السر الاميركي المكشوف في الاستيطان الاسرائيلي

(ان ضمانات القروض الاميركية لدولة الاحتلال الاسرائيلي منذ بدات "عملية السلام" قد حولت واشنطن الى اكبر ممول للاحتلال والاستعمار الاستيطاني في العالم لا بل في التاريخ)

بقلم نقولا ناصر*



ان المعركة لم تنته بعد حول ملكية بيت فايز الرجبي في الخليل الذي احتله المستوطنون اليهود العام الماضي بحماية وحراسة جيش الاحتلال الاسرائيلي قبل ان تخليه قوات هذا الجيش يوم الخميس قبل الماضي من المستوطنين لتقوم هذه القوات باحتلاله بدلا منهم دون ان تسمح للرجبي بالعودة اليه ، اذ ان محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي حكمت بالاخلاء خلال ثلاثة ايام في السادس عشر من الشهر الماضي هي نفسها التي سوف تنظر في التنازع على ملكية البيت وليس مستبعدا ان تحكم لخصم صاحبه الفلسطيني لتامر نهائيا باخلاء الاخير واسرته المكونة من ثمانية وعشرين فردا معظمهم اطفال في المرة المقبلة ، غير ان عدم تسليط اضواء الاعلام على حقيقتين في هذه المعركة قد غيب البعد الاميركي فيها وفي كل مشروع الاستيطان الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 .



واولى الحقيقتين ان خصم الرجبي الذي يدعي ملكيته لبيته هو موريس ابراهام ذو الجنسية الاميركية الاسرائيلية المزدوجة ، وثانيتهما ان المنظمة الصهيونية الاميركية قد تصدرت الدفاع عن موريس ، وكانت في راس المحركين للمتطرفين اليهود (من مدرسة باروخ غولدشتاين الذي ارتكب مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف عندما فتح رشاشه فقتل تسعة وعشرينا فلسطينيا وهم ركعا سجدا بين يدي الله عام 1994) لكي يتدفقوا على المنزل المحتل للاعتصام فيه تضامنا مع موريس الذي قدم من نيويورك خصيصا للاعتصام فيه منعا لاخلائه ، كما كانت في طليعة المحرضين على مقاومة الاخلاء بالقوة وتحدي دولة الاحتلال ومحكمتها العليا ، وفي حال تم الاخلاء فعلا ، وهو ما حدث ، يجري الانتقام قتلا وحرقا وتخريبا من عرب فلسطين القاطنين بجوار البيت وفي مدينة الخليل ، وهو ما حدث ايضا ، وبلغ التحريض بهذه المنظمة "الاميركية" انها قررت فتح مكتب لها في بيت الرجبي المحتل كان مقررا ان تنظم احتفالا بافتتاحه يوم الاربعاء قبل الماضي "لكي نجعل الحكومة (الاسرائيلية) تعرف" بان هذا البيت "يجب ان يظل جزءا لا يتجزا من الخليل اليهودية ، الان والى الابد" ، كما قال جيف دايوبى مدير مكتب المنظمة في اسرائيل .



وهذا البعد الاميركي في معركة بيت الرجبي ربما يفسر الغياب اللافت للنظر لاي حضور سياسي او قضائي او امني لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في مسرح الحدث الذي اجتذب وسائل الاعلام طوال الاسابيع القليلة الماضية ، فمفاوض منظمة التحرير الفلسطينية الذي يقود هذه السلطة لم يكتف بهذا الغياب بل انه نظم "حملة امنية" ، صادف انها كانت متزامنة ، بالتنسيق مع قوات الاحتلال في محافظة الخليل لتجريد المواطنين من "السلاح" المتواضع "غير الشرعي" الذي حازه المقاومون منهم بشق الانفس للدفاع عن اسرهم ضد اي عربدة مسلحة للمستوطنين مثلما حدث قبل اخلاء بيت الرجبي وبعده ، مما تركهم مكشوفين تماما يذودون عن انفسهم بصدورهم العارية ضد الاعتداءات النارية عليهم ويراقبون بلا حول ولا قوة هجمات المستوطنين على ارواحهم وبيوتهم واملاكهم ودور عبادتهم ومقدساتهم ، بينما "اختفت" تماما قوى امن السلطة التي شنت هذه الحملة والتي تستهلك حصة كبرى من الميزانية الفلسطينية الشحيحة المرهونة لكرم "المانحين" ، لتكتفي القيادة السياسية للسلطة بتحميل المسؤولية عن "جرائم" المستوطنين لحكومة الاحتلال ومناشدتها تحمل مسؤولياتها لكي تقوم قواتها المحتلة المسؤولة اصلا عن هذه الجرائم بحماية المواطنين الفلسطينيين منها !



فالحملة الامنية التي شنتها السلطة كانت جزءا من عملية اوسع في الضفة الغربية وفاء منها باستحقاقات المرحلة الاولى من خريطة الطريق "الاميركية" لعام 2003 التي اعتمدها مؤتمر انابوليس الذي رعته واسضافته "اميركا" العام الماضي ، وكان "اختفاء" قوى الامن الفلسطينية عن مسرح عربدة المستوطنين حول بيت الرجبي جزءا ايضا من التزام السلطة بالتنسيق الامني الذي يشرف عليه ثلاث جنرالات اميركيين كبار (منهم جيمس جونز الذي رشحه الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما مستشارا لامنه القومي بانتظار مصادقة الكونغرس على ترشيحه) مع قوات الاحتلال ، وكل ذلك وغيره هو جزء من استمرار رهان المفاوض الفلسطيني على الوعود الاميركية بتحويل "رؤية" حل الدولتين الى واقع وهي الوعود التي اخل بها الرئيس الاسبق بيل كلينتون عام الفين ثم اخل بها خلفه جورج بوش الابن مرتين الاولى عام 2005 والثانية قبل نهاية عام 2008 الجاري ، وربما لهذه الاسباب "الاميركية" قررت القيادة السياسية للسلطة الفلسطينية الاستنكاف عن اي تدخل في قضية بيت الرجبي ولكي تظهر ايضا احتراما مفرطا للقانون الدولي الذي يحمل القوة القائمة بالاحتلال المسؤولية عن حماية المدنيين الفلسطينيين الخاضعين لها !



ان استمرار المفاوض الفلسطيني في الرهان على الولايات المتحدة الاميركية كان المظلة "الشرعية" التي استخدمها الاحتلال لمضاعفة عدد مستعمراته ومستوطنيها منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 وهي نفسها المظلة التي استخدمها الاحتلال ايضا غطاء فلسطينيا "شرعيا" لتوسيع هذه المستعمرات بحيث تضاعف البناء فيها سبع عشرة مرة خلال السنة التي اعقبت مؤتمر انابوليس بالمقارنة مع السنة السابقة ، حسب تقرير حديث لدائرة شؤون المفاوضات في منظمة التحرير نفسها التي تصر قيادتها على المكابرة السياسية لمواصلة الالتزام باوسلو وانابوليس ، هذا الالتزام المجاني الذي قاد الى خلق صدع عميق في الصف الوطني الفلسطيني قاد بدوره الى الانقسام الحالي الذي كان وصول حماس الى قيادة احد قطبيه نتيجة للانقسام اكثر مما كان السبب فيه .



وهذه المظلة "الشرعية" الفلسطينية نفسها تستخدمها الادارات الاميركية المتعاقبة للتعتيم على حقيقة ان المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين التاريخية ما كان له ان يتحول الى دولة لولا الدعم الاميركي العسكري والمالي والسياسي لما قال جو بايدن ، النائب المنتخب للرئيس المنتخب اوباما ، العام الماضي انه "القوة الوحيدة الاكبر التي تملكها اميركا في الشرق الاوسط" ، واذا كان يمكن تسويغ توفير مثل هذه المظلة الفلسطينية لاخفاء هذا التاريخ الاميركي القريب عندما خلا الجو للقوة الاميركية الاعظم الاوحد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي لكي تلغي دور الامم المتحدة وتتنطع لدور صانع للسلام العربي الاسرائيلي وتخدع الراي العام العربي باعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا لعرب فلسطين فان حوالي عقدين من زمن الاحتكار الاميركي الخالص لصنع السلام لم يكونا زمنا كافيا كما يبدو لكي يخلق القادة الاميركيون حقيقة سياسية جديدة مغايرة في سياساتهم الخارجية في المنطقة تتميز بالحياد في الصراع والنزاهة في التوسط لانهائه والمساواة في دعم طرفي الصراع ، فلماذا يواصل قادة فلسطينيون توفير مظلة فلسطينية مجانية للانحياز الاميركي الذي حول الولايات المتحدة عمليا الى شريك في حروب اسرائيل العدوانية التوسعية كما الى شريك في بناء مستعمراتها الاستيطانية في الاراضي التي احتلتها عام 1967 !



ان سلسلة ضمانات القروض الاميركية لدولة الاحتلال الاسرائيلي التي بدات عام 1992 (بقيمة عشر مليارات دولار على مدى عشر سنوات) ، اي مباشرة في السنة التالية لعقد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الاوسط ، وتجددت عام 2003 (بقيمة تسع مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات) ، اي في السنة التي اخرجت فيها ادارة بوش "خريطة الطريق" من جعبتها الدبلوماسية ، ثم توجت مؤخرا بثلاثين مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة ، في تزامن مع وعد بوش بقيام دولة فلسطينية قبل نهاية عام 2008 ، انما تكشف نهجا اميركيا سافرا لا يحتاج الى ذكاء كبير لادراك انه نهج يقوم على "الدفع" لاسرائيل من جهة وعلى "الوعد" للعرب من جهة ثانية .



وهذا النهج استمر منذ اعلن الرئيس هاري ترومان اعترافه باسرائيل ك"دولة يهودية" عام 1948 ، اذ مباشرة بعد ذلك صادق الكونغرس على معونة قدرها (140) مليون دولار للدولة الناشئة قدمت في شكل قرض من بنك التصدير والاستيراد ، وما زال الحبل على الجرار ليزيد الدعم الرسمي الاميركي المباشر والمعلن على مائة واربعين مليار دولار خلال الستين عاما المنصرمة من عمر النكبة الفلسطينية ، لتتحول دولة الاحتلال الاسرائيلي الى اكبر متلق للمعونات الاميركية في العالم ، بنسبة تزيد على ثلاثين في المائة من اجمالي مخصصات المعونات الخارجية في الميزانية الاميركية ، بمعدل ثلاث مليارات دولار سنويا الان ، او حوالي ثمانية ملايين دولار من اموال دافع الضرائب الاميركي يوميا .



وكان حسن النية الاميركي الذي يمكنه تسويغ المظلة الفلسطينية للتعتيم على هذه الحقائق الدامغة يقتضي وقفا لهذا النهج او في الاقل تغييرا فيه يوازن بين طرفي الصراع العربي الاسرائيلي ، خصوصا بعد انتفاء أي تهديد دولي او عربي لدولة الاحتلال بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واجماع الدول العربية على تحقيق السلام والصلح معها عبر التفاوض "فقط" واجماعها على اعتبار كل مقاومة لها "ارهابا" ، بخاصة بعد هجمات القاعدة في الحادي عشر من ايلول / سبتمبر ، لكن الادارات الاميركية المتعاقبة ، مهما كان الحزب الذي يقودها ، واصلت النهج نفسه في عهد "عملية السلام" .



ان ضمانات القروض الاميركية لدولة الاحتلال الاسرائيلي منذ بدات "عملية السلام" قد حولت واشنطن الى اكبر ممول للاحتلال والاستعمار الاستيطاني في العالم لا بل في التاريخ ، ومن الواضح ان تضاعف عدد المستعمرات ومستوطنيها اليهود في الضفة الغربية لنهر الاردن ما كان له ان يتحقق لولا التمويل الاميركي ، فالعشر مليارات دولار لضمانات القروض اوائل عقد التسعينيات الماضي قد مكنت دولة الاحتلال من استيعاب نسبة مرتفعة من المليون الذين هاجروا اليها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في مستعمراتها الاستيطانية منهم اكثر من اثني عشر في المائة في القدس ومحيطها المباشر ، وعلى سبيل المثال قالت حركة السلام الان الاسرائيلية ان حكومة دولة الاحتلال خصصت ملياري دولار من ميزانيتها لعام 1992 للمستوطنات وهي السنة التي حصلت فيها اسرائيل على ضمانات قروض اميركية بعشر مليارات دولار ، ليقدر الرئيس الحالي لدولة الاحتلال شمعون بيريس عام 2005 ان اسرائيل انفقت ما لا يقل عن خمسين مليار دولار على المستوطنات .



ان موريس ابراهام الذي يدعي ملكيته لبيت الرجبي في الخليل ، ومثله ليف ليفييف الذي يمول البناء في المستعمرات الاستيطانية والذي ثارت ضجة مؤخرا حول انباء عن فتحه متجرا للمجوهرات في دبي بالامارات العربية المتحدة ، ليسا الا قمة جبل جليد من الاف مزدوجي الجنسية الاميركية الاسرائيلية الذين خدموا في جيش الاحتلال ، وحرسوا المستعمرات ووفروا الحماية لمستوطنيها ، واستوطنوها ومولوها ، ولم يكن رئيس موظفي البيت الابيض الاميركي الجديد رام بنيامين عمانوئيل آخرهم ، ممن يجمعون التمويل "غير الرسمي" لدولة الاحتلال ومستعمراتها ، ففي الخامس والعشرين من اب / اغسطس الماضي ذكر تقرير لرويترز على سبيل المثال وجود ثلاثة عشرة منظمة اميركية لها صلة مباشرة "علنية" بتمويل المستوطنات وتروج لدعمها في اوساط المواطنين الاميركيين وتستفيد من "الاعفاءات الضريبية" لتحويل الاموال اليها ، ومن هذه المنظمات التي نشات حديثا نسبيا "صندوق الخليل" الذي يجمع مليون ونصف المليون دولار سنويا لتمويل الاستيطان اليهودي في خليل الرحمن ، وقد بلغت الصفاقة بمدير هذا الصندوق ، يوسي باومول ، ان يعترف علنا بان نشاط صندوقه يتعارض مع السياسة الخارجية الرسمية لحكومته حيال المستوطنات ، دون ان تتحرك الادارة الاميركية لا ضده ولا ضد صندوقه ولا ضد المنظمات المماثلة ، بينما تلاحق قضائيا الهيئات الخيرية العربية والاسلامية التي تجمع التبرعات لاسر ضحايا الاحتلال والمستوطنين من النساء والاطفال والمسنين الفلسطينيين .



ان المظلة التفاوضية الفلسطينية تستخدم ايضا للتعتيم على هذه الازدواجية الرسمية الاميركية وعلى التراجع التدريجي في موقف واشنطن من المستعمرات الاستيطانية من تخلي ادارة رونالد ريغان في ثمانينات القرن الماضي عن اعتبارها "غير شرعية" الى اعتبار ادارة بوش لها "غير مساعدة" و"عقبة" امام المفاوضات التي يجب ان تقرر مصير "العشوائي" وغير المجمعة والصغيرة منها بالتوافق الثنائي بينما قرر بوش في 14 نيسان / ابريل 2004 ان "من غير الواقعي" العودة الى حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 ليعطي لدولة الاحتلال ضوءا اخضر لضم التجمعات الكبرى منها (تضم اكثر من ثمانين في المائة من مستوطنيها اليهود) .



خلال الاسبوع الماضي نشر مجلس العلاقات الخارجية ومركز سابان بمعهد بروكينغز الاميركيان تقريرا تضمن توصيات للرئيس الاميركي المنتخب اوباما بالضغط على اسرائيل لتجميد البناء في المستعمرات الاستيطانية وبانتقاد هذا التوسع علنا وبربط التوسع الاستيطاني بالمعونات الاميركية لدولة الاحتلال ، لكن هذه التوصيات المكررة التي يرددها المفاوض العربي والفلسطيني منذ سنوات دون اية نتائج قد اصبحت اسطوانة مشروخة لا طائل منها وتقتضي تجربة هذا المفاوض مع ترديدها مع كل ادارة جديدة في البيت الابيض اعادة نظر جذرية شاملة في نهج التفاوض نفسه وشروطه ومحدداته ورهانه على واشنطن نفسها كوسيط في عملية السلام .



*كاتب عربي من فلسطين

nicolanasser@yahoo.com*