البرازيل بين قرار التقسيم والتضامن مع الشعب الفلسطيني

 

 جادالله صفا





البرازيل وقرار التقسيم



29/11/1947 اثناء الجلسة الخاصة للتصويت على مشروع تقسيم فلسطين الى دولتين، كان الصوت البرازيلي بالجمعية العامة للامم المتحدة هو الصوت الحاسم الذى ادى الى اقرار المشروع، والسؤال الذي يبقى مطروحا هو معرفة حيثيات الموقف البرازيلي اتجاه اقراره، وما هو الدور الصهيوني بتلك الفترة؟



ابا ايبان يقول بمذكراته "كان لنا حلفاء جيدون فرئيس الجمعية العامة السيد اوزفالد ارانيا من البرازيل كان ولا زال محكوما برغبة مقدسة في خلق دولة يهودية"



لقد كان موقف اوزفالدو ارانيا بالجمعية العامة للامم المتحدة وبكل بساطة متاثرا من السياسة الخارجية للحكومة البرازيلية المتاثر بالموقف الامريكي من الصراع بالشرق الاوسط، حيث كان لارانيا دورا اساسيا في حث الدول الاعضاء على التصويت لصالح مشروع قرار التقسيم، وقد قام بتاجيل التصويت على القرار الى جلسة اخرى، والرامية الى كسب مزيدا من الاصوات تضمن الموفقة على قرارا التقسيم.

لماذا دور ارانيا كان اساسيا من اجل انجاح التصويت على مشروع قرار التقسيم؟ الباحث والمؤرخ البرازيلي فابيو كوفمان يشرح من خلال دراسة له منشورة على الانترنت الاسباب التي ادت الى دور ايجابي لاوزفالدو ارانيا لصالح قرار التقسيم فيقول:

من خلال لقاءات ومقابلات مع العديد من الاشخاص ذات العلاقة استمعت لاجابات مختلفة: منها "القناعة الشخصية" " التضامن والصداقة مع اليهود" عند ارانيا، واخرى " وهي عبارة عن "امتيازات تجارية وتمثيل صناعي"، وان تاكيدات الشهود تفتقر الى الاثبات والمصداقية الاخلاقية عندما تتهم ارانيا بانه كان معادي للسامية، والتي تقول بان ارانيا كان يرغب بالتخلص من الهجرة اليهودية الى البرازيل اثناء وبعد الحرب العالمية الثانية، بان ايقاف الهجرة اليهودية يكون من خلال وطن لهم.



ويضيف المؤرخ فابيو كوفمان، الملفت للنظر ما سمعته من مصادر موثوقة، بان اللوبي الصهيوني اكتشف بان اوزفالدوا ارانيا، كان معجبا جدا بامرأه ويرغبها، وان هذه الرغبة كانت العامل المحرك للوبي الصهيوني لاغراء ارانيا، بان تلك المرأة ستكون برفقته بالفندق بنفس الليله التي يتم بها اقرار مشروع التقسيم بالجمعية العامة.



البرازيل والتضامن مع الشعب الفلسطيني



بعد اقرار الجمعية العامة للامم المتحدة للقرار رقم 32/40 عام 1977 باعتبار يوم 29/11 من كل عام يوما عالميا للتضامن مع الشعب الفلسطيني، سارعت القوى والاحزاب واصدقاء الشعب الفلسطيني بالبرازيل، باحياء هذه المناسبة تعبيرا وتقديرا لنضال الشعب الفلسطيني، ولحقوقه السياسية والوطنية، وعلى راسها حق العودة الى الديار التي شرد منها، والعديد من هذه القوى والاطراف المناصرة والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، تشعر بمسؤولية البرازيل عن معاناة الشعب الفلسطيني من خلال تصويتها الى جانب قرار التقسيم، فشكلت لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني بالعديد من الولايات والمدن البرازيلية، ونشطت بهذا اليوم لاقامة المهرجانات والمسيرات والندوات احياءا لهذه المناسبة، وعززت من علاقاتها مع التجمعات الفلسطينية بالمدن والولايات، وساهمت فعليا بالدفاع عن القضية الفلسطينية بكل جوانبها تضامنا ونصرة للشعب الفلسطيني.



التضامن البرازيلي مع نضال الشعب الفلسطيني لم يقتصر على القوى الحزبية والمؤسسات الجماهيرية والشعبية والنقابية والطلابية، وانما انتقل الى المؤسسات البرلمانية البرازيلية، فاصدرت العديد من المؤسسات البرلمانية البرازيلية العديد من القرارات التي تعتبر يوم 29/11 من كل عام يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني سواء على مستوى الولاية ام على مستوى المدينة، ونذكر منها:

ولاية ساوبولو، ولاية ماطو غروسو، ولاية بيرنامبوكو، ولاية سيارا وولاية سانتا كاترينا اضافة الى عاصمتها فلوريا نابولس، اما المدن فهي: مدينة كورمبا بولاية ماطو غروسو دو سول، مدن كامبيناس وماريليا بولاية ساوبولو، ومدن بورتو اليغري، بيلوتس، سان بورجا، اسيغوا، غواريي وسانتا ماريا بولاية الريو غراندي دو سول.



كما اقرت العديد من المجالس البلدية مشاريع وقرارات، تسمية شوارع وساحات عامة باسم فلسطين تعبيرا وتقدير وتكريما للشعب الفلسطيني ونضاله، بالاضافة الى تقديم شهادات تقدير وتكريم للعديد من ابناء الجالية الفلسطينية لدورهم النضالي بالمدينة او لمكانتهم التجارية والاقتصادية، او دورهم الاجتماعي، وسنويا تقف هذه البرلمانات امام هذه المناسبة لتؤكد على عمق العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والبرازيلي، وتاييدها لحقوق الشعب الفلسطيني بالعودة وتقرير المصير وبناء الدولة المستقلة.



خلال هذ العام، ورغم الاخفاقات التي حصلت ببعض المدن والتجمعات الفلسطينية، والناتجة عن حالة الاحباط لدى بعض ابناء الجالية الفلسطينية، نتيجة السياسة الفلسطينية العامة، ولا نبرأ الحركة الصهيونية من دورها بافشال او تفريغ نشاطات بهذه المناسبة كما حصل بمدينة بورتو اليغري، حيث مقر الفيدرالية الفلسطينية، وللمرة الاولى منذ 24 عاما لم يعقد برلمان ولاية ساوبولو جلسة خاصة بهذه المناسبة، كذلك لم تعقد برلمانات الولايات بالعديد من المناطق الجلسات الخاصة بهذه المناسبة التي عودتنا عليها بالسنوات السابقة، وان هذا التراجع ياتي اساسا من تراجع دور القوى الفلسطينية والعربية، الناتجة بالاساس عن الخلافات القائمة وغياب البرنامج، اما العاصمة البرازيلية فكانت على عكس العواصم الاخرى فقد شهدت نشاطين بهذه المناسبة، احداهما احيته الجمعية العربية الفلسطينية والاخرى من خلال جلسة خاصة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ.



رغم التراجع ببعض المناطق لاحياء هذه المناسبة الا ان هناك مناطق اخرى نشطت سواء بمبادرة من الجالية ومؤسساتها او من قبل اطراف وقوى برازيلية ، فكان لنشاط مدينة بيلوتس بالجنوب البرازيلي طعما ونكهة مميزة عبرت عن عمق الترابط والتضامن بين الجالية وسكان البلد البرازيليين فقد قدمت الجالية وباسمها معونات من خلال المجلس البلدي لمنكوبي الفيضانات بولاية سانتا كاترينا، ومن جانبه قدم المجلس البلدي قطعة ارض للجالية ليقوموا ببناء جمعيتهم الفلسطينية عليها بالمدينة، كما وشملت نشاطات يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني العديد من المدن البرازيلية قامت بتنظيمها بعض القوى البرازيلية من لجان تضامن او مجالس برلمانية من اهمها، نشاط مدينة فوز دي اغوسو، الذي استمرلمدة يومين تخللها عرض احدى عشرة فيلما وثائقيا عن فلسطين، ونشاط حركة بدون ارض البرازيلية حيث تواجد بالنشاط العديد من ممثلي لقوى من عشرين دولة بامريكا اللاتينية.



ولكن اذا قمنا بمقارنة نشاطات هذا العام مع الاعوام السابقة نجد ان هناك تراجع كبير بنشاطات التضامن، ويعود هذا التراجع الى عدة عوامل ذاتية وموضوعية، وتتحمل كافة الاطراف مسؤولية وضع خطط وبرامج تؤكد على تعزيز العلاقات النضالية والتحالفية لدعم نضال الشعب الفلسطيني حتى تحقيق حقوقه الوطنية والشرعية والتاريخية وبمقدمتها حقه بالعودة الى وطنه فلسطين، من اولى هذه المهمات اعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على قاعدة ديمقراطية راسخة تضمن مشاركة كافة القوى والاراء والاتجاهات الفكرية والسياسية، والتخلي عن سياسة التعالي والانفرادية والانانية واحتكار القرار، فهذه التصرفات بالتاكيد لن تفيد الا اعدائنا وتضر كثيرا بعلاقاتنا وتحالفاتنا مع اصدقائنا من كافة القوى البرازيلية على ساحة البرازيل.



اما بخصوص الموقف الرسمي البرازيلي من القضية الفلسطينية والصراع بالشرق الاوسط، ما زال امامنا كفلسطينين مزيدا من الجهد، لتطوير الموقف البرازيلي اتجاه الحقوق الفلسطينية، وعلى راسها حق العودة لشعبنا الى الديار التي شردوا منها، وان تتحمل البرازيل جزءا من المسؤولية التاريخية لمعاناة شعبنا وماساته الناتجة عن دور ممثلها بالامم المتحدة اوزفالدو ارانيا عام 1947 لاقرار مشروع التقسيم، وها هي البرازيل قد استقبلت العديد من ابناء شعبنا اللاجيء، كما وافقت على استقبال عدد اخر قد يصل الى 700 لاجئا من لاجيئي العراق العام القادم، فتطوير الموقف البرازيلي اعتقد ان يجب تطويره باتجاه الموافقة على عودة اللاجئين الفلسطينين الى الديار التي شردوا منها، وان لا نكتفي بموقف تاييد اقامة الدولة الفلسطينية على حدود عام 1967، وتطوير هذا الموقف يعتمد اساسا على مقدار تمسك القيادة الفلسطينية بالثوابت الفلسطينية وتصعيد النضال وعلى كل الجبهات بما يضمن تطويرا بالمواقف الدولية ومنها البرازيل بما لها من دورا اساسيا وعلى وجه الخصوص بامريكا الجنوبية.



جادالله صفا

البرازيل

06/12/2008