إرهاب المستوطنين "الخليل نموذجاً"- محمد داود

إسرائيل وليدة عملية استعمار كولنيالي إحلالي يسعى إلى فصل أهل الوطن الأصليين عن أرضهم وبلادهم واستبدال اليهود أو غير اليهود بهم، وهي أيضاً دولة استيطان إثنوقراطيّة"

  فمنذ مائة وعشرة أعوام تقريباً التئم المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا وأتخذ رزمة قرارات مصيرية بالنسبة للصهاينة أبرزها : إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وعليه تم تشكيل صندوق قومي لتقديم الدعم المالي والسياسي لليهود في العالم وتشجيعهم إلى الهجرة والاستيطان على أرض فلسطين التاريخية ، كما تم تشكيل عصابات وفرق من الحركة الصهيونية لمهاجمة السكان الفلسطينيين وإحراق ممتلكاتهم وطردهم، وكان من أبرز تلك العصابات العنصرية التوسعية "أشتيرن والهغانا والأرغون" وبدعم من حكومة الانتداب التي كانت تغض البصر عن تلك الجرائم والممارسات.

وبالتالي ما تقوم به إسرائيل اليوم هو إعلان لواقع استمرت في إقامته وتكريسه منذ احتلالها للأرض الفلسطينية، والمتمثل في السرطان الاستيطاني وقضم الأرض وتهويدها؛ وفي مقدمتها القدس الشريف وإعطاء المناطق أسماء ومصطلحات عبرية والعمل على تزوير التاريخ وطمس معالم الحضارة الإسلامية في هذه البلاد؛ والمتمثلة بأعمال الحفر والتنقيب التي تجريها ما تسمى بسلطة الآثار وبدعم من المستوطنين الذين يزعمون البحث عن الهيكل فحرقوا المسجد الأقصى ودنسوه كما اقتحموا ساحاته وباحاته وارتكبوا المجازر الوحشية عشرات المرات، بهدف إنشاء ما يسمى بالتاريخ اليهودي فيه بالإضافة إلى تنشئة المستوطنين على أن هذه الأرض مناطق محررة من أرض إسرائيل الكبرى وقد قدم رئيس وزرائهم سابقاً "مناحيم بيغن" المسألة بفلسفة توراتية، وقال أن اليهود يعرفون ماذا يريدون وهم بقوتهم سيحققون كل شعاراتهم الدينية، بالتالي يجب أن نعلم أن هذه الكلمات وغيرها والتي تؤكد بكل وضوح أن أطماع الإسرائيليين لا حدود لها عند سقف هرتزل أو بن غورويون أو نتانياهو أو ليبرمان أو براك، وبخاصة أنهم يربطونها بالرؤية التوراتية الخبيثة، على أنها أرض الأجداد وكانت قصة الهيكل المزعوم هي الذريعة التي استغلتها لاحتلال فلسطين وتسويق أهدافها التوسعية التي اكتسحت مدن وقرى فلسطين التاريخية، ببنائهم لمزيد من المستوطنات واستكمال بناء الجدران العنصرية بهدف تكريس الأهداف الإستراتيجية الاستيطانية للمشروع الصهيوني على كامل مساحة فلسطين، لاسيما المنطقة الواقعة بين البحر والنهر، ومحاصرة من تبقى من الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين وعزلهم وفصلهم خارجيا بانتزاعهم من جسمهم وعمقهم العربي، وكذلك فصلهم داخلياً عن بعضهم بعضاً، فيفصل الضفة والقطاع مثلاً عن فلسطين الـ 48، والضفة عن القطاع، إضافة إلى تقطيع أوصال جسم الضفة بواسطة الكتل الاستيطانية والجدران الأساسية والالتفافية، وإنهاء المطالب والطموحات الوطنية الاستقلالية الفلسطينية، وفرض المحددات الجغرافية والسياسية لـ "اتفاق انتقالي طويل الأمد" باعتراف الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، فيما يسعى جاهداً إلى تكريس الخريطة الاستيطانية اليهودية في أنحاء جسم الضفة الغربية وتهويدها وبأيدي قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال من أجل تدمير البنية التحتية المدنية الفلسطينية، وإنتاج المزيد من معسكرات الاعتقال الجماعية للفلسطينيين، وذلك وصولاً إلى إجبار الفلسطينيين على الاستسلام والتنازل عن حقوقهم الوطنية المشروعة، لاسيما وأن الأخير لم يبقى له صدى في المحافل الدولية وفقد عمقه الاستراتيجي بعد أن عصفت به السياسة الداخلية ومشاهد الصراع المستمر، فيما باتت المهمات الملحة والعاجلة المطروحة على الأجندات الفلسطينية والعربية تتعلق بكيفية لململة الأوضاع والأوراق الفلسطينية، وتحقيق المصالحة والتعايش الفلسطيني بين الفصائل فيما أنشغل المواطن الفلسطيني في كيفية توفير احتياجاته الإنسانية والحياتية بفعل الحصار، عقب الفجوة التي أحدثتها حركة حماس عقب سيطرتها على قطاع غزة بالقوة المسلحة وتجزئة شطري الوطن، بالتالي المسألة منوطة بالتصدي للمحاولات الإسرائيلية الرامية لفصل الضفة عن القطاع، وذلك بعد أن كانت في وقت سابق تتركز حول بناء مقومات الاستقلال والدولة، والسعي من أجل تفتيت السلطة الوطنية الفلسطينية والآن تكرست في عزل غزة، وفي الاقتتال الفلسطيني الداخلي، الذي يخدم إسرائيل.

وإلى هنا نستنتج أن "إسرائيل" هي أكبر عملية توظيف سياسي للدين في العصور الحديثة، حيث وظفت الحركة الصهيونية وتنظيماتها وأحزابها، "الدين" كأداة لإطلاق "حركة سياسية قومية ولاختراع "وطن" ثم أداة "لبناء الدولة" ولبناء "قومية يهودية" و"ثقافة" خاصة متميزة والمشهد اليوم يروي الواقع دور حركة المستوطنين في الخليل المحتلة؛ التي تشهد على إجرامهم نتيجة اعتداءات المستوطنين وتربصهم لأهلها، فهي تذكرنا بعشرات الجرائم أبرزها تلك المجزرة التي ارتكبها أحد المستوطنين الحاقدين بحق المصلين الفلسطينيين الأبرياء وهم ساجدون وعلى إثرها تم تقسيم الحرم الإبراهيمي ، فأصبحت المدينة برميل بارود، ويكون باستيلائها على المدينة كما مدينة القدس مقدمة لزحفهم نحو مدن فلسطينية أخرى فربما غداً نابلس أو رام الله، وبالتالي  السيطرة التامة على مدن الضفة الغربية التي ترى فيها وضع جيوسياسي ملائم لنظرية الأمن الإسرائيلي وأساساً لكيانهم المزعوم، والخشية تبقى من إعلان المستوطنين إنشاء كيان مستقل لهم في مدن الضفة في حال توفرت الأرضية الكافية لذلك ولحسن أن تكون هذه الأحداث في الخليل أو القدس أو مدن الضفة الغربية وقطاع غزة حافزاً للفلسطينيين من أجل وحدتهم وإنهاء الانقسام والخلاف الدائر رحاه .