ــــــــــــــــــــــــــ

البروبغندا أولاً وأخيراً في برنامج حكاية ثورة :الرؤية المبتورة -  محمد محمود البشتاوي

ــــــــــــــــــــــــــ



محمد محمود البشتاوي

شاعر وكاتب صحفي فلسطيني عمان

albeshtawi@hotmail.com

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



عرضت شاشة قناة الجزيرة الإخبارية البرنامج الوثائقي "حكاية ثورة"، من إنتاج وإخراج عمر العيساوي، ضمن حلقات تلفزيونية، تناولت انطلاق الثورة الفلسطينية، وتشكل منظمة التحرير، والأحداث الساخنة من "حرب أيلول" 1970، إلى "الحرب الأهلية في لبنان" (1975-1988).

وافتقر البرنامج رغم أهميتهِ إلى القدرة على لملمة ملفات الثورة الفلسطينية، وتقديمها في رؤية شاملة، قادرة على استعراض التاريخ الفلسطيني بتنوعِ شخوصهِ وأحداثهِ، فجاء العمل مبتوراً، ومحدداً بإطار السياسة الرسمية، التي بترت رأي المعارضة الفلسطينية، وانتقت آراءَ شهودٍ تنقلوا بين أكثر من معسكر سياسي، من اليسار إلى اليمين، وصولاً إلى اعتلاء السلطة، ما جعل حلقات البرنامج موجهةً بشكلٍ مباشر، وكأنها حكاية تُروى على لسانِ شاهدٍ واحدٍ وإن تعددت الوجوه!.

ورغم هذا الخلل الذي تسبب في تقديم رواية ناقصة، فإن البرنامج لا يعدُ نشازاً في "جمهوريات الإعلام الموجه"، وإنما استكمالاً لبرامج أخرى لم تستطع التوازن، وتقديم معالجة شاملة تتناول كافة أطراف المعادلة الفلسطينية الداخلية، علماً أن بعض الوثائقيات استثنت أطراف داخلية، وأضافت رأي محللين ومؤرخين صهاينة، من باب "حرية الرأي والرأي الآخر"!.

إشكالية العنوان المضمون في "حكاية ثورة":

غاب عن البرنامج دور "حركة القوميين العرب" الصاخب في دفع عجلة الثورة الفلسطينية إلى الأمام، وإعطائها بُعداً عربياً وأممياً، بل ودورها في تشكيل النواة الحركية الأولى للثورة الفلسطينية منذ العام 1949م، حينما تأسست "كتائب الفداء العربي"، كما وتلاشى دور "جبهة التحرير الفلسطينية" التي تشكلت عام 1959م، فيما كان شيخ المجاهدين كما يُلقب بهجت أبو غربية نَسْياً مَنسِيا، رغم أنه مؤرخ وناشط ومؤسس حركي قاتل في صفوف الثورة منذ 1936م.

وإشكالية البرنامج أن عنوانه العريض لم يقدم إلا صورة مستنسخة ومصغرة للثورة الفلسطينية، التي تُشكل حاضةً تأتلف من عدة تنظيمات، وشخوص، ولها أحداث لا توجز في "الرصاصة الأولى" عام 1965م، ومسارها من الثورة إلى "الدولة / السلطة"، علماً أن غالبية "صُنَّاع الثورة" لم يلتحقوا بسلطة الحكم الذاتي.

كان بإمكان المنتج تجاوز هذا الإشكال، لو ضَمَّنَ رأي كافة الأطراف، أو اختار عنوانا آخر أكثر اتساقاً مع سير ومضمون الأحداث، بعيداً عن تقليص الثورة لتكون "حكاية تنظيمٍ واحد"، لاسيما وأننا في عصر الإعلام المفتوح.

ولتجاوز إشكالية القفز، والاسقاط، أو لتفتيت عملية الانتقاء، والاقصاء، فأشير إلى أهمية الاتكاء على نماذج تُعدُّ مَعيناً لمن أرادَ البحث في هذا الحقل، منها نموذج المؤرخ علي بدوان المتقدم في توثيق الثورة الفلسطينية، ضمن رؤية شاملة، وعميقة، استطاعت أن تقدم "حكاية ثورة" في عدة مؤلفات متوازنة، منها كِتاب "العنب والرصاص"، و"صفحات من تاريخ الكفاح الفلسطيني" (التكوينات السياسية والفدائية المعاصرة - النشأة والمصائر).

وإضافةً لما سبق؛ فإن مؤلفات وكتابات الصحفي اللبناني غسان شربل، تعتبر غنية في توثيق محطات الثورة الفلسطينية، ومنها كتابه الصادر مؤخراً "أسرار الصندوق الأسود"، وحواراته التي نشرت على صفحات "مجلة الوسط".

الرواة الخمسة والتناغم السيمفوني!

ضمن طقس كهنوتي، وتناغم سيمفوني، كانت "حكاية ثورة" رواية منقوصة، شكلاً ومضموناً، ما أسهم في ضعف العمل، الذي خطف رأي "الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين" لتُروَى على لسانَيْ ياسر عبد ربه وممدوح نوفل!، وكلاهما انشق عن حواتمة، فيما عُرض رأي "القيادة العامة" على لسان محمد أبو العباس، الذي انشق عن التنظيم عام 1976م!.

واستثنى المنتج بسام أبو شريف، المنشق عن "الجبهة الشعبية"، ليتحدث باسمهِ، باعتبارهِ مسؤولاً في منظمة التحرير، لا متحدثاً باسم الشعبية، وفي هذه أصابَ جزئياً، دون أن يعني ذلك تعديلاً أو تصحيحاً للمُجمَلْ.

ولم يكتفِ العمل في تزويق الآراء الأربعة السابقة، وإنما أضافَ رأيَ وليد جنبلاط الذي يتضحُ من خلال التصوير والتسجيل أنه أخذَ حديثاً، بعد أن انقلب إلى معسكر (14 آذار)، وبات حليفاً قوياً لـ أمريكا وفرنسا!.

إخراج ناجح وإخفاق في المعالجة

ورغم ما سبق؛ يُسجَّل للبرنامج، أنه جمع مادة أرشيفية نادرة، ومميزة، استطاع ربطها فنيًّا مع الحدث - التعليق، الأمر الذي أسهم في صناعة وثائقية نجحت في الإخراج، وأخفقت في معالجة شاملة للثورة، انزلقت نحو تخوم البروبوغندا، لتقدمَ روايةً ناقصةً!.