لعبة الكراســــي

 

 عبد النبي حجازي

 

(لعبة الكراسي) معروفة بين الأولاد في الأوساط الشعبية (السورية) كأن يكونون ستة أو سبعة فيضعون خمسة كراسي وعندما يصفّر الحكم يهرعون إليها فيحتل خمسة منهم خمسة الكراسي ويقف البقية خاسرين , أما إذا كان عدد الأولاد ضعف عدد الكراسي أو أكثر فإنها تنقلب إلى هوشة قد تكون دامية .  

  

يردني يومياً عدد من الرسائل من أشقاء فلسطينيين يتتبعون ذاهلين أخبار الانقسام بين حماس (السلطة المجمدة) وفتح (السلطة القائمة) ومايتبع هذا الانقسام من معارك دموية ينكّس فيها السلاح باتجاه العدو ويصوب إلى صدور الأشقاء في أحلك الظروف التي تمرّ بها فلسطين المحتلة والأمة العربية بأسرها . إن قليلاً من هذه الرسائل يتصف بالموضوعية , ومعظمها ينحاز إلى هذه الجهة أوتلك ، لكنها جميعاً تنبض بالألم والحرقة والمرارة والدم يغلي في عروق مرسليها ، الذين يردّ بعضهم على بعض بالحدة نفسها حاملين الانقسامات إلى المواقع الإلكترونية      

إذا ألقينا نظرة عامة على القضية الفلسطينية التي هي قضية العرب الأولى منذ النكبة عام 1948 وحتى الآن نجد أن مصيبتنا الكبرى هي (لعبة لكراسي) بين الحكام العرب يتسابقون للتربع على كرسي الزعامة العربية المطلقة والتفرد به بدليل أن كل بلد يسمي نفسه علناً أو ضمناً (أمة) فتشقَّقتْ الأمة العربية من حيث لايشعرون إلى (أمم شتى !) وإن (حوار الأديان) وما رافقه وما تلاه من تظاهرات إعلامية خير دليل على مانقول .  

خلال حرب 1948 كان المقاتلون يتفاجأون وهم في خنادقهم بالإعلان عن هدنة (مؤقتة) وخلال تلك الهدنة يستريح العرب ، ويتأهب اليهود ويرممون أوضاعهم . ورأينا ما حلّ بالدول المشاركة في القتال : في سورية ضابط برتبة عميد كان يرافق باخرة تحمل شحنة أسلحة قادمة من إحدى الدول الاشتراكية باتجاه ميناء اللاذقية فتتقرب منه (غانية يهودية) جاسوسة وتتحول الباخرة بما فيها إلى ميناء حيفا ، وتذهب سدى تبرعات أبناء الشعب بما فيها (حليّ النساء) . وفي مصر (الأسلحة الفاسدة) وفي العراق (ماكو أوامر) وفي الأردن كان الجنرال البريطاني (غلوب باشا) قائداً للجيش . وإذا تتبعنا معاهدات الصلح التي بدأت بتحييد مصر الدولة العربية الكبرى نرى بوضوع المخطط (الاستعماري ـ الإسرائيلي) وبالمقابل (التشرذم العربي) ونرى أن إسرائيل عندما أذاقها أطفال الحجارة المرارة وأن جماعات من اليهود الذين جذبتهم الدعايات الصهيونية إلى (أرض الميعاد) بشق النفس بدأوا يتحركون في هجرة معاكسة . لقد جعل (أولئك العفاريت) الصغار السياحة تتوقف في فلسطين المحتلة أو توشك بماتحققه من دخل وفير ، عندئذ تم استدراج ياسر عرفات إلى (أوسلو) طامعاً بعد نضال طويل منهك بتحقيق أحلامه في موطئ قدم هو (دويلة) متشابكة مع المحتلين وتحت رحمتهم , التقيت يومها في تونس مع الصديقين رشاد أبو شاور الذي كان يحلم بأريحا ويحدثنا عنها ليل نهار ويحيى يخلف الذي هو من أصل جزائري وقد رحبت به الجزائر وعرضت عليه أن تمنحه الجنسية وتسند إله منصباً رفيعاً فاعتذر ، وفاجآني أنهما قررا العودة إلى (الديرة) رغم أنهما كانا من معارضي اتفاقية (أوسلو) . وسجن أبوعمار في مقره في رام الله حتى إنه منع من حضور مؤتمر القمة العربي في بيروت ، ثم اغتيل أبوعمار بأحقر أنواع الاغتيالات وغاب ذاك الصوت الذي كان يملأ الدنيا بالعنفوان . وكان مخطط إسرائيل التي تسعى إلى تحقيق حلمها خطوة خطوة أن تمحو من الأذهان شعار (حق العودة) وأن تضم الضفة الشرقية (الأردن) إلى الضفة الغربية المحتلة فاستدرجت الأردن إلى وادي عربة ووقعت معها (معاهدة الصلح)

لقد ثبت على مدى عشرين عاما فشل تطبيع العلاقات (العربية) في مصر وفلسطين والأردن وسواها وأن المعاهدات لمم تتجاوز (الحكام) وآخر دليل هو الاستنكار الشديد الذي قوبل به شيخ الأزهر لأنه صافح شمعون بيريز في أمريكا  .   

  

ومنذ اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد الغزيز الرنتيسي إلى محاولة اغتيال خالد مشعل ثبت تغلغل المخابرات الإسرائلية وكثرة الجواسيس بين حركات المقاومة , وظهور عدد من الخونة الذين جمعوا الأموال الطائلة على حساب (قوت الشعب) وبدل أن تصفي حركات المقاومة (بيتها الداخلي) من تلك الشوائب الخطيرة أخذت الخلافات تستشري فيها ، وأخذ بعضها ينقضّ على بعض , فأين أنت أيتها الجدة (الحماسية) فاطمة النجار ذات التسعة أبناء والثلاثين حفيداً التي علقت في رقبتها (ام 16) وشنت هجوماً على المحتلين وفجرت نفسها ؟

 

وبغض النظر عمن هو المخطئ ومن هو المصيب الآن في هذا الشقاق الفلسطيني فإن الخطأ في هذا العراك الدموي إذا جاز لنا أن نسميه خطأ ما هو إلا جريمة فاضحة تقارب الخيانة ؛ الخيانة المتعمدة أو غير المتعمدة ، وبين من ؟ بين فتح العريقة التي ضحت بالكثير من أجل تحرير الأرض ، وحماس الصلبة التي ملأت قلوب العدو رعباً . فتح زلّتْ قدم بعض قادتها وحماس انزلقت إلى السلطة فارتكبتْ خطأ (تاريخياً) فادحاً . 

ولكن ... إن التقدم ليس كلاماً على الورق ، ليس خطباً حماسية ، وطروحات إعلامية تملأ الفضاء على طريقة "أسمع جعجعة ولا أرى طِحْناً) إنه فعل عام جماعيّ ينطلق من البنى (الفوقية) منتشراً في كل تفاصيل المجتمع , على هذا فإننا نحن العرب من أكثر شعوب العالم تخلفاً ، ولن نحقق خطوة تقدم واحدة إلا إذا انتصر (كل منا) على نفسه وإلا فلنطأطئ برؤوسنا ونترك أعدائنا (أعداء الإنسانية) يركبون على ظهورنا .

كفاكم يافتح وياحماس كفاكم .. حذار أن تهدروا الدم العربي الفلسطيني ، والكرامة العربية ، إنكم في أخطر بقعة في العالم وأكثرها حساسية , كونوا واقعيين وشكلوا حكومة وحدة وطنية ، وإياكم والتاريخ فإنه لايرحم .

 

anhijazi@Gmail.com