تناحر مشروعي فتح وحماس في تحليل مختصر ...

 

  تحسين يحيى أبو عاصي

 

بات العالم بما فيه قادة إسرائيل وأمريكا والرباعية الدولية وأوروبا مقتنعا ، بأن حركة حماس هي الأقدر على حفظ إنجاز اتفاق سياسي ، مع حكومة الكيان المحتل ، من أي قوة سياسية فلسطينية أخرى ، وأن حركة حماس هي المرشح الأقوى والفعلي لإنجاز أي اتفاق مع العدو عن طريق طرف ثالث ، على غرار ما حدث في التهدئة ، وما يحدث الآن من محاولات إنجاح لصفقة شاليط .

 

وتجري الآن من خلال كثير من القنوات السرية والعلنية اتصالات  تكاد أن تكون مكثفة ، مباشرة وغير مباشرة مع حركة حماس بهذا الخصوص ، ولقد صرح قادة الكيان المحتل ، بأن إسرائيل لا يمكنها إنجاز أي اتفاق سياسي مع نصف جسم ، وأن السلطة الفلسطينية لم تتمكن من حفظ الاتفاقات السابقة المبرمة مع إسرائيل ، وصعوبة اتخاذ القرار المركزي في حركة فتح ، وأنه لا يمكن لإسرائيل أن تثق بحكومة رام الله على ضوء وقائع ومعطيات الواقع الحالية والسابقة.

 

وما سمعناه عن وثائق وبرامج أمنية أمريكية وإسرائيلية وعربية ؛ لاحتواء مشروع حماس ، وطرح أفكار التدويل وإغراءات التمويل وتصورات إسرائيلية معروضة على جامعة الدول العربية ، على الرغم من خطورة ذلك كله على القضية الفلسطينية ، إلا أن ذلك مؤشر على ما نحن بصدده

 

ولا شك بأن الصراع القائم والمحتدم حاليا بين المشروعين السياسيين الكبيرين والمتناقضين إلى حد التناحر- مع الأسف الشديد -  لكل من حركتي فتح وحماس على الساحة الفلسطينية ، أصبح واضح المعالم إلى حد كبير ، فمشروع حركة حماس يهدف إلى السيطرة على القرار الفلسطيني ، وإلى قيادة النضال الوطني ، وتعديل مساره من نضال مرحلي سياسي سلمي ، إلى نضال من أهم مقوماته أنه لا يقبل مطلقا الاعتراف بإسرائيل ، وما يجب أن يترتب على عدم القبول وفق أيديولوجية حركة حماس .

 

ومن الواضح أن حركة فتح لها امتدادها التاريخي ، وجذورها الضاربة عميقا في الشعب الفلسطيني ، على الرغم من الإخفاقات والأخطاء التي وقعت بها ، ولها مؤسساتها وحضورها ، ومن الصعب إقصائها سياسيا ، فكل من المشروعين رقم صعب لا يمكن ألبته شطبه ولا تخطيه .

 

كما صار لمشروع حماس امتدادا عربيا ودوليا و صار له حضورا متميزا وقويا ، وعمل قادته من أجل نجاح مشروعهم وتثبيته ، على إنشاء وترسيخ حقائق بنيوية تحتية وفوقية ، وأصبح لهذه الحقائق امتداداتها وتشعباتها في كثير من دول العالم ، خاصة العربية والإسلامية ، بما يعني مزيدا من نجاح مشروع حماس أمام التراجع الواضح للمشروع الوطني الفلسطيني الذي تقوده حركة فتح ، وهو تراجع تظهر معالمه أيضا على كل الميادين والأصعدة ، بما يؤكد مجددا على أن المشروعين لن يلتقيا مطلقا ، وأن كل مشروع ليس هو فقط بديل للآخر، بل يجب أن ينشأ من فوق أنقاضه ( مع الحزن والألم الشديدين لنا ) مما يعني فشلا كبيرا لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وللمشروع الوطني الفلسطيني ، ولجميع التيارات والأطر القومية والوطنية والماركسية .

 

ولا أعتقد أن جميع الإجراءات الرسمية المتخذة حاليا ، أو التي سوف تتخذ مستقبلا بحق قطاع غزة ، والهادفة إلى إسقاط مشروع حماس من خلال الحصار والتجويع  ومزيد من الخنق ، أو من خلال عمليات تفجير في غزة هنا وهناك ، أو أي إجراءات إسرائيلية ، أو فلسطينية من خلال إعلان قطاع غزة إقليما متمردا ، أو أي إجراءات عربية ، أو حتى دولية سياسية أو عسكرية ، قادرة على إنهاء أو تراجع مشروع حماس ، على اعتبار أن ذلك سيؤدي إلى حل من نوع ما ؛ لأن ذلك بات أمرا صعبا وخطيرا من الناحيتين النظرية والعملية ، والتكتيكية والإستراتيجية ، وسيكون له تداعيات مؤلمة جدا على صعد كثيرة ، حتى لو أدت تلك الخطوات إلى سقوط الألوف جوعا ومرضا وفتكا ، وفق قراءة دقيقة للواقع ، ليس دفاعا عن حماس ولا عن فتح ، ولكنها قراءة تحليلية متواضعة .

 

ومن المؤكد أن حالة الانقسام والتناحر بين المشروعين ، أصبح لها تداعياتها الخطيرة على القضية الفلسطينية جملة ، وتراجعت القضية الفلسطينية عالميا وربما عادت بنا إلى الوراء سنوات طويلة .

 

ولم يكن نراجع قادة حركة فتح عن مطالبهم التي طالما نادوا بها سابقا من خلال وسائل الإعلام  : اعتذار حماس تسليم المقرات الأمنية والأسلحة -  وإعادة الشرعية تراجعا أتى من فراغ ..... لأن قادة فتح يدركون جيدا أن مشروع حماس آخذ في النمو والتقدم ، وأن الانقسام يتعمق ترسيخا ، وبات المشروع الوطني الفلسطيني في خطر حقيقي وعلى مهب الريح ، وأن منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح لا تتمكن مطلقا من إنجاز أي اتفاق سياسي مع الاحتلال بنصف جسد .

الحل هو كسر الحواجز النفسية واختراق حجب الكراهية والعداء ، وأن يلتقي الطرفان على مستوى قمة الهرمين التنظيمين بشكل مباشر وبقرار تاريخي شجاع على شكل طفرة ، كما حدث مع السادات عندما زار دولة الاحتلال  (مع الأسف على هذا التشبيه ) ، وبدون طرق ثالث أو واسطة من هنا وهناك ،

 

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتـي العَزائِـمُ
وَتأتـي علَى قَـدْرِ الكِرامِ المَكـارمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَينِ الصّغيـرِ صغارُهـا
وَتَصْغُرُ فِي عَيـن العَظيمِ العَظائِـمُ

 

 وطرح جميع القضايا المركزية على طاولة الحوار بروح من الاحترام والانفتاح والشفافية ، وتهيئة الأجواء من أجل تنجيح الحوار ، وإثبات حسن النوايا من خلال مبادرات طيبة ملفتة من كل طرف تجاه الطرف الأخر ، إن تبقى شيئا من حسن النوايا خاصة وانه من الواضح أن  المشروعين وصلا إلى طريق مسدود فلا مفاوضات ولا مقاومة .

 

 

www.tahsseen.jeeran.com  مدونتي : واحة الكتاب والأدباء المغمورين

tahsseen.maktoobblog.com  قلب يحترق في واحة خضراء