للمرة الثانية ، الامم المتحدة تمنح شرعيتها لاسرائيل - نقولا ناصر*




(باصداره القرار 1850 ، تبنى مجلس امن الامم المتحدة "الموقف الاسرائيلي ... لاول مرة" ، وهذا موقف "مختلف" عما قدمته خطة مبادرة السلام العربية تسيبي ليفني)




في محاولة ظاهرها الحفاظ على استمرار عملية انابوليس خلال فترة انتقالية يشهد فيها الشركاء الرئيسيون الثلاث ، الفلسطيني والاميركي والاسرائيلي ، استحقاقات تغييرات في الحكم ، بادرت ادارة جورج بوش الراحلة عن البيت الابيض الى رعاية مشروع قرار ينقل ظاهريا هذه العملية الى رعاية دولية لم تكن تنقصها اصلا برعاية اللجنة الرباعية الدولية لها الممثل فيها الامم المتحدة نفسها والاعضاء الدائمون الرئيسيون في مجلس الامن ، لكن هذه المحاولة تكشفت في الحقيقة عن اصدار القرار رقم 1850 كملهاة ترضية للشريك الفلسطيني بعد الاخفاق في الوفاء بالوعود الاميركية له وعن جائزة كبرى لدولة الاحتلال الاسرائيلي منح فيها مجلس الامن شرعية الامم المتحدة لعملية انابوليس ، وهي الحاضنة الدبلوماسية للرؤية الاسرائيلية لحل الصراع العربي الاسرائيلي بعامة والفلسطيني منه بخاصة ، كما كانت محاولة اخيرة لانقاذ عملية انابوليس وهي في طور الاحتضار بادخالها الى غرفة انعاش مجلس الامن الدولي .



فباصداره القرار 1850 في السادس عشر من الشهر الجاري ، تبنى مجلس امن الامم المتحدة "الموقف الاسرائيلي ... لاول مرة" ، وهذا موقف "مختلف" عما "قدمته خطة الجامعة العربية (أي مبادرة السلام العربية) ، "لان المبادرة العربية تتحدث عن الحاجة الى التوصل الى ترتيب شامل في الشرق الاوسط ، وفي نهاية العملية يقول العالم العربي: اذا توصلتم الى سلام كامل ، عندها سوف ناتي ونطبع العلاقات معكم" ، وبصدور هذا القرار "لاول مرة يكون هناك قرار لا يتعرض للمضمون ، او يقترح علينا او يجبرنا على القبول بمضمون حول كيفية انهاء الصراع مع الفلسطينيين ، بل يقبل المبادئ التي وضعناه نحن مع العناصر الفلسطينية المعتدلة ، فالمفاوضات ثنائية ، ظلوا خارجها ، ... والمفاوضات سرية ، ولن ناتي بين وقت وآخر لنسالكم عما يحدث فيها ، حتى يتم كل شيء" ... "لقد قرر مجلس الامن ان الاعتراف باي حكومة فلسطينية يعتمد على القبول بشروط الرباعية الثلاث ... الاعتراف باسرائيل ، ونبذ العنف والارهاب ، واحترام الاتفاقيات السابقة . فهل هذا يخدم مصالح اسرائيل ؟ طبعا يخدمها" .



والاقتباسات اعلاه ماخوذة من بيان رسمي لوزارة خارجية دولة الاحتلال الاسرائيلي ومن خطاب رسمي لوزيرة الخارجية تسيبي ليفني في المؤتمر السنوي الثاني لمعهد دراسات الامن القومي بجامعة تل ابيب في اليوم التالي مباشرة لصدور القرار 1850 ، وملخصها ان دولة الاحتلال التي حصلت في المرة الاولى على الشرعية الوحيدة لقيامها من الجمعية العامة للامم المتحدة بقرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 قد حصلت للمرة الثانية الان ولاول مرة على شرعية الامم المتحدة لرؤيتها في كيفية فرض القبول العربي والفلسطيني بواقع وجودها كأساس للسلام مع محيطها العربي والاسلامي .



ومن هنا الثقة التي رحبت بها دولة الاحتلال بالقرار 1850 ، وهي ثقة كان من الطبيعي ان لا تقابلها ثقة مماثلة في الترحيب العربي والفلسطيني المتردد بالقرار ، ولم يكن امام المفاوض الفلسطيني أي خيار آخر غير القبول بالقرار ، الذي تقول تقارير انه اطلع على نصه مسبقا وان ست تعديلات اقترحها عليه قد رفضت ، والا فانه يغامر بالاختلاف علنا مع الراعي الاميركي للقرار وبالتالي يغامر باصدار شهادة وفاة ل"عملية انابوليس" الذي صدر القرار لابقائها في غرفة الانعاش ، وذلك ليس في مستطاع المفاوض الفلسطيني لان الراعي الاميركي قد تحول عمليا بالنسبة اليه الى راع ايضا للمشروع الوطني الفلسطيني الذي تتبناه منظمة التحرير ولان عملية انابوليس قد تحولت عمليا الى الحاضنة لهذا المشروع .



وهكذا كان من الطبيعي ان لا يجد المفاوض الفلسطيني في القرار أية مواد واضحة تسند موقفه لكي يرحب بها في بيان رسمي يؤكد عليها كما فعل شريكه الاسرائيلي ، لذلك اكتفى ترحيبه بالقرار بعموميات تحجب خطورة القرار على القضية الوطنية بمنحه شرعية الامم المتحدة لبرنامج انابوليس المصمم لادامة الانقسام الوطني وتعميقه وتحجب كذلك خطورة القرار حتى على ما تسميه الرئاسة الفلسطينية "المشروع الوطني" لمنظمة التحرير بارتهان هذا المشروع والمنظمة نفسها وسلطة الحكم الذاتي التي تحمل اسمها في الاراضي المحتلة عام 1967 لعملية سلام قزمها القرار لتتلخص في "عملية انابوليس" ، التي يعد القرار بابقائها عملية تفاوض مفتوحة لا سقف زمنيا لها ، مرهونة بما يحرزه الطرفان "ثنائيا" من "تقدم" ، خصوصا وان القرار لم يصدر بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ليكون تنفيذه ملزما ، وهكذا تلخص ترحيب المفاوض الفلسطيني بالقرار باعتباره "مشجعا ... ويسمح لنا بالحفاظ على الامل في السلام" (الناطق باسم الرئاسة نبيل ابو ردينة) و"خطوة ايجابية" (رئيس دائرة شؤون المفاوضات بمنظمة التحرير صائب عريقات) ، بينما عبر المراقب الدائم لمنظمة التحرير في الامم المتحدة رياض منصور عن "سعادته" بصدور القرار لان مجلس الامن "سوف يشرف على عملية السلام التي بدات في انابوليس" ولانه بقراره الجديد أشار الى انه "سيعيد تأكيد سلطته بعد أربع سنوات ونصف السنة من الصمت" ، منذ اصدر قراره رقم 1515 الخاص ب"خريطة الطريق" التي تشير بدورها الى "حل الدولتين" ، وربما لهذه الاسباب ايضا تسرع المحرر السياسي لوكالة الانباء الفلسطينية الرسمية "وفا" في يوم صدور القرار في كتابة تعليق بعنوان: "قرار مجلس الامن 1850 خطوة اممية شجاعة وبرنامج عمل واقعي" !



اما المفاوض العربي ، ممثلا بلجنة المتابعة لمبادرة السلام العربية التي اطلعت ايضا مسبقا على مشروع القرار اثناء لقائها مع اللجنة الرباعية للامم المتحدة والولايات المتحدة والاتحادين الاوروبي والروسي في نيويورك قبل عرض المشروع على مجلس الامن ، فانه اكتفى بدور شاهد الزور الذي منح موافقته سرا في اجتماع الرباعية لكن استعصى عليه منح موافقته علنا في اجتماع مجلس الامن فامتنع عن التصويت . انها "اللعم" نفسها التي تميز الموقف العربي الرسمي منذ وقت طويل الذي يعجز عن الرفض ويسترضي الراي العام الشعبي العربي بالاستنكاف العلني عن القبول .



لذلك اعتبر الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى امتناع ليبيا ، العضو العربي الوحيد الممثل للمجموعة العربية في مجلس الامن ، عن التصويت مع القرار او ضده "يمثل الموقف العربي" الذي يرى بان القرار "لا يلبي الطموحات العربية" لانه لا يتضمن موقفا ضد الاستيطان الاسرائيلي في الاراضي العربية المحتلة عام 1967 كافة ولا يحدد مدى زمنيا للمفاوضات ، ليضيف وزير الخارجية المصري احمد ابو الغيط "عدم اشارة القرار الى ضرورة انهاء الاحتلال" كسبب ثالث وكون صياغة القرار "ليست الافضل من وجهة النظر العربية" كسبب رابع ، ويضيف ممثل ليبيا الدائم لدى الامم المتحدة السفير جاد الله عزوز الطلحي سببا خامسا هو "التعميم وعدم الوضوح المتعمد" في القرار ، بالرغم من "النقاط الايجابية" فيه كما قال موسى ، ومنها عودة "عملية السلام الى مجلس الامن" و "الاشارة الى مبادرة السلام العربية" ومبادئ مؤتمر مدريد لعام 1991 و "ضرورة الا تكون هناك اجراءات من أي طرف تؤثر على عملية السلام" ، وهي النقاط التي جعلت ابو الغيط يصف القرار بعامة بانه "خطوة ايجابية" وليلخص موسى الموقف العربي بعد صدور القرار ب"الانتظار" الذي ادمن العرب وبخاصة الفلسطينيين منهم عليه قائلا: "سوف ننتظر ما ستقوم به الادارة الاميركة الجديدة" دون ان يفوته حفظ ماء الوجه العربي بالتلويح ب "اننا لن نترك الامور هكذا الى ما لا نهاية" !



طبقا للممثل الشخصي للامين العام للامم المتحدة والمنسق الاممي لعملية السلام في الشرق الاوسط ، روبرت سيري ، فان مجلس الامن الدولي ، ممثلا للمجتمع الدولي ، باصداره القرار 1850 قد بعث "رسالة واضحة" بان التحدي الذي يواجه الشرق الاوسط خلال السنة المقبلة هو البناء فوق الارضية التي اسست للسلام خلال العام 2008 من اجل "تحويل الوعد الى واقع" (أي تحويل "رؤية" حل الدولتين الى حقيقة) وبان المفاوضات للتحرك بسرعة نحو هذا الهدف "لا يمكن الرجوع عنها" وبان "الهدف الرئيسي في الوقت الراهن هو استمرار التقدم في هذه المفاوضات خلال "الفترة الانتقالية" حتى تتسلم ادارة الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما السلطة في العشرين من الشهر المقبل وتاتي الانتخابات الاسرائيلية في العاشر من شهر شباط / فبراير المقبل بحكومة جديدة في دولة الاحتلال .



لقد حاول سيري ان يلخص "الرسالة الواضحة" للقرار 1850 بتفاؤل مبني على اساس ان مجرد اضفاء شرعية الامم المتحدة على "عملية انابوليس" كفيل بضمان استمرارها للحفاظ على الوضع الراهن للمفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية والحفاظ على الوضع الراهن على الارض ، متجاهلا ان هذا الوضع متحرك لا ساكن (كما يثبت على سبيل المثال عدم تجديد التهدئة في قطاع غزة في التاسع عشر من الشهر الجاري) ، وان استمراره هو الذي افشل عملية انابوليس وبالتالي فانه سيفشل ايضا القرار الجديد الذي يستهدف الابقاء عليها حية ، وان القوى الدولية الممثلة في اللجنة الرباعية ، وهي نفسها القوى النافذة في انابوليس وفي الهيئة الاممية على حد سواء ، قد فشلت في ايصال عملية انابوليس الى نهايتها المعلنة لها خلال العام المنصرم ولا يتوقع منها ان تنجح خلال عام 2009 فقط لانها وضعت ختم مجلس الامن الدولى على عملية تستبعد في مرجعياتها أي تدخل دولي في "ثنائية" مفاوضاتها ، وتستبعد تحديد سقف زمني لهذه المفاوضات ، وترفض تقديم أي ضمانات لالتزام المتفاوضين باستحقاقاتها ، وترفض تسمية أي طرف لا يفي بالتزاماته بموجبها (كما يثبت مثلا رفض الادارة الاميركية نشر تقرير الجنرال جيمس جونز مبعوث ادارة جورج بوش الخاص للامن عن تنفيذ الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي لالتزاماتهما بموجب تفاهمات انابوليس) ، ليتحول القرار 1850 باعادته التاكيد على كل اسباب الفشل هذه وغيرها الى "رسالة واضحة" حقا تعد فقط باستمرار الوضع الراهن وباستمرار الفشل .



ان التناقضات الكامنة في القرار 1850 كفيلة باجهاضه ، ليضاف الى ركام عشرات القرارات التي اصدرتها الامم المتحدة ومجلس امنها ، ومنها اكثر من عشرين قرارا خاصة بالاستعمار الاستيطاني الاسرائيلي في الاراضي العربية المحتلة ، وقد كانت الولايات المتحدة الراعية للقرار الجديد ، ومبادراتها الدبلوماسية مثل "عملية انابوليس" ، هي القوة الدولية الرئيسية التي تحول حتى الان دون تطبيق هذه القرارات ، ويمثل اغفال القرار الجديد لاي اشارة الى هذه القرارات التناقض الاول فيه ، كما اشار رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فاروق القدومي وعضو اللجنة التنفيذية للمنظمة تيسير قبعة .



اما التناقض الثاني في القرار فيتمثل في اعلانه عن ان السلام "الشامل" هو الهدف له بينما يؤكد تكرارا على ان هذا السلام الشامل يتقرر فقط بالمفاوضات "الثنائية" الفلسطينية الاسرائيلية ، وينص على "عدم التدخل" الخارجي فيها لكي يقرر الطرفان منفردين في ظل موازين القوى المختلة تماما بينهما صيغة السلام الاقليمي الشامل في المستقبل نيابة عن كل الاطراف العربية التي لها مصالح حيوية وطنية وقومية في أي صيغة كهذه مهما كانت وليقتصر دور المجتمع الدولي والجوار الاقليمي المعني مباشرة بالسلام في الشرق الاوسط على دور شاهد الزور .



ويتمثل التناقض الثالث في منع المجتمع الدولي من التدخل في المفاوضات الثنائية من جهة وفي حثه من جهة اخرى على دعم هذه المفاوضات وبخاصة تمويلها .



ويتمثل التناقض الرابع في استبدال التركيز على السلام نفسه بالتركيز على "عملية السلام" نصا مكررا ومؤكدا في ديباجة القرار كما في متنه وفي اغفال الشروط العملية المسبقة للسلام نفسه ، طبعا باستثناء النص على الشروط الاسرائيلية .



ويكمن التناقض الخامس في "التوازن" الظاهري في القرار بين طرفي الصراع مع الاغفال الكامل لحقيقة ان التوازن بين قوة قائمة بالاحتلال وشعب خاضع للاحتلال والحصار منذ ما يزيد على اربعين عاما انما ينطوي على انحياز صريح لدولة الاحتلال ويحول الارض المحتلة الى مجرد ارض متنازع عليها ينحصر تقرير مصيرها بالتوافق الثنائي عبر مفاوضات ثنائية فقط .



ويتمثل التناقض السادس في الغاء أي دور للشعب الفلسطيني في ان يقرر بارادته الحرة مواصفات الحكومة "الشرعية" التي تمثله بنص القرار 1850 على مواصفات هي اسرائيلية اصلا لشرعية أي حكومة فلسطينية مما يحول "القانون الاساسي" لسلطة الحكم الذاتي ومرجعيات منظمة التحرير في هذا الشان الى مجرد حبر على ورق لا قيمة له ، وبالتالي يحول أي اتفاق يتم التوصل اليه للسلام الى وثيقة مفروضة على الشعب الخاضع للاحتلال لا تقل اكراها وتعسفا عن الاحتلال ذاته ، وهذه وصفة جاهزة لاجهاض أي عملية سلام يدعى القرار حرصه على استمرارها .



ويتمثل التناقض السابع في تبني عملية انابوليس نفسها باعتبارها عملية للسلام بينما اثبتت هذه العملية على الارض طوال اكثر من عام منذ اطلاقها انها هي نفسها العقبة الاكبر التي تجعل أي سلام واقعي مستحيلا ، لانها تطيل امد الاحتلال وتمنحه شرعية الاستمرار وتعطيه حقوقا مغتصبة في الارض المحتلة وتضفي صفة قانونية زائفة على المكاسب الاقليمية التي اكتسبها بالتوسع الاستعماري الاستيطاني المحمي بالقوة المسلحة خلافا لميثاق الامم المتحدة ذاتها وفي انتهاك صارخ للقانون الدولي ، وتضعه على قدم المساواة في "الحقوق والواجبات" مع الشعب الخاضع للاحتلال .



اما التناقض الاخير وليس الآخر فقد اظهره الهدف المعلن للقمة التي عقدها الرئيس الفلسطيني محمود عباس مع نظيره الاميركي المنتهية ولايته جورج بوش بواشنطن في التاسع عشر من الشهر الجاري . فالقرار 1850 ينص بما لا يدع مجالا لاي شك على ضرورة مواصلة حصار قطاع غزة والاستمرار في مطاردة كل القوى الفلسطينية التي لها رؤية استراتيجية مختلفة عن "رؤية" بوش في الضفة الغربية ، بينما اعلن الناطق ياسم الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة بان هدف الرئيس من القمة هو "العمل من اجل الحصول على نهاية للحصار الاسرائيلي المفروض على غزة" .



*كاتب عربي من فلسطين

nicolanasser@yahoo.com