التهدئة تلفظ أنفاسها الأخيرة - محمد العبد الله

 

 

      يومان وتنتهي فترة تهدئة "الستة أشهر" الممتدة منذ التاسع عشر من حزيران/يونيو، وحتى التاسع عشر من كانون اول/ديسمبر الحالي. وقد جاءت بنود إعلان/اتفاق التهدئة الذي صاغت أفكاره وبنوده حماس، وتبنت اعلانه وترسيمه وشرعنته الحكومة المصرية، بعد لقاءات متعددة مع حكومة العدو، لتفتح حالة واسعة من النقاش داخل معسكري الصراع، الكيان الصهيوني، والحركة الوطنية الفلسطينية، التي سجلت بعض أطرافها تحفظات واسعة على بعض البنود، ناهيك عن قبول البعض الآخر لها بحالة من الامتعاض والنقد، والذي يقترب في بعض تعبيراته من صيغة الرفض، المغلف بصيغ توافقية، لاتخفيه براعة المتحدثين عنها، التزامهم بها حرصاً على "الوحدة الوطنية" وعلى التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني داخل سجن غزة الكبير. هذا الالتزام لم يمنع حركة الجهاد الاسلامي التي يمارس ذراعها المسلح "سرايا القدس" دوره المميز في المواجهة القتالية المسلحة مع العدو، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ولفصيلها المقاتل "كتائب الشهيد أبو على مصطفى" الذي يؤكد وجوده الدائم في معارك الصراع المسلحة مع العدو، من أن يؤكدا على "هشاشة " التهدئة و محدودية فائدتها للشعب الفلسطيني، خاصة _ وكان هذا أحد أهم نقاط ضعفها _ اقتصارها على القطاع، وعدم شموليتها للضفة الفلسطينية، التي تمارس فيها قوات الاحتلال عمليات الاغتيال والتصفية والاعتقال .

 

   طوال الأشهر المنصرمة، مارست الفصائل المسلحة في القطاع التزاماً واضحاً ببنود الاتفاقية، واجهه العدو الصهيوني بابقاء الحصار البري على" المعابر المخصصة لمرور المواد التموينية والمحروقات" ماعدا بعض الشاحنات التي لاتكفي حمولتها لبضعة أيام، مما دفع بالعديد من المواطنين والمسؤولين في المنظمات الأهلية للتأكيد على أن الفوارق معدومة تقريباً بين "تسهيلات" فترة التهدئة، و" العقاب الجماعي" خارج أيامها!. كما استمرت حكومة العدو، والجانب الرسمي المصري الذي يمارس الإغلاق من جانبه، تحت حجج واهية، على ابقاء معبر رفح موصداً بوجه حركة المواطنين الفلسطينيين بالاتجاهين. كما تمارس سفن العدو الحربية المراقبة على المنفذ البحري، مانعة الصيادين من ممارسة أعمالهم. ويترافق تنفيذ تلك الاجراءات وتصعيدها في ظل استمرار قيام آلة الحرب الوحشية بمهماتها اليومية في إطلاق قذيفة هنا، وصاروخ هناك. وقد أدت تلك الممارسات اللاإنسانية إلى اعتبار قطاع غزة منطقة منكوبة، يعاني أكثر من مليون ونصف المليون مواطن فيها من كارثة حقيقية أدت لانتشار المجاعة، وانعدام الخدمات الصحية، وتفشي الأوبئة، مما أدى لافتقاد المواطن لأساسيات الحياة البشرية، كما عبرت عنه بيانات المنظمات الدولية، وتصريحات العديد من الشخصيات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الانسان. وقد كان من نتائج استمرار الحصار انتشار وانتعاش ظاهرة "الأنفاق" التي لم تعد شرايناً للحياة فقط، بعدما أصبحت بوابات لعبور البضائع التي لاتقدر على شرائها جماهير الفقراء والمسحوقين، والتي تستفيد منها "شريحة محددة" يشير إليها أبناء القطاع بكل استهجان. إذ تخضع المئات من هذه الممرات لهيمنة مجموعات محلية من "القطط السمان" بدأت تراكم ملايين الدولارات بسبب انتعاش التجارة العابرة بها،  في ظل صمت العديد من الأطراف.

 

    مع اقتراب الفترة المحددة لانتهاء التهدئة، بادرت حماس لعقد عدة لقاءات مع بعض القوى الفلسطينية، بهدف الوقوف أمام نتائج التجربة، محاولة استشراف ملامح المرحلة القادمة، سواء بتمديد التهدئة أو الوصول لقناعة مشتركة بإنهائها. فتجربة الستة أشهر وفرت للاتجاه الداعي لانهاء التهدئة كل المبررات. إذ أن العدو لم يلتزم بها، بالإضافة لحرصه على الاستفادة من أجواء التهدئة، لتنفيذ كل مخططاته من قتل واعتقال وحصار. إن عشرات الشهداء الذين سقطوا بفعل نيران أسلحة العدو، وبنتيجة إجراءات الحصار وإغلاق المعابر، واستمرار عمليات الاغتيال في الضفة الفلسطينية، كما حصل في بلدة "اليامون" قرب مدينة جنين صباح يوم الثلاثاء 16 / 12، حينما أقدمت وحدات القتل الصهيونية على إعدام المقاوم البارز في سرايا القدس "جهاد أمين نواهضة".بالإضافة إلى التصعيد الواضح في حملات الاعتقال داخل الضفة المحتلة، للتعويض عن الأسرى أصحاب الأحكام المخففة الذين يتم اطلاق سراحهم، كما صرح بذلك أكثر من مسؤول داخل حكومة العدو. كما أتقديم قوات الاحتلال كل أشكال الدعم لعصابات المستعمرين في الخليل والقدس وقلقيلية، ماهي إلا ّ شواهد على كيفية تعامل العدو مع التهدئة التي بددتها عمليات قوات العدو وممارسات عصاباته منذ الأيام الأولى لإعلانها. يأتي كل ذلك  في الوقت الذي يزداد فيه صخب الإعلام الصهيوني، وتصريحات قادة أحزاب الكيان، في حملة البازار الانتخابي، التي تعكس الرؤى والأفكار العنصرية / الدموية التي يتفوه بها هؤلاء، عند أحاديثهم عن "الرد بالنار على النار"، أو من خلال عمليات كوماندوز خاصة، تنتظر القطاع في حال استمرار المقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ.

 

    إن محاولات كسر الحصار تتطلب من القوى الوطنية السياسية والمقاتلة توسيع دائرة المواجهة مع العدو، وليس من خلال الالتزام بتهدئة يلتزم بها الجانب الفلسطيني فقط، تتمكن خلالها حكومة الاحتلال من توفير الراحة للمستعمرات والجنود. خاصة وأن أية مراجعة موضوعية تنطلق من ثنائية الصراع بين الغزاة المحتلين والشعب المقاوم، ستؤدي إلى نتيجة محددة تقول بأن الحاق المزيد من الخسائر بجبهة العدو، العسكرية والسياسية، وتعرية وحشيته وهمجيته أمام العالم، هي العامل الأساسي  لإرغامه على تقديم التنازلات، وفي التهيئة لواقع جديد يفرض على العدو، والأطراف الاقليمية والدولية حقائق جديدة. لأن ترك هذا العدو ينام على حرير التهدئة، ووسائد طاولات المفاوضات، سيدفع بحكومته، وبعصابات المستعمرين المنفلتين في شوارع القرى والبلدات والمدن، لتحقيق العديد من النجاحات على الأرض. 

 

  

18-12-2008