دفاعا عن حماس - عبد الحليم قنديل

08/12/2008

ليس كل تصرف يصدر عن حركة حماس يقبل الدفاع عنه، لكن مغزى حركة حماس في حركة التحرير الفلسطيني مما يصح الدفاع عنه وبشدة وقد تعرضت حماس للهجوم بشدة في مصر، وفي غيرها، وجرى خلط الأوراق، وتصوير حماس على أنها حركة إسلامية زائفة، وتمنع الحجاج الفلسطينيين من العبور إلى مصر فالسعودية، مع أن حركة حماس طالبت بالمساواة بين الحجاج، ومنحهم جميعا تأشيرات الحج، ولم تصادر على حق يجب أن يكون مكفولا للكافة، ولا ينطبق عليها قول شيخ الأزهر سيد طنطاوي، ووصفه لمانعي الحج بأنهم يرتكبون أكبر المنكرات، بل ينطبق على آخرين جعلوا من أداء الفريضة الدينية ورقة ضغط سياسي، هذا إن صح أن نستمع لشيخ الأزهر الحالي في أي حكم يتعلق بالإسلام أو بالسياسة، وهو ما نظن أنه لا يصح، إذ أن شيخ الأزهر أهان الأزهر والإسلام والمسلمين بمصافحته الغبية الأخيرة لشمعون بيريس، وفي حضرة العائلة السعودية!


وبعيدا عن حكاية الحج والحجاج، يبدو التنطع في الحكم على حماس ظاهرا، ليس فقط في دوائر السلطة المصرية ذات الأولوية الإسرائيلية، ولا عند شخوص زمرة عباس فقط، بل لدى فصائل فلسطينية وقفت أو ضاعت في البين بين، وتحمل حماس مسؤولية فشل ما يسمى الحوار الوطني برعاية مصرية، مع أن الكل يعرف الحقيقة، وهي أن الحوار إياه كان يجري بغير حياد، وأن النظام المصري ليس راعيا يوثق في حياده، وانه منحاز إلى عباس على حساب حماس، ليس فقط لأن مخاوفه ظاهرة من نفوذ حماس في غزة المجاورة لمصر المأزومة، بل أيضا لأن أولوية عباس ظاهرة عند الأمريكيين والإسرائيليين، والسياسة المصرية الرسمية رهينة لرغبات الأمريكيين والإسرائيليين، وتشوه دور الوسيط المصري يجعل الحوار بغير أمل في نهاية ترضي، فوق أن أفق الحوار مسدود، وسقفه غاية في الانخفاض، فالحوار كله يجري تحت خيمة أوسلو، ويجري النقاش على مصير سلطة يعلم الجميع أنها مجرد قبضة هواء، وأن نشأتها في ذاتها أعاقت حركة التحرير الفلسطيني سنينا عددا، وأن وجود عناصر حمساوية أو فتحاوية فيها لا يغير من الأمر شيئا، فنحن لانحتاج الآن إلى حكومة من فتح أو حكومة من حماس، ولا حتى إلى حكومة مشتركة، ولا إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة أو مؤجلة، ولا إلى دورة ثالثة لحكم ذاتي تخفض تكلفة الاحتلال وتزيد معاناة الفلسطينيين، بل نحتاج إلى انتفاضة ثالثة للشعب الفلسطيني تعفيه من الدوران والتيه في الحلقات المفرغة .

وقد لا يصح أن يقلل أحد من أثر الانقسام الفلسطيني، وهو حقيقة مرئية بالعين المجردة، لكنها ليست بين حكومة عباس في رام الله وحكومة هنية في غزة، بل بين طريقتين في العمل حجب ضباب السياسة طبيعة الفواصل بينهما، بين طريقة تستند أساسا إلى المقاومة المسلحة، وطريقة تستند أساسا إلى المساومة السياسية، وطريقة عباس ظاهرة بلا رتوش، فهو ضد المقاومة المسلحة ومرادفاتها من نوع الانتفاضة وغيرها، وهو يعمل بالتنسيق الوثيق مع إسرائيل والنظم العربية الخاضعة أكثر للرعاية الأمريكية، والأولى بفصائل البين بين أن تصوغ موقفها بوضوح وقطع من طريقة عباس، الأولى بالجبهة الشعبية ـ مثلا ـ أن تهاجم عباس وليس حماس، وأن تعلن القطيعة معه ومع طريقته، وأن تعمل ـ مع الجهاد الإسلامي ـ على دفع حماس للتركيز على خيار المقاومة المسلحة، وهجر صيغة أوسلو بكاملها، ووضع الحصان أمام العربة، وليس الوضع المعكوس الذي ولدت به سلطة أوسلو ومضاعفاتها، ورد الاعتبار لقضية التحرير أولا، وليس تقاسم كراسي السلطة الموهومة .. بالانتخابات أو بغيرها .

وقد اقتربت ساعة الحسم في الاختيار، ليس لأن مدة عباس الرئاسية توشك على النفاد في بدايات عام 2009، لكن لأن اتفاق التهدئة على جبهة غزة تنفد أيامه، بل وربما يكون الاتفاق قد سقط فعليا، وقامت حالة من الاستعداد لحرب، وزاد اختناق غزة بالحصار الكافر، فالمطلوب إسرائيليا ـ في الجوهر ـ خنق غزة وتفكيك حماس، وغزة هي قطعة الأرض الفلسطينية الوحيدة التي جرى الجلاء الإسرائيلي عنها إلى الآن، غزة هي قطعة الأرض الفلسطينية الوحيدة شبه المحررة بالكامل، والمطلوب بالمقابل : إقامة سلطة ائتلاف وطني بالتراضي في غزة، سلطة تمزج التعبئة السياسية بالتعبئة العسكرية، وهذا هو موضوع الحوار المطلوب الآن، وليس حوار الطرشان في القاهرة أو في غيرها، فقد كانت غزة دائما هي قلعة المقاومة الفلسطينية ومنبت أصولها، وهي الآن ـ فيما نظن ـ نقطة البداية في إقامة دولة فلسطينية حقيقية، دولة تقوم على مبدأ السيادة الكاملة بعيدا عن متاهات أوسلو، دولة تقوم على أرض محررة، وتسعى لاستكمال السيادة عليها جوا وبحرا، وتؤدي دور الحكومة الميدانية لعموم الشعب الفلسطيني في الداخل، وتنهض كرأس حربة في الحرب الوشيكة مع كيان الاغتصاب الإسرائيلي، ولو أن فصائل البين بين اشترطت على حماس مبدأ الائتلاف في غزة، وضم عناصر فتح الراديكالية إلى الائتلاف المطلوب، ووضع كل الفصائل المسلحة تحت قيادة عسكرية واحدة، لو أنها فعلت لأفادت نفسها وأنقذت حركة التحرير الفلسطيني من أخطائها، واستعادت لها طريقها الغائب، وأعادت الألق للقضية الفلسطينية، ووضعت أنظمة التواطؤ في الحرج، واستثارت تعاطفا شعبيا عربيا هو حلقة الوصل المفقودة في القصة كلها الآن .

ونزعم أن حماس تستطيع قلب الطاولة، فهي الحركة الفلسطينية الأكثر تأهيلا لدور قيادة الآن، وبشرط أن تضيف لقيادتها بعدا وطنيا ائتلافيا جامعا، وأن تؤكد عزمها على بناء منظمة تحرير فلسطينية جديدة، تضم الجميع دون زمرة عباس، وتشكل مجلسا وطنيا جديدا لعموم الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ولو فعلتها حماس، فإنها ستنتقل من خانة الدفاع إلى خط الهجوم، وتضع خصومها في المأزق الذي لافكاك منه، فليس بوسع فريق عباس أن يعيش في غير صيغة أوسلو، وهدم الصيغة ينتهي به إلى مقابر الصدقة، خاصة أن عباس رجل يفتقر إلى الجاذبية الشخصية، وإلى ميزة تعدد الخيارات التي كان يحرص عليها ياسر عرفات، بينما تبدو قيادات حماس في وضع أفضل، فهم ليسوا مغرمين بمنافع السلطة، وتحللهم من التزامات أوسلو يفيدهم بالذات، ويضيف ألقهم السياسي إلى جوار نزاهتهم الأخلاقية، ثم أن لديهم حركة أكثر تنظيما وأفضل تسليحا، وتستطيع بالفعل أن تخوض معركة باسلة لو أقدمت إسرائيل على إعادة اقتحام غزة، وأن تعيد تنظيم حركة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بأثر من تداعيات معركة غزة، وأن تفجر ما تيسر من انتفاضة ثالثة بتحريك الناس في الضفة والقدس، وأن تستعيد وحدة الجغرافيا بوحدة المقاومة .

ونحن لا ندعو إلى قيادة محصورة بغزة، بل إلى قيادة تنطلق من غزة، وإلى جعل غزة رأسا لحركة تحرير وطني فلسطيني جامعة لتفاعلات الوطن والشتات، وإلى جعل غزة قاعدة محصنة لدورة جديدة في حياة المقاومة باتساع الوجود الفلسطيني .

ولا ندافع عن حماس بأثر من تحيز سياسي أو أيديولوجي، بل نضع سلال الأمل عند عتباتها، فهي الحركة الأقدر الآن ـ لو أحسنت التصرف ـ على إعادة توحيد النداء الوطني الفلسطيني، ودون استبعاد ـ بالطبع ـ لحركة فتح، ودون قطع الأمل في تجديد داخلي لفتح يزيح عنها غمة عباس وزمرته، ويعيد إليها وهج الرصاصة الأولى .


كاتب من مصر