الأوروبيون يكافئون إسرائيل - عبد الستار قاسم

 

10/كانون أول/2008

 

قرر الاتحاد الأوروبي مؤخرا رفع مستوى التعاون مع إسرائيل، واعتبرها شريكا مقربا له الحق في حضور الاجتماعات والمشاركة في النقاش، والاستفادة من سياسات الاتحاد بصورة أفضل مما كان الأمر عليه. يأتي هذا القرار في الوقت الذي لم تقدم فيه إسرائيل أي شيء ملموس وحقيقي للسلطة الفلسطينية في رام الله فيما يتعلق بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والذي تحاصر فيه غزة وتمنع عن أهلها الطعام والعلاج. يردد الاتحاد الأوروبي باستمرار اهتمامه بمسألة السلام في المنطقة العربية الإسلامية، ويعبر عن حرصه على ضرورة التقدم في العملية التفاوضية، لكن قراره الأخير يؤكد مجددا أكاذيبه.

 

لم أكن يوما من المؤمنين بأن الاتحاد الأوروبي، مجتمعة دوله أو منفردة، سيكون ركنا أساسيا في إحلال سلام يعيد للشعب الفلسطيني شيئا من حقوقه الوطنية ذلك لأن الدول الأوروبية هي التي تآمرت على الشعب الفلسطيني وعملت على تشريده وإحلال اليهود الصهاينة مكانه. ربما يقدم الاتحاد الأوروبي مساعدات إنسانية، وهو يقدم بالفعل، لكنه، من الناحية الجدلية، لا يمكن أن يقف مع شعب عملت دوله، بخاصة فرنسا وبريطانيا، على تمزيقه وتشريده وإلغائه. هذه الدول الأوروبية التي مزقت أرض الشام وحولتها إلى إقطاعيات ضعيفة متنافرة، وحولت فلسطين إلى إسرائيل، لا يمكن أن تكون يوما إلا مع إسرائيل ضد العرب وضد الشعب الفلسطيني. قد تكون ألسنتهم يوما معسولة لكن قلوبهم تبقى مغلولة.

 

يقدم الأوروبيون للشعب الفلسطيني أحيانا مساعدات مالية وغذائية، ويدعمون منظمات غير حكومية توظف العديد من الفلسطينيين، لكنهم يقومون بذلك لسببين: أولهما للتأكيد على أنهم إنسانيون يراعون ظروف الجوعى والمساكين وأبناء السبيل، والثاني من أجل شراء المواقف السياسية المتمثلة بالتنازل عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. إنهم يستعملون الأموال لابتزاز المواقف السياسية بنعومة، وتحت شعارات الواقعية وفن الممكن. وأكبر دليل على ذلك أنهم تخلوا عن الديمقراطية بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وكانوا على رأس المحاصرين للشعب الفلسطيني من أجل إسقاط حكومة حماس. وعلى الرغم من عيونهم الدامعة أحيانا إلا أنهم مشاركون مع إسرائيل والأنظمة العربية في حصار قطاع غزة.

 

حكومات أوروبا لا تحترم العرب والفلسطينيين، ولا ترى أنهم أصحاب شأن يستحقون أي تقدير. إنهم ينظرون إلى العرب على أنهم مجموعات من الشهوانيين الانتهازيين الذين شاءت الأقدار أن تجلس صحاريهم على بحور من النفط والغاز، وهم أصحاب عقول معطلة، وأحاسيس متوحشة، ولا يتقنون سوى فن البطش والهمجية. كثيرون منا بخاصة الحكام ومن والاهم بالتأكيد يعززون هذه النظرة الأوروبية، لكنها تبقى نظرة عنصرية حاقدة تأخذ الناس بجريرة حكام أذلاء.

 

منا من يظن أن الأوروبيين يتفهمون الطرح الفلسطينيين، ويمقتون الإجراءات الإسرائيلية القمعية ضد الفلسطينيين. هذا ظن يستند على بعض العبارات الدبلوماسية المتناثرة التي يطلقها أوروبيون حول الحواجز العسكرية والجدار ومصادرة الأراضي، والحقيقة أن الأوروبيين يشاركون إسرائيل تماما بسياساتها الأمنية، ويعتبرون إجراءاتها مبررة ومشروعة، ولها كل الحق باتخاذ كل التدابير اللازمة للدفاع عن أمنها. الأوروبيون يتهمون الشعب الفلسطيني بالإرهاب، ويقدرون حرص إسرائيل على أمن الصهاينة اليهود. يخطئ من يظن أن أوروبا تقف ضد التعسف الصهيوني، ويخطئ من يظن أن الأوروبيين يؤيدون قيام دولة فلسطينية حقيقية. (لو) كانت الظنون صحيحة للمسنا سياسات أوروبية حقيقية وعملية في مواجهة الغطرسة الصهيونية. ما نراه هو أن أوروبا تكافئ الصهاينة.

 

إسرائيل جزء لا يتجزأ من المشاريع الاستعمارية الغربية والتي تأخذ أشكالا وأنماطا متعددة وذلك تبعا للحقب الزمنية. إسرائيل عبارة عن ركن هام من أركان الصراع على الساحة الدولية، وهي شريك في العجلة الغربية من أجل الهيمنة على العالم، وحسم الصراعات والمنافسات والخصومات لصالح الرؤى الغربية، والغرب عموما لا يمكن أن يضحي بإسرائيل من أجل فلسطينيين يمدون أيديهم طلبا للقمة الخبز.