليهود والكنعانيين، السكان الأصليين السابقين للأرض التي اعتبرها اليهود ارض الميعاد. هذا بالإضافة إلى أن الأميركيين اعتبروا أن التوسع الذي قاموا به والإبادة الجماعية التي أجروها بحق الهنود الحمر، مشروعة لأنها تمت على ارض خالية كما يقولون. وكان جون لوك قد أنشأ مذهب الاستخدام المنصف للأراضي، معتبراً أن عدم استغلال الممتلكات هو انتهاك وإهانة للطبيعة وان من يحسّن هذه الأراضي ويطورها، له كامل الحق في امتلاكها. وقد نظر الأميركيون لفلسطين من المنطلق ذاته، أي إن هنالك صراعاً جغرافياً، ثقافياً ووجودياً بين شعب فلسطين (المتخلف) والشعب اليهودي القادر على زرع هذه الأرض التي لن تزدهر إلا بعودة سكانها الأصليين، رغم أن هناك نظرة دونوية إلى يهود أوروبا الشرقية من قبل المسيحيين على أنهم شعب جاهل وكاذب، يؤمن بالخرافات ويسعى دوماً للصراع والتقاتل.






زينة أبو غيدا