الأنفـاق... ولعـبة المـوت

 

د. ذوالفقار سويرجو

 

مما لا شك فيه.. أنه ليس كل ما يقال عن ممارسات حركة حماس في غزة حقيقة ولكن المؤكد أن الكثير مما تسمعون وترون هو جزء من الحقيقة.. التي يتعمد البعض لتضخيمها أو تزييفها خدمةً لأهدافه السياسية الخاصة.... ولا شك أيضاً أن ما يشاع ويرّوج له من قبل الحكومة المقالة في غزة حول الدور الإيجابي للأنفاق في تخفيف حدة الحصار هو جزء من الحقيقة... ولكن الحقيقة الكاملة حول ما يسُمى " بأنفاق غزة" هي شيء من هذا وذاك... وهنا المقصود أن هذه الأنفاق ورغم نعمتها علينا إلا أنها شكلت جزءا كبيرا من النقمة على المجتمع الفلسطيني والمواطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها وهذا يتمثل بالآتي:

 

أولاً: بعد التأكيد على أن حركة حماس بذلت جهداً كبيراً في الماضي القريب من أجل ضبط فوضى الأنفاق القائمة أملاً منها في التوصل لاتفاق مع الأخوة المصريين لفتح المعابر.. خاصة معبر رفح، إلا أن هذه الجهود توقفت منذ شهر أبريل الماضي /2008 بعد أن قطعت حركة حماس والحكومة المقالة الأمل في فتح معبر رفح حسب ( اتفاق التهدئة) وبالتالي فتحت الأبواب على مصراعيها أمام حركة الأنفاق كخطوة انتقامية بسبب تنصل الأطراف الأخرى من الالتزام ببنود التهدئة وكمخرج للحيلولة دون ابتزاز الحركة سياسياً.

 

ولكن هذه الخطوة.... كانت مقُدمة لفوضى عارمة من الاستيراد وتكديس البضائع دون دراسة أو حسيب أو رقيب بالمعنى الاقتصادي للكلمات وليس بمعنى المكاسب الخاصة التي حققتها حركة حماس وحلفاءها من السماسرة والتجار في جنوب غزة.

 

ثانياً: أصبح عدد هذه الأنفاق يفوق الألف ومائتي نفق بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية ( ومنها طابق أول وطابق ثاني) وهذا العدد الضخم خلق حالة من التسيب بحيث يمكن تهريب بضائع وأشخاص غير مرغوب فيهم في أي مجتمع مما أساء لسمعة العديد من التجار والعاملين هناك.. ناهيك عن الدور التدميري الذي تلعبه هذه البضائع.. وهنا المقصود ( الحشيش والبانغو والعقاقير المخدرة) رغم الجهود التي تبذلها الحكومة المقالة للحد من هذه الظاهرة. وذلك لأن الهدف الرئيسي أصبح بالنسبة لأصحاب الأنفاق هو الربح ولا شيء غير ذلك رغم أن مالكي هذه الأنفاق في غالبيتهم العظمى من جمهور حماس وحلفاءها وممنوع على أي شخص عليه شبهات للعلاقة مع فتح بأن يمتلك نفقاً وهذه حقيقة واقعة.

 

ثالثاً: في خطوة منها لضبط هذه الفوضى قامت أجهزة الحكومة المقالة بإجبار أصحاب الأنفاق على إخراج تراخيص من البلدية.. مقابل رسوم ثلاثة آلاف دولار لتزويدهم بالماء والكهرباء وهذه الخطوة وبلا شك شرعنة ثقافة التهريب في المجتمع الفلسطيني وأثقلت على أهالي رفح ( الغلابة) بالنسبة للكهرباء والماء التي أصبح الضغط عليها شديد جداً.

 

رابعاً: رغم هذا العدد الضخم من الأنفاق إلا أن أي منها لا يقوم بإدخال البضائع الأساسية لغزة.. مثل الطحين والسكر والبقوليات لأن حجمها كبير وسعرها رخيص نسبياً... ولانه يجب أن تدفع مائة دولار عن كل كيس طحين رسوم إدخاله من النفق وهذا يعني أن يصبح ثمن كيس الطحين مائة وخمسون دولار وهذا لا يقبله أحدا على الإطلاق... ولهذا السبب لا يتم تهريب الأسمنت مثلاً لكبر حجمه.. في الوقت الذي تستطيع أن تحضر بضائع أخرى مرتفعة الثمن ولها نفس الحجم مقابل المائة دولار.

 

خامساً: لقد ولدت ظاهرة الأنفاق في غزة ظاهرة جديدة وهي استعباد البشر مقابل حفنة صغيرة من الشواكل.. فقد لا يصدق البعض أن حجم العاملين في الأنفاق تحت الأرض يصل إلى عشرين ألف من العبيد الذين يقومون بالحفر أو العمل لساعات طويلة داخل النفق مقابل " 100 شيكل" أو أقل وبسبب حاجة الجميع للعمل في غزة فإن العمال يقبلون بهذا الاستعباد.. ناهيك عن فقدان الأرواح الذي وصل عددهم إلى (54) ضحية منذ شهر 5 وحتى الآن.

 

سادساً: أما المضحك المبكي في هذه القضية هو تشكيل أصحاب الأنفاق لاتحاد فيما بينهم لحل مشاكلهم مع الحكومة ومع العاملين وقاموا بالاتصال بالبلدية والاجتماع معها دون أن تقدم الأخيرة أي ضمانات للعمال المغلوبين على أمرهم، أو توفر مؤسسات أهلية قادرة على الدفاع عن ضحايا الأنفاق الأحياء منهم والأموات.

 

سابعاً: إن نسبة من يعمل في هذه الأنفاق من الأطفال يتجاوز الـ70% من كافة مناطق قطاع غزة وهناك عائلات تبحث عن أبناءها منذ زمن وهي لا تعلم أن هؤلاء يعملون في الأنفاق منذ فترة طويلة وهذا سهّل مهمة إخفاء أسماء المعتقلين السياسيين لدى سلطة حماس بدعوى أنهم قد يكونوا مفقودين في الأنفاق.

 

أما ثامناً: نتيجة لكثرة المشاكل التي يتعرض لها العمال هناك من قبل أصحاب الانفاق والنصابين يقوم الأمن الوطن التابع لحركة حماس في محاولة يائسة للدفاع عن هؤلاء وتخليص حقوقهم المالية وهذه ليست مهمة الأمن الوطني بالتأكيد...؟؟

 

أما تاسعاً: أصبح هناك خطورة حقيقية على العمل الوطني ومنظمات العمل الوطني خاصة في منطقة الجنوب بسبب عزوف أعداد كبيرة من الشباب عن الهم الوطني والتوجه للعمل في الأنفاق لتوفير رزقهم، أو طمعاً في الحصول على المكسب السريع.

 

عاشراً: هناك فنانون للتلاعب في أسعار السلع من خلال إثارة الإشاعات بأن الطرف المصري ينوي وقف الأنفاق كلياً أو أن الأمن المصري يقوم بمصادرة البضائع قبل أن تصل إلى رفح وهذا بالطبع يرفع أسعار السلع التي دخلت إلى غزة.. بشكل أوتوماتيكي لحين تبين كذب هذه الإشاعات.

 

الحادي عشر: لا رقابة حقيقية على دخول الأطعمة الفاسدة والأدوية وطرق إدخالها ومدى صلاحية هذه الأدوية، بعد التعرض لكافة أنواع الإفساد مثل (الحرارة، والرطوبة. وما إلى ذلك)... في الوقت الذي يمنع إدخال السلاح وحتى رصاصة واحدة ويتم محاسبة كل من يتجاوز ذلك... ما عدا أبناء حماس.

 

الثاني عشر: لقد أصبح حجم التداول اليومي بين غزة ومصر يفوق حجم التداول مع الجانب الإسرائيلي حتى وصلت نسبة الاستيراد إلى ما يقارب .اربعة ونصف مليون دولار يومياً أي ما يساوي 2 مليار دولار سنوياً وهو حجم الاستيراد السابق من الجانب الإسرائيلي، وهذا يعني أن هناك انتقال تدريجي لقطاع غزة للارتباط بمصر اقتصادياً ....على طريق التقاسم الوظيفي والسياسي للقطاع مع الجانب المصري وهذا ما تخطط له إسرائيل وتسكت عنه مصر وتقع في مصيدته حركة حماس.. وهذا أكثر الأمور جدية وخطورة على مستقبل قضينا ومستقبل الحوار مع الجزء الآخر من الوطن المقسم.

 

من كل ما تقدم.. هناك نمو واضح لشريحة مجتمعية مستفيدة من وجود الأنفاق ولا تتماشى مصالحها مع المصالحة الوطنية وأصبح الربح الخاص والمصالح الضيقة الشخصية ذريعة لعدم فك الحصار.. وهذا يتناغم مع الشريحة المستفيدة الموجودة بالضفة الغربية، والتي ارتبطت مصالحها بدوام حالة الانقسام والعلاقات الجيدة مع الإسرائيليين .. والنتيجة النهائية أننا جميعاً دخلنا في نفق لا مخرج منه سوى الانتفاضة على الجميع....والاكثر غرابة في كل ذلك ان هذه المسرحية الهزلية تجري امام اعين الجميع ...الاسرائيليون والمصريون والحكومة المقالة.... حتى ينتابك شعور بان كل هؤلاء مشاركون في اخراج هذه المسرحية .....؟؟؟؟؟ 

 

 الاثنين 1/12/2008|غزة