ضاقت بهم أرض العرب على اتساعها :

فلسطينيو العراق في أيسلندا واوستوكهولم  بعد البرازيل

ــــــــــــــــــــــــــــــ

علي بدوان

كاتب فلسطيني

 

لم يبقى أمام اللاجئين الفلسطينيين في العراق سوى الهجرة القسرية من جديد خارج حدود العراق بعد عقود من النكبة، ومن الإقامة التي طالت في بلاد الرافدين، في المنطقة الصحراوية المحايدة السورية العراقية، والعراقية الأردنية في منطقة تعتبر من أسوأ الأماكن التي يمكن أن يعيش فيها البشر، حيث لم يكن أمام عدة مئات من العائلات الفلسطينية من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في بغداد منذ عام النكبة سوى طريق واحد للنجاة بعد حملات التضييق والقتل التي لاحقتها من قبل بعض الميليشيات الموتورة والمحسوبة على أحزاب عراقية، في حملة تعسف لامبرر لها في العراق على يد بعض الميليشيات المسلحة التي تحولت إلى ما يشبه " قطاع الطرق " في تنكيلها لما تبقى من المواطنين لفلسطينيين على أرض العراق، وفي اعتداءاتها المتكررة على أرواحهم وممتلكاتهم، فأنضم مئات الفلسطينيين الفارين من نيران الاستهداف ومن التدهور الأمني في بغداد، إلى تجمعاتهم على الحدود العراقية مع الأردن وسوريا في مناطق الرويشد والوليد والتنف، فضلاً عن تجمع مخيم الهول القريب من الحدود الشمالية الغربية للعراق مع سوريا.

 

ومن حينها بتنا الآن وبعد كارثة العراق، نسمع أسماء مخيمات وتجمعات فلسطينية جديدة تضاف إلى قائمة مخيمات وتجمعات الشتات الفلسطيني الممتدة في بلدان الطوق المحيط بفلسطين، بل والأحرى من ذلك أن نسمع عن مخيم فلسطيني جديد أسمه " مخيم نيقوسيا " على مقربة من العاصمة القبرصية تقيم فيه بضع عشرات من العائلات الفلسطينية التي هربت من جحيم القتل في العراق، وبتنا نسمع أيضاً عن مخيم أسمه " مخيم نيودلهي " على مقربة من العاصمة الهندية تقيم فيه بحدود (300) عائلة فلسطينية من العائلات الميسورة التي أسعفها حظها في القدوم هناك هرباً من عمليات القتل والتنكيل التي مازالت تمارس على أرض العرق ضد اللاجئين الفلسطينيين، وأخيراً جاء قرار حكومة أيسلندا قبول (29) لاجئاً فلسطينياً عالقين منذ عامين في مخيم التنف على الحدود العراقية السورية، كما فعلت قبل فترة قصيرة حكومة البرازيل باستقبال أعداد منهم بعد أن أدارت الدول العربية ظهرها لهم، وكما فعلت أيضاً الحكومة السويدية التي أعلنت عن عزمها استقبال (155) لاجئاً من هؤلاء العالقين، ومؤخراً  وقبل يومين من عيد الفطر المبارك غادرت دفعة جديدة منهم إلى السويد عبر مطار دمشق الدولي.

وهؤلاء لم يغادروا العراق بحثاً عن عمل، أو سعياً وراء عيش رغيد، أو لتحسين ظروفهم المعيشية، وإنما للنجاة بأرواحهم وأطفالهم من عمليات القتل على الهوية، التي مارستها ضدهم، وغيرهم، الميليشيات الطائفية الحاقدة، التي مزقت هوية العراق الوطنية وتحالفت مع المحتل ومشروعه الاستعماري الإذلالي، ورسخت ارثاً غريباً على العراق يقوم على الأحقاد المذهبية والكراهية للعرب والعروبة.

 

 ويعتبر " مخيم نيقوسيا " ومعه " مخيم نيودلهي " وتجمعات البرازيل والسويد وأيسلندا بمثابة المخيم رقم (9) للفلسطينيين الهاربين من جحيم القتل في العراق بعد أن كان البعض منهم قد لجأ إلى مخيم " الرويشد " على الحدود الأردنية العراقية والى مخيم التنف في موقع نقطة الحدود السورية مع العراق والى جانبه وعلى بعد كيلومتر واحد منه فقط يقع مخيم الوليد في نقطة الحدود العراقية مع سوريا، ومخيم " الهول " في الأراضي السورية وبالقرب من معبر اليعربية السوري العراقي الواقع أقصى شمال شرقي سوريا في محافظة الحسكة، بينما غادر من استطاع منهم من ميسوري الحال نحو مهاجر بعيدة في استراليا وأوربا الغربية.    

 

ففي مخيمات التنف والوليد والرويشد على الحدود العراقية والسورية الأردنية، في منطقة صحراوية قفراء، أقفل العرب أبوابهم في وجه هؤلاء، ليبقوا في العراء، وسط العقارب والثعابين وعواصف الغبار من ثلاث أعوام ونيف، يفترشون الأرض ويتلحفون السماء، داخل خيم كأنها حمام ساخن، لاتقيهم لهيب الشمس في النهار، ولا برودة الليل في المناخ القاري ليلاً ليصبح الوضع داخل الخيمة ليس أفضل حالاً. وكل ذلك دون أن يجدوا المساعدة المطلوبة بالحجم الممكن جراء هذه الإقامة القسرية، ودون أن يجدوا حلاً ناجعاً لهذه الإقامة المؤقتة المرشحة للاستمراء على ضوء انعدام التحرك الرسمي الفلسطيني والعربي لإنقاذهم، ومد اليد لمساعدتهم. فالخيام عادت أمام الفلسطينيين في العراق بعد عقود من النكبة الأولى، عادت لتفترش قطعة من الصحراء في مخيمات التنف والوليد ، الرويشد، والهول الصحراوية وحتى نيودلهي ونيقوسيا، الأمر الذي يستحضر ذاكرة اللجوء الفلسطيني في بداياته الموجعة خمسينيات القرن الماضي، ولاندري إن كانت ستقوم الطبيعة الهندية في ضواحي نيودلهي بدورها في إنزال كوارث جديدة باللاجئين الفلسطينيين هناك. إن الأوضاع المأساوية التي تحيط بأبناء فلسطين في التجمعات المشار إليها، لم تعتد تحتمل في ظل استمرار المجتمع الدولي تناسي قضية اللاجئين الفلسطينيين وتهميشها بشكل عام، وفي ظل ممارسات مجموعات من الميليشيات المنفلتة على أرض العراق، والتي تقوم باستباحة دماء وكرامة اللاجئين المدنيين الفلسطينيين المقيمين على أرض العراق منذ العام 1948، الذين أمسوا يلاقون أوضاع معيشية صعبة ويرثى لها وتفتقد إلى أدنى متطلبات الحياة سواء في الطعام أو العلاج أو ظروف الحياة اليومية التي يعيشونها.

 

ومازاد في الطين بلة، التدهور اليومي في أوضاعهم المعيشية، مع تنامي بوادر ظهور مجاعة حقيقية وتناقص في كميات المياه التي تصلهم بطرق مختلفة في هذا الصيف الحار، وهو ما أقرته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حين تحدث تقريرها الأخير وأعترف بصعوبة الأوضاع المعيشية بالمخيم المذكور، فالمواد الغذائية المقدمة من قبل المفوضية السامية لا تسد حاجة اللاجئين، والكميات المخصصة لكل فرد أسبوعياً بدأت تنخفض وفي أحيان كثيرة لا تسلم في أوقاتها، كما أنها مجموع كمياتها المقدمة شهريا لا تكفي لأكثر من (15) يوماً، فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين وضعت المخصصات لتكفي لـ (350) شخصاً في الخريف الماضي، لكن عدد اللاجئين الفلسطينيين ارتفع إلى (792) لاجئاً رغم هجرة (117) منهم إلى تشيلي قبل نحو شهرين فيما وافقت السويد على توطين (159) لاجئا أخر يتوقع مغادرتهم قريباً، وكما جرى قبل فترة حيال بضع آلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم ترحيل الجزء الأكبر منهم من أرض العراق إلى منافي البرازيل والهند وقبرص واستراليا. فضلاً عن أن حصة العائلة المؤلفة من أربعة أفراد وستة أفراد من المياه لا تتجاوز (25) ليتراً يومياً، وهي كمية لا تكفي إطلاقاً في ظل درجة حرارة تتجاوز الأربعين درجة مئوية وفق سلم سلزيوس للقياس الحراري، وعليه فان نساء المخيم يقمن باستجداء المياه من السيارات العابرة على طريق دمشق بغداد الدولي. فضلاً عن تواضع الخدمات الصحيّة المتاحة، ومروراً بكل التفاصيل الحياتيّة اليوميّة من سوء الطقس وهبوب العواصف الرملية التي لا تبقي ولا تذر شيئاً على حاله.

 

كما أن اللاجئين الفلسطينيين في مخيم التنف الصحراوي، يعانون من نقص الكهرباء حيث يوجد في المخيم عدد من مولدات الطاقة الكهربائية بطاقات منخفضة، عدا أن معظمها عاطل عن العمل، فضلاً عن تقطع توفر مادة (السولار/المازوت) اللازم لتوليد الطاقة الكهربائية، مما يجبر اللاجئين الفلسطينيين على طلب المازوت من السيارات والعربات المسافرة على الطريق الدولية بين بغداد ودمشق.

 

وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة قد أشارت أكثر من مرة للظروف الصعبة التي يواجهها نحو ألف فلسطيني يقيمون عند الحدود العراقية السورية والعراقية الأردنية بعد فرارهم من العنف في بغداد. حيث أكدت مصادر المفوضية على لسان الناطقة باسمها جنيفر باغونيس للصحافيين أن " الكثير من المقيمين في المخيم أمسوا بحاجة إلى عناية طبية عاجلة بما في ذلك أم لسبعة أطفال تعاني من سرطان الدم وفتى يعاني من مرض السكري"، وسبق أن توفي ثلاثة أشخاص بينهم طفل في شهره السادس بسبب إصابتهم بأمراض يمكن الشفاء منها، وتوفي كذلك الشاب محمد صادق خليل نتيجة إصابته بالفشل الكلوي، فقد كان هذا اللاجئ يعاني من مرض الكلى الذي أصيب به بعد اختطافه في بغداد على يد الميليشيات المسلحة وتعذيبه لمدة تزيد عن (16) يوماً دون طعام وماء، ومؤخراً توفيت الرضيعة ريتاج عمر التي لم تتجاوز عامها الأول، فافتتحت برحيلها الصامت المتفجر مقبرة جديدة للاجئين الفلسطينيين الهاربين من القتل الطائفي المجنون إلى المنفى الصحراوي البعيد على أعلى نقطة للحدود بين سوريا والعراق في مخيم الوليد الواقع في الأرض العراقية، حيث باتت أرضه تضم الآن رفات أربعة فلسطينيين في جبانة أقيمت في عمق الصحراء، فغابت ريتاج بأيام عمرها القصيرة تحت تراب الصحراء العربية وحفرت اسمها كأول شهيدة لمخيم الوليد، بينما نقلت جثامين ستة أفراد من الفلسطينيين الذين رحلوا عن الدنيا ومن المقيمين مخيم التنف إلى مثوى شهداء فلسطين في مخيم اليرموك. وحتى داخل بغداد لم يسلم من تبقى من اللاجئين الفلسطينيين من أذى المليشيات السوداء حيث قتل مؤخراً المواطن الفلسطيني عوض مصطفى الطنيب بعد أن خطف من قبل هذه المليشيات، وقتل اللاجئ الفلسطيني الصحفي خالد وليد النبهاني (25) عاماً جنوب العاصمة العراقية بغداد حيث أطلقت النار عليه بدم بارد من قبل الميليشيات السوداء ما أدى إلى إصابته بعدة أعيرة نارية في منطقة السيدية جنوب بغداد عندما كان يستعد للتوجه إلى عمله مما أدى إلى استشهاده. وفي مشهد مأساة اللاجئين الفلسطينيين على أرض العراق، تتلخص مأساة العراق، وينفتح جرح الظلم في عالم بات محكوماً بلغة بعيدة عن الإنسانية، عالم ينضح بالبشاعة، وهو يشجع أو يتغاضى عن عمليات القتل والتهجير التي تتم في العراق من قبل عصابات حاقدة متوالد بإرادة الاحتلال.

 

وفي الوجه الأخر من مأساة مخيم التنف وأشقائه من مخيمات الرويشد والوليد والهول، تبرز إرادة الحياة القوية لدى اللاجئين الفلسطينيين الذين افتتحوا مدرسة للتعليم تحت ظلال خيمة كبيرة، وتعمل بدوام كامل، وبكادر داخلي من أبناء المخيم، حيث يصرّ أبناء المخيم على تعليم الأطفال بمختلف شرائحهم العمرية، انطلاقاً من إرادتهم المجبولة بالمعاناة المتواصلة منذ خروجهم من أرض الوطن الفلسطيني وتحديداً من قرى جنوب شرق مدينة حيفا عام النكبة، حيث تدير المدرسة وكالة الأونروا في سوريا، وتدرس المناهج التعليمية السورية وذلك بعد تدخل متواصل من قبل العديد من الشخصيات الوطنية الفلسطينية المستقلة التي فرضت على المركز الإقليمي لوكالة الأونروا في سوريا تبني الجانب التعليمي لأبناء المخيم. كما أن حدود المكان وصلافة العيش، لم تمنعهم أيضاً من زراعة الخضار كالبندورة والكوسا وبعض الحبوب وريها بالمياه المستخدمة في الغسيل بعد تمريرها عبر قطع من القماش.

 

وفي الوقت الراهن، لم يتبق على أرض العراق سوى أعداداً محدودة من اللاجئين الفلسطينيين، باتوا على موعد دائم مع القلق المتزايد، والخوف من المجهول في ظل تناسي قضيتهم، وعجز السلطة الوطنية الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير والجامعة العربية من الحصول على ضمانات حقيقية بحمايتهم، وتأمين سلامتهم من المجهول الآتي.

 

أخيراً، من حقنا أن نسأل بمرارة : لماذا تثبت السويد والبرازيل والهند وقبرص وحتى أيسلندا الجليدية الباردة المجهولة الموقع في المحيط الأطلنطي، إنها أكثر حرارة ودفئاً وإنسانية من الغالبية الساحقة من الحكومات العربية وشعوبها التي تحمل في عروقها الجينات نفسها.

 

 

 

 

الحياة اللندنية

العدد الصادر يوم 10/12/2008